تحمل القصة القصيرة جدا الموجهة للأطفال رهان مصالحة الطفل مع القراءة، فهي تنهض بأدوار تعليمية وتربوية،وفي الوقت نفسه تساير إيقاع العصر وذوقه العام المائل نحو التلقي السريع. صحيح انها تحتاج إلى مزيد من الاشتغال على اللغة تبسيطا وشحنا بالدلالات المناسبة لأعمار المتلقين، كما تحتاج إلى الاشتغال على الصور الفنية بهدف تثوير الخيال والحس الإبداعي لدى الطفل، واللذين: أي الخيال والحس الإبداعي, يتم تقليص مساحتهما باستمرار بفعل هيمنة الصورة وسهولة استهلاكها، وبفعل إدمان الألعاب الإليكترونية واستحواذها على الحصة الأوفى من وقت أطفالنا وتركيزهم.
إن قصة الطفل القصيرة جدا، وهي تروم التعليمي والتربوي، لا تنسى في الوقت نفسه أن تلامس الجمالي والفني، وتحرص على غرس قيم الجمال، من خلال نقل الطفل المتلقي إلى عالم مواز لعالم الواقع، عالم يحارب العنف وكل أشكال الميز السلبي، وكل أشكال الإقصاء والاستغلال، دون قطع طبعا، مع عالم الواقع والمعيش: فقصة الطفل القصيرة جدا يجب أن تحكي عن واقع الأطفال وأن تنصت لنبض قضاياهم ودوائر اهتمامهم، وأن تجس هواجسهم ومخاوفهم، وأن تبرع في طرح أسئلتهم وطابوهاتهم، لكن دون الوقوع في خطإ إعادة إنتاج هذا الواقع.
ومن الخطإ أيضا، استسهال كتابة قصة الطفل القصيرة جدا أو الخوض فيها، وذلك لاعتبارات تجد تفسيرها في ما يلي:
* اختلاف مقاصد الكتابة باختلاف مراحل الطفولة: فاهتمامات الطفل وأسئلته الوجودية والحياتية، تختلف يقينا، باختلاف مراحل الطفولة: الطفولة الأولى، الوسطى والمتأخرة، وعليه يجب ان يأخذ الكاتب بالاعتبار خصوصيات المرحلة العمرية للطفل المستهدف بالتلقي.
* الأخذ بالاعتبار المرحلة العمرية يستدعي بالضرورة تكييف اللغة المستعملة والصورة الفنية مع هذه المرحلة العمرية او تلك: على المبدع ان يدرك خصوصية كل مرحلة عمرية من حيث الاستيعاب والإدراك، ومن حيث الترميز والمجاز وكذا سعة القاموس اللغوي المترصد لذى طفل هذه المرحلة أو تلك: أنا أكتب وأطمح في أن تصل رسالتي في ظروف تلق نموذجية.
* عدم الاستخفاف بعقول الطفل المستهدف: على المبدع أن يحترم رسالة الكتابة الأدبية، وأن يحترم المتلقي/ الطفل, آخذا بالاعتبار كون هذا الطفل هو أيضا مثلنا، يعيش في واقع شديد التعقيد، شديد السرعة، متسارع النبض والإيقاع والتغير، وفير المعلومة، متعدد الوسائط والأسناد المعرفية والتواصلية…، ومن المجانب لمنطق هذة السيرورة والصيرورة أن يكرر المبدع مواضيع قصصية مستهلكة ومتجاوزة شكلا ومضمونا تحت إلحاح نوستالجيا قصص الجدة وتحلق الحفدة حول موقد حكاياتها، فالزمان لم يعد هو ذاك الزمان، والجيل لم يعد هو ذاك الجيل!! بل عليه ( المبدع) أن يسعى إلى تحيين مواضيع قصصه ورسائلها ويجتهد في اختيار شكلها وفضاءاتها .
* الوعي بأن التوجيه وتمرير الرسالة لا يعني أبدا ممارسة سلطة ايديولوجية مهما كان نوعها ومنطلقها، على الطفل المتلقي, ومن منطق هذا الوعي دائما، يحرص المبدع على جعل قصته القصيرة جدا مساحة للتساؤل الممهد إلى المعرفة، للتمهر على النقد والغربة وتكوين الرأي والموقف الشخصيين، ولتأسيس الشخصية وصقلها وإنضاجها.
وختاما رهان اعتماد القصة القصيرة جدا الموجهة للأطفال جزءا معيشا من واقع أطفالنا، ينبغي ان يكون هو رهاننا جميعا، بصفتنا مثقفين ومربين وآباء ومدبرين للشأن العام: فالقصة القصيرة جدا الموجهة للأطفال تمنحنا إمكانية تقويم السلوكات والانحرافات ومحاربة الإدمان على استهلاك الالعاب الإليكترونية، والتخفيف من عزوف الأطفال عن القراءة: القصة القصيرة جدا تراهن في هذا الصدد، على قصرها غير الباعث على الملل، وغير المحتاج إلى وقت أطول للقراءة ( مع أنني أميل شخصيا إلى جعل القراءة عموما سلوكا يوميا ومألوفا), وقصرها هذا ملائم لواقع التعلمات الصفية المدرسية: حيث بالإمكان اعتماد القصة القصيرة جدا الموجهة للأطفال وسيطة من الوسائط التعليمية المحفزة على القراءة وعلى إعادة الإنتاج: وهكذا نحول الطفل من القراءة إلى محاولة الكتابة، فننمي ملكاته الإبداعية، نغرس فيه عشق الحرف كتابة وقراءة، نمنحه وسيلة تعبير راقية عن مشاعره وأسئلته، كما نمنحه منبرا عاليا للتعبير عن ذاته وشخصيته، يخاطب، منه وبه، أقرانه ومجتمعه.
في إطار التوجيه نختم بالقول: لكي تكتب قصة قصيرة جدا موجهة للأطفال، يجب أن تتصالح مع الطفل الموجود داخلك، أن تعيد إليه منطق الطفولة ولهفتها وحرقة أسئلتها، أن تعيش مع الجيل الجديد زمنه الفكري والوجداني، بعيدا عن تجاعيد الذات ومراياها الغبشة.. أن تسمح لسفينة إبداعك أن تعود إلى المنبع!.
- القصة القصيرة جدا الموجهة للأطفال ورهان الكتابة عكس مسار الزمن
- التعليقات