إشكالية الطول والقصير

يمكن البدء بالقول، إن القصة القصيرة جدا جنس غير ناجز وغير تام، وهذا ما يمنحه الديناميكية التي تعتمل داخله وحوله، والتي يترجمها النقاش الدائر حول شكلها( بما فيه الحجم طولا وقصرا)، ومضمونها، وكذا مميزاتها الفنية. ومعنى كونه غير تام وغير ناجز أن هذا النقاش، وفي الجوانب التي ذكرنا، سيظل مفتوحا وبعيدا عن الحسم، ومتى تم هذا الحسم سيكون الجنس الأدبي قد وصل ذروة اكتماله، وبالتالي توقفه ووفاته،مثلما وقع للملحمة والمقامة مثلا.
ولكن هذا لا يعني ان جنس القصة القصيرة ما يزال يعيش ضبابية البدايات، فهو، على حداثة سنه، قد استطاع ان ينال حق المواطنة ضمن الأجناس الأدبية الحية، وأن ينسل بهدوء عن مظلة الرواية وللقصة القصيرة وينسج علاقة معهما تشبه علاقة الجدة والابنة والحفيدة حول موضوع العباءة والكسوة والتنورة. فالعباءة، وهي هنا رمز للرواية، لا يعيبها الطول، بل يعيب التنورة، وهي رمز هنا للقصة القصيرة جدا وإلا ما كانت تنورة، اما الكسوة، وهي رمز للقصة القصيرة، فمكانها بينهما وإلا سقطت في تخوم أحد الجنسين.
استطاعت القصة القصيرة جدا أيضا، مدفوعة بالتراكم الكمي والنوعي الذي مهدت له التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي الراهنة وساعدت في غزارته انتاجا واستهلاكا وقراءة نقدية، استطاعت أن تطمئن إلى مجموعة من المحددات الفنية التي ساهمت في خلق ذوق فني عام إزاءها، ساهم بدوره في خلق ما يمكن أن يصبح “نحوا” لهذا الجنس الحديث/ Grammaire du Genre، والذي سيساعد، مع توالي التراكم النص والمواكبة النقدية الجادة والمؤسسة، على تقعيد جنس القصة القصيرة وتسييجه حدوده وتحديد معماريته وفنيته، حيث أضحت القصة القصيرة جدا مساحة فنية لعرض الأفكار والمواقف والانفعالات عبر التكثيف والاختزال، المفارقة والإدهاش، وعبر التوريط الإيجابي للمتلقي في ملء بياضات النص وخلق طبقات المعنى، والربط المكوكي الدائم بين النص وراهنه، بين خلفيات الكتابة مرجعيات التلقي.
صحيح ان كل الأجناس الأدبية تروم تحقيق هذه الأهداف، إلا أن هامش المناورة يظل ضيقا أمام القصة القصيرة جدا، سواء تعلق الأمر بالحيز اللفظي( القصر الذي نتحدث عنه هنا)، أو بوحدة المشهد والحدث، وغياب تعدد الشخوص والأفضية والضمائر والحوارات والخطابات ( الذي هو مسموح به في القصة القصيرة ومحمود جدا في الرواية). ويبقى القصر هنا رهين بمدى قدرة القاص المتمرس على إدارة كل هذا الحشد الفكري والفني في أضيق مساحة ممكنة، وشخصيا سيميل التلقي لدي إلى القصة التي استطاعت أن تفي برسالتها ومضمونها وفنيتها بأقل عدد من الكلمات، لأنها في هذه الحالة جعلتني أحب جبل الجليد، على الرغم من أنها لم تكشف لي منه سوى العشر من حجمه الطبيعي الذي يظل حاضرا في تلافيق النص ومستعدا للظهور أثناء التواصل مع النص بالقراءة المتأنية والتأويل القويم.
إن نجاح القصة القصيرة جدا، رهين بمدى تكتمها عن مسودات انكتابها، ومدى ضخامة هذه المسودات وبروز عمليات الحذف والاختزال والتغيير وشفط الترهلات وإزالة القشور والتكرار والحشو والشروحات، كما هو رهين أيضا، بمدى تماسك بنيتها واستقرار لبناتها بحيث لا يعود هناك مجال آخر، بعد اكتمالها وتقديمها، لحدف كلمة أو إزالتها أو تعويضها…
وكلنا، بصفتنا مبدعين ونقادا، ندرك الرسائل أن الجنس الأدبي، ونموذجه هنا القصة القصيرة جدا، أثناء سيرورته نحو النضج وصيرورته نحو الاكتمال، لا ينفصل عن اعتمالات واقعه وراهنه، بل يتجاوب معها ويأخذها بالاعتبار حتى لا يكون نشازا يتم ركنه جانبا. وبمنطق هذا التجاوب ستجد القصة القصيرة نفسها مطالبة باستعارة سرعة واقعها وراهنها الذي يقدم لنا على انه عصر السرعة والصورة واللقطة، وبالنأي عن الإطالة التي لا تخدم رسالة النص أو فنيته، والاستعاضة عنها بالرمز والتناص والتداعي الحر، بعيدا عن الإسفاف المخل وعن الطلسمة والتلغيز الذي يربك سلبيا تواصل النص مع متلقيه.

أضف تعليقاً