لعلّ أيّ راغب في معرفة شيءٍ، أو أشياءَ عن “القصة القصيرة جداً”، سيلجأ ابتداء و كخيارٍ أوّل منطقيّ، نحو العم “غوغل” يستفتيهِ ويسألُهُ، وسيضع لأخيرُ، تحت إمرَتهِ، ولا شكّ، مئات، بل ولربما آلاف الروابط لصفحات ومواقعَ ومقالاتٍ، تيمتها الأساسُ هذا الجنسُ الأدبي الوليدُ؛ نشأتهُ، خصائصهُ ومعاييرُ تجنيسهِ، كما أن الفضاَء الأزرقَ يعجُّ بمجموعات ورابطاتٍ أدبية محلية وعربية، تُعنى أساسا وحصرا، بالقصة القصيرة جدا، تشبع نهمَ وتروي فضولَ هذا الراغبِ، بل وقمينةٌ بأن تمنحه مساحةً شاسعةً للتجريب والاحتكاك والممارسةِ، ولأجل هذا لا أجده مجديا كثيراً، اجترار ما كُتب بهذا الخصوص، بل هي زاويةُ نظر أخرى، تمتحُ أساسا من تجربةٍ متواضعةٍ داخل فضاءٍ أدبي ممتع ومفيد، هو ولا شكَّ “رابطة القصة القصيرة جدا في المغرب”.
إن ما يتمُّ إنتاجه من “ققج” (الاختصارُ المتداولُ للقصة القصيرة جداً) على صفحة الرابطة المغربية أو غيرها أو خارج الفضاء الأزرق يومياٍ، يعدّ بالعشراتِ بل وبالمئات وربما أكثر، وهي بذلك و (بغض النظرِ عن استجابتها للخصائص ومعايير التجنيس، اقترابها أو ابتعادها عنها) مصدرٌ وشلال هادر من المعلومات لا ينضبُ، نبعُه ومَعينه فكرُ كاتبٍ، فكّرَ وقدّرَ وتدبّرَ، قبل أن يطرحَ زُبدةَ معارفه وخلاصة تجاربه في “قِقَجٍ” من بضع أسطر أو كلمات.
ولعلّ أيّ منخرط في إحدى هاته الرابطات، سيلْحظ هذا جليّا وسيواكبُ هذا الدفقَ الماتعَ وينهلُ من معينهِ وفي إبّانه، علماً نافعاً مفيداً، مشتبها أحياناً وغيرَ متشابهٍ ، ومن شتى الصنوف والحقول المعرفية، والأرشفةُ الثريةُ شاهدةُ على ذلكَ، وما على كل صبورٍ باحثٍ إلا أن يتّبِعَها سبباً ويقتفيَها أثرا ففيها ما لذّ وطابَ. لا؛ بل وإنّ هذا الكنزَ الثمينَ لا يكمنُ في النصِ المقروءِ فحسبُ، بل وفي ما يُنتجُ حولهُ من رؤى ووجهات نظرٍ وكتابات ونصوص موازية أحيانا (خصوصا في تلك التي تنفتح على التأويل) يجودُ بها القارئ نفسهُ من خلال مبدإٍ مافتئت تحثّ وتشجع عليه الرابطة، ألا وهو مبدأ التفاعل مع النصوص المعروضة.
وسأسرد ها هنا، دون الغوص والتعمّق كثيرا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، أمثلة على ذلك، فقد تطرّقت الكثير من نصوص الأصدقاءِ إلى مواضيع مختلفة وغطّت جوانب ومجالات حياتية لا تعدّ ولا تحصى لامست حصرا، أو اشتبك وتقاطع فيها الإنسانيُّ بالثقافيِّ بالنفسيِّ بالاجتماعيِّ بالعلميّ، كما وحوت أحيانا معلومات غريبة، أو مصطلحات علمية كنا نجهلها، فنسارع لنسأل عنها العم “غوغل” فنفيد ونستفيدَ، ناهيك عن تصويب الأخطاء الإملائية (خصوصا المتعلقة منها برسم الهمزة) والنحوية، والإحاطة بالقواعد المؤطرة لها ولازلنا. كما ولعبت “الققج” كذلكَ، دور الوسيط في تجسير الفضاء بين المغرب والمشرق، ويحضرني هنا نص لأحد الأصدقاء المشارقة على صفحة الرابطة، ضمّنهُ مفردةً شاميةً دارجةً “زلمة” أشكل فهمها على الكثير من المغاربة، فرُفعت الغشاوة عنها وانمحتِ غرابتها حين تمّ التعريف بها، والعكس صحيح. وهلمّ جرا من الأمثلة التي لا تعدّ ولا تحصى، دون أن أنسى مرونة “القصيرة جدا” وقدرتها على مواكبة اليوميّ في إبّانه سياسيا كان أو اجتماعيا أو رياضيا، وهو ما قد تعجز عنه وفي إبّانه باقي الأجناس الأدبية الأخرى، وأنا هنا لست في مقام المقارنة أو المفاضلة بينها إلا في ما يتعلّق بهته الجزئية تحديدا، أو غيرها ممّا سلف ذكره.
أما بخصوص النصوص التي تنفتح على التأويل (والققج عموما)، فيكفيها شرفا أنها لا تقدّم الوجبة جاهزة أمام القارئ، بل تدفع للتفكير والتأمل والتدبّر وإعمال العقل، كاتبَها ومتلقيها على حدّ سواء، ولو اكتفت بها حسنة ومكرمةً لكفتها، لكنها تتعداها إلى إنتاج نصوص موازية، وقراءات عميقة، تفكيكية تحليلية نقدية مبهرة، قد تأخذ فيها مجرّد مفردة واحدة من النص أحيانا (وقد تكون العتبة مثلا) حيزا مهمّا كبيرا، من خلال تعريفها لغة واصطلاحا وتعقّب حمولاتها أودلالاتها أوإحالاتها في سياق النص.

أضف تعليقاً