القِصَّةُ في اللغة هي عبارة عن حكاية مستمدة من الواقع أو الخيال أو من الاثنين معاً، وتكون مبنية على أسس معينة من الفن الأدبي، وجمعها قِصَص، والقصة بمفهومها المعاصر هي تسجيل أحداث في حقبة زمنية ، سواء كانت أحداثاً كثيرةً أم حدثاً واحداً، وتكون هذه الأحداث قد تركت أثراً في نفس الكاتب، الأمر الذي دفعه إلى كتابتها، وقد تكون هذه الأحداث واقعةً خلال فترة طويلة فتشكل ما يسمى بالرواية، أو فترة زمنية متوسطة فتشكل ما يسمى بالقصة، أو تكون الفترة قصيرة فتشكل ما يسمى بالقصة القصيرة.
و الغاية منها القصة تحقيق الفائدة من خلال طرح المشكلات التي تواجه المجتمع واقتراح الحلول لها، كما تكشف أحداث القصة عن أمور دقيقة يهتم لها القارئ لكنه يعجز عن تفسيرها، كما تحقق القصة المتعة من خلال طريقة بنائها وتسلسل أحداثها، والإبداع في سرد أحداثها ورسم شخصياتها، بالإضافة إلى شد انتباه القارئ.
وقد شهدت القصة العربية تطورات كبيرة بتلاقح الحضارات، بالإضافة إلى التطور السريع في وسائل الاتصال ووسائل الإعلام، حيث أصبحت القصة أداةً إعلاميةً معاصرة، وقد أثّر هذا التطوّر الرّهيب للحياة المعاصرة على القصة من حيث كمّ اللغة فيها ليستجيب لتقلّص الوقت لدى القارئ و تغيّر الميزاجية لديه حيث لم يعد القارئ قادرا على تحمل اعباء الصفحات الزاخرة بمئات العبارات فهو يريد أن يعرف كلّ شيء بأقلّ قدر من الألفاظ و وقت وجيز.
و ها هنا طفا على السطح جنس الأدب الوجيز وأشهرها ققج ” القصة القصيرة جدا ” بأكثر حدة مع تضخّم استعمالات مواقع التواصل الاجتماعي…
وحاول النقّاد ايجاد مخرج لمأزق كمّ اللغة في هذه الأجناس الأدبية و خاصة القصة القصيرة جدا
و دخل الكثير في جدال التّأسيس لوضع مقاييس لها… فتعدّدت مشاكلها ببروز المعادلة الصّعبة، وهي طريقة ايجاد العلاقة بين عناصر القصّة و التحكّم في كمّ اللغة و شروط الققج

1/ الفكرة و الققج:
وهي الهدف الذي يريد الكاتب إيصاله للقارئ، ويمكن القول بأنه العبرة من القصة التي يستفيد منها القارئ. وهذا العنصر تضمنه اللغة حيث أنّ لكل جملة تامة فكرة و مضمون يمكن للقارئ استنتاجه…. فلا مشكلة من حيث هذا العنصر في الققج…

2/ الحدث و الققج:
وهي الوقائع المنظمنة والمذكورة في القصة، من هنا تختلف الآراء حيث يرى البعض امكانية تعدد الأحداث في الققج و بالتالي أجازوا امتداد كم المفردات ليتجاوز الخمسين… و آخرون أجازوا الحدث الواحد…و بالتالي التقيّد بشرط عدم تجاوز العدد المذكور أو أقلّ…
وهنا قد حاول بعض الكتاب التوفيق بين هذا و ذلك فسقطوا في حشو النّصّ بمجموعة من الأحداث المتواترة تأخذ طابع الطابور يفصل بين الحدث و الآخر فاصلة أو نقاط متتالية، ليضمن الاختزال و لا يتجاوز المسموح به من العبارات و يضمن تعدّد الأحداث لينتمي النّص إلى جنس القصّة… بهذا الشكل يصبح النصّ ركيك البنية حيث لا نجد حركة الشخصيات يسيرة فيغيب عنصر التشويق، و يبرز الابتذال في النص بشكل جلي: على سبيل المثال …” كبر،تزوّج، أنجب أبناء….

3/ العقدة-الحبكة و الققج:
وهي مجموعة من الأحداث التي تدور حول صلب الموضوع وتكون متسلسلةً ومرتبة تبعاً لأسبابها، وتمتاز الحبكة بعنصر لفت الانتباه وشد القارئ لما يقرؤه.
ومن وجهة نظري فهي العنصر الأكثر أهمية من حيث ضمان مواصلة القارئ للنّصّ وهي أن تجعله يهتمّ لشخوصك و يتفاعل معها وجدانيا فللكاتب القدرة على أن يبني علاقات بين القارئ و شخصيات نصه حيث يمكن أن يجعله يتعاطف مع المظلوم و ينبذ الأشرار…فيتعطّش لبلوغ نهاية النّصّ، و يتعرّف على مصير كلّ واحد…

4/ البنية السردية و الققج:
وهو التطور الذي يطرأ على شخصيات القصة وأحداثها، وتبدّل أحوالهم بداعي تحقيق شرط التكثيف قد يهمل هذا العنصر فتصبح الققج كتلة عبارات موغلة في التّرميز ينفرها القارئ وقد جاء هذا الجنس الأدبي ليتلاءم مع الميزاجية المتوترة في غالب الأحيان، و بهذا لا يمكن ضمان متابعة النّصّ لتتحقّق القصّة في الققج لزام أن نحافظ على البنية كأحد المقوّمات الهامة للقصة فلكلّ منها مقام بداية و وسط و نهاية، و لهذا يقع الأغلبية في فخّ تجاوزه فيقتصر النّصّ فقط على …القصيرة جدا أقصد بذلك غياب العنصر الأوّل الهام وهو …القصة…
و لتجاوز الاشكال وجب تحقيق شروط الققج في كلّ مقام في النّصّ… أقصد المعيار الكمّي، المعيار الفنّي، المعيار التّداولي، الخصائص الدّلالية في كلّ مقام للقصة أي تواجد هذه المعايير في العنوان، في مقام البداية، مقام التحوّل و مقام النهاية و هي القفلة التي تمتزج فيها تلك المعايير بتقنيات خاصة فترفع النّصّ لبلوغ مرحلة التميّز والابداع. و أقصد بالتقنيات الخاصة تلك النقلة المباغتة من أغوار النص الذي يشوبه التّعتيم إلى خارجه المنير الصّادم المستفز.ومن هنا فالقفلة الصادمة هي التي لا تنهي القصة القصيرة جدا بل تفتح النص أمام المتلقي فتثير دهشته وتجعله يشعر بالذهول والإعجاب والتحليل بالإبحار في عمق النص.
و بإيجاز فالقصة القصيرة جدا وجب تحقيق عناصرها و فق شروطها، قصة بتوفر أركانها… قصيرة بتوفر شروطها… جدا بتوفر معاييرها…

أضف تعليقاً