لا أحد إلى اليوم، وبعد كل الحالة التعبوية التي حُشدت ل «قيامة «ما سُمي حينها «القصة القصيرة جداً «والتي هي شكل للقصة القصيرة، تماماً كشكل قصيدة النثر في أشكال الشعر، أقول لا أحد إلى اليوم يجزم إنه هو مؤسسها، أو أنه مكتشف الآفاق والغابات البكر..‏
ذلك إن «بكورة «القصة القصيرة جداً كانت سابقة كثيراً للحملة التعبوية في بداية عقد التسعينات من القرن العشرين، والتي كانت تُشبه الحشد لتأسيس حزب سياسي، لكن للحقيقة والأمانة فإن هؤلاء «الفرسان «من ذلك العقد أشعلوا حراكاً ثقافياً قلّ نظيره في المشهد الثقافي السوري انتقلت عدواه إلى كل ساحات الثقافة في العالم العربي.‏‏
ذلك الحراك الذي رافقه حفاوةٌ نقدية قلّ نظيرها هي الأخرى، حتى تخيلنا إنّ صفحات الثقافة في عالم الصحافة الورقية، ستكون منبر القصة القصيرة جداً، و ستصير كأقرب لأن تكون أحد الأنواع الصحفية محطمةً بذلك الحواجز – و طالما تحطت هكذا حواجز – بين الأنواع الصحفية، و الأنواع الأدبية، غير أن الذي حصل، فإن صحف قليلة تلك التي أفردت من مساحتها لنشر القصة القصيرة جداً، و الحفاوة التي رافقت ملتقيات القصة القصيرة جداً، وإصدارات هذا الشكل من القصة بقيت حفاوة نقدية ومتابعة إعلامية فقط، وليس لنشر النصوص. !‏‏.

جهة الشعر‏‏
يعود للشاعر البحراني قاسم حداد قصب السبق، في أنه كان أول عربي يُنشئ موقعاً الكترونياً على النيت، تكون مهمته إبداعية بحتة، ومختصة بشكلٍ أساسي بالحراك الشعري من نقد وإبداع واتجاهات في القصيدة العربية، الأمر الذي كان أشبه ب «الثورة «في ساحة الإبداع الأدبي عند المثقفين العرب، وكان أن أطلق على ذلك الموقع اسم «جهة الشعر «.‏‏

بعد ذلك لم يلبث موقع «جهة الشعر» وحيداً لمدة طويلة، حتى تكاثرت على شبكة النت أو «العنكبوتية» – كما يُحبذ مجمع اللغة العربية – أن تكاثرت بالمئات وعلى اختلاف الأجناس الإبداعية كافة، بعض المواقع كانت تختص بنوع أدبي معين، وبعضها الآخر يأتي شاملاً لمختلف الأجناس والأنواع الأدبية، مدمرة بذلك الحصار الذي فرضته الصحافة الورقية وتحديداً اليومية منها على نشر الإبداع الأدبي، لاسيما بعد اندثار المجلات الثقافية والأدبية التي كانت ذات حين ملء البصر، ترصد مختلف الحراك الأدبي في مشارق العالم العربي ومغاربه، وكنا نظن إن الصحافة الورقية التي خسرت كثيراً دورها كوسيلة تواصل مع هذه الثورة التكنولوجية الهائلة في عالم الاتصالات، أن تلجأ للأنواع الأدبية وتُضيفها للأنواع الصحفية المعروفة للنهوض من جديد بالجريدة المقروءة ورقياً غير أن هذا لم يحصل. !‏‏

على النت‏‏
أعود للقصة القصيرة جداً التي أغلقت الصحافة الورقية صفحاتها بوجهها، وكانت في ذرة تأصيلها وتعقيدها – وضع قواعد لها – وذروة محبيها والمتحمسين لها، ومعارضيها و الذين ينظرون إليها شذراً، فكان هذا الشكل القصصي أن اتجه بأقصى سرعته صوب «الشبكة العنكبوتية «على حد وصف مجمع اللغة العربية، أي النيت، وانتشرت بذلك مئات المواقع والصفحات المتخصصة بنشر القصة القصيرة جداً.‏‏
صحيح ثمة الكثير من الغث يُنشر تحت اسم القصة القصيرة جداً غير أن هذا بدا قليلاً، وهو متوفر على الأغلب على «الحوائط» الشخصية، وتحديداً في مواقع التواصل الاجتماعي – الفيسبوك – وللحقيقة ومن خلال متابعة ما يُنشر من هذا الشكل في السرد القصصي، كان «الفيسبوك «هو المنبر الأكثر غزارة بنشر القصة القصيرة جداً، وربما هذا النوع الأدبي كان الأقرب لخاصية «بوستات «الفيسبوك التي تتميز بالتكثيف الشديد، فصار للقصة القصيرة جداً صفحاتها المرموقة والمحترمة التي تكمل ما بدأ به «فرسان» القصة القصيرة السوريين في تسعينات القرن العشرين، منها على سبيل المثال «الرابطة العربية للقصة القصيرة جداً «وهي تهتم بنشر هذا السرد القصصي من مختلف العالم العربي، والتي تفرعت بدورها لروابط في كل بلد عربي منها «رابطة القصة القصيرة جداً في سورية» إضافة لذلك عشرات الملتقيات التي تخصصت بنشر القصة القصيرة جداً.‏‏

اتجاهات ثلاثة‏‏
وفي هذا الكم الوفير من صفحات هذا الإبداع القصصي كان أن وجد البعض سمات جديدة له، صنفوها بثلاثة اتجاهات: القصة القصيرة جداً، والقصة الومضة، وأخيراً القصة اللحظة، – وحسب وجهة نظري – أرجعوا هذه «الرفاهية والبطر» بهذا التصنيف إلى التكثيف الذي ينوس بين شعرية بنفس رومانسي بعض الشيء، الأمر الذي انعكس على الحدث الذي هو «أس» القصة القصيرة جداً أو الحكائية، ودونهما تذهب القصة إلى حقل القصيدة سريعاً، أو ربما الخاطرة أو أي جنس آخر غير القصة القصيرة جداً، بل أن بعض الصفحات والمواقع يصل بهم «التعصب «لأن لا تنشر إلا قصة الومضة، أو اللحظة، معتبرةً أن القصة القصيرة جداً ربما صارت شكلاً «كلاسيكي» قديماً..!!‏‏

الأقصودة‏‏
لا شك أن القصة القصيرة جداً تتوهج اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي بشكلٍ خاص، ومواقع النيت بشكلٍ عام، غير أنها وبخصوصيتها لا تحتمل مثل هذه الرفاهية من التصنيف والاتجاهات، صحيح أن القصة القصيرة صارت واقعاً أدبياً جميلاً في عالم الثقافة، غير أنها بقيت ضمن جنس القصة القصيرة بشكلٍ عام، حتى إن بعض «العقلاء» من النقاد من لا يُحبذ اسم القصة القصيرة جداً، وكل ما في الأمر أنها قصة عادية – طالما بقيت وفيّة على عناصر القصة المتعارف عليها – وذلك من «تكثيف، و حكائية و حدث، و شعرية ثم تأتي دهشة الخاتمة «غير أنها في هذه العناصر كان ثمة غلو و إفراط، الأمر الذي جعلها تستقل بتسمية لها خاصة بها.‏‏
بقي أن نذكر إن بداية الحديث عن القصة القصيرة جداً كان ثمة من أطلق عليها تسمية «الومضة» حتى أنني كتبت تحقيقاً حينها وأجريت استطلاعاً‏‏ حول رأي الأدباء بقصة «الومضة» ونشر حينها في جريدة الثورة أوائل تسعينات القرن الماضي، وهو ما كان يُطلق على القصيدة أيضاً، أي أن القصة القصيرة جداً وقصيدة الومضة اشتركتا في البداية بذات التسمية، ولأن القصة القصيرة جداً أحياناً تُفرط في شعريتها دون أن تُضحي بالحكائية، وكذلك القصيدة التي غالباً اليوم ما تمشي على تخوم الحكاية، فكان أن جاء شكلاً جديداً وجميلاً أطلقت عليه ذات حين «الأقصودة» تجمع بين القصة والقصيدة، وهو ما أراه يشي ويوشح كل ما يُنشر من نصوص قصيرة اليوم على مختلف مواقع النت، وحتى في الصحافة الورقية..!‏‏.

أضف تعليقاً