يمتاز السرد القصير جدا بقيمتين أساسيتين:
– قيمته الإحيائية .
– قيمته الحوارية .
تنبع القيمة الأولى – وهي وظيفية محضة تتوخى إعادة الاعتبار للفصاحة والبلاغة – من البنية الشكلية التي لا تتفرد ولا تتميز إلا عند بلوغ النص لحدود الإيجاز (بلاغة الإيجاز ) , وتفرده البلاغي (اللغة المجازية ) , ومجاورته لخصائص الشعرية (الترميز,التخييل , الانزياح …)
ولعل هذه الخصيصة تعتبر بوابة للانتماء الجنسي ,وشرطا موضوعيا للقبول أو النفور , حتى كأننا لا نكاد نتصور نصا يدعي انتماءه للقصة القصيرة جدا , وهو مكتوب بلغة معيارية مشاعة تلازم حدودها القاموسية , وترتكن إلى إشباع اللفظ دونا عن إغناء الدلالة …
أما القيمة الحوارية فتنبع من نبذ السرد القصير جدا لمفهوم القارئ السلبي , وتقديس القارئ المتفاعل , القارئ الذي يرى أن لا شيئ في الإبداع يقينيا وخارج دائرة الشك والمساءلة ,القارئ الذي يؤمن بحتمية التطور ويكفر بمبدإ الشمولية والثبات … إضافة إلى احتفائه بالناقد الموسوعي ذي ” المنهج التكاملي ” لطبيعته الزئبقية المناوشة والمخاتلة,وبنيته المنفتحة التي تقتضي مقاربته بمنهج ” نقدي مفتوح ” أسماه “تودوروف ” في نقده للنقد ب”النقد الحواري ” الذي ينبع موقفه النقدي , وآلياته المنهجية من طبيعة الكون والإنسان والحياة الموسوعية ,التي تجمع بين المتقابلات والمتوازيات وفق مبدإ جدلي حر ومتحرك …
وأضمومة القاص الشاب “سفيان البوطي ” المعنونة ب: ” خدش في زمن البياض ” تبدأ تحقيق القيمتين ابتداء من عتبتها التي وإن كانت تشكل لوحدها خطابا قصيرا من حيث البنية والتركيب ,لكنه يفجر دلالات قادرة على احتواء كل العتبات النصية الصغرى , ومؤهلة لاحتواء مجموع النصوص دلاليا , بل وقادرة على إحالات تتعدى ما تقوله النصوص إلى ما سكتت عنه …لكنها –العتبة – لم تكن لتصل كل هذا إلا لأنها حققت تحديها البلاغي الجمالي عن طريق مجاز لفظي (تجاوز به لفظ “خدش” ما وضع له : مزْقٌ في الجلد .. إلى ما لم يوضع له : الكتابة ..وقرينته المانعة من ورود معناه الحقيقي : (في زمن البياض ) . إضافة إلى ما تحققه هذه القرينة من مجاز عقلي يتجلى في الإسناد المركب إلى الزمان والمكان والحال أيضا …كل هذا يندمج في تجانس وتناغم تامين لإبراز الوظيفة الوصفية للعتبة الغلافية : وصف فعل الكتابة كما يشعرها ويجنسها القاص .. مادام يحاول خدش البياض في زمن البياض ,مع استحضار ما يستدعيه فعل الخدش من صراع ومخاض لا يستثني الانخداش وإذاية الذات …وتصبح الكتابة آنذاك اختيارا وجوديا صرفا يناقض ولا يساير ,يقاطع ولا يوازي , يناوش ولا يهادن …
والواضح أيضا أن القاص حافظ على اهتمامه البلاغي حتى في العتبات النصية الصغرى , وعددها (79) عتبة يمكننا تصنيفها إلى:

– عتبات مفردة:
وهي أيضا يمكن تقسيمها إلى : عتبات أيقونية , دأبها الصمت القائل , والإيجا ز البليغ , تعلق رمزيتها بالأذهان ,وتتفتق دلالاتها في وجدان القارئ تمثلات وتأويلات تحقق للعلامات ,الثبات / الحركة .. الصمت / البيان … الحضور / الغياب … الانكشاف / التستر …وتمثلها العتبات مثل
‏‎frown‎‏ رمز تعبيري
يوتوبيا ..كلاشينكوف ..سمفونية .. جريمة .. واقع .. خيانة ..حكواتي .. إديلوجية …)
وعتبات إسمية مفردة لا تكتمل دلالاتها وإيحاءاتها إلا بتقدير مضمراتها وإسناداتها العقلية على التغليب والانتقاء والاستدعاء والإقصاء وتمثلها العتبات مثل :(وصية .. خيبة ..قضاء ..سريالية ..مرآة ..رهب ..قانون ..ثلاثة .. لقاء .. نكران..نطق ..)
عتبات إشهارية : قد تخفُتُ جماليتها لكنها وظيفيا حققت تأثيراتها الاستدعائية حتى وإن مارست بعض التمويه والمراودة الانتفاعية وتملها العتبات مثل :(بيداغوجية ..حريف ..).

– عتبات جُمَلية :
أغلبها كجمل خبرية لمبتدآت مقدرة , وغالبها من مضاف ومضاف إليه تتأرجح بين الإضافة إلى النكرة (إضافات معنوية ) بقصد التخصيص وليس التعريف ..وهي الغالبة في العتبات المركبة مما يوضح قصدية التخصيص الدلالي إضافة إلى تركيز تمثلات القارئ على المتون النصية وتوجيهه عند إقصاء الحقول الدلالية المشوشة ..ويمثل هذا الصنف من العتبات ‎frown‎‏ رمز تعبيري (شهيد غزة, أحلام يقظة, واقع بحر, طلاق خلع, أكل عيش, “نمل سليمان”, خلخال ذكري, ضريبة زواج, سوء فهم , حفنة تراب, أربعة فصول, أنفة فقير, ليلة حب …). والقلة المتبقية من العتبات الجملية صاغه القاص جملا خبرية لمحذوف مقدر ” نعث ومنعوث” وتتغيى رفع اللبس والإبهام ..مثل ‎frown‎‏ رمز تعبيري (نهاية نموذجية, أحلام شرقية…).
أما متون ” سفيان البوطي ” الحكائية فالواضح من العتبة أنها “خدوش في زمن البياض” خدوش يحملها ولا يتحملها / يعاني منها ولا يعنيه إلا جوهرها المتكرر /يتألم بها ولا يحاول طرح حلول جاهزة لها / يدينها ولا يدين بها …هي مقاطع من الواقع وليست واقعا مجسدا نقف عنده , بل يحيلنا ضمنيا وقصديا إلى آخر أكبر وغير مُعطى كاملا ,عبر تكثيف فني للمضمون بصيغة تنبؤية ونزوع الى الترميز. وأنسنة الجماد والحيوان وتنصيبها شخوصا عاقلة متفاعلة وفاعلة في الحدث…واقع ضمني تشغله شخصيات حكائية عادية:شخصيات الا نجد لها اسماً تاريخياً محدداً إلا فيما ندر ،فهي لا تحمل بعدا تاريخيا،أو بطوليا خارقا .. تعيش فقط علي مستوي الفضاء الحكائي، بالرغم من التشابه الكبير بينها من ناحية أنها ذات ملامح واقعية معاشة، شخصيات مخدوشة بالسواد , خادشة للبياض كما مؤلفها..

أضف تعليقاً