القصّة القصيرة جدّا هذا الجنس الأدبي العصيّ الذي لا يخلو منه تراثنا السردي القديم، رغم بزوغ نوره من أدب أمريكا اللاتينية ، لم يقف عند ذلك بل ابتعد كثيرا في تطوّره من خلال قدراتنا الإبداعيّة بعدما تقبّلته السّاحة الأكاديمية ، وتبنّته الأقلام المبدعة واتّجهت نحوه الآراء النّقديّة .
يطمح أن يكون فنّا مستقلا له ظوابطه و أركانه ولما لا مدارسه.
في فضاء التواصل الإجتماعي بدأت تتشكّل “شبه مدارس “من خلال المجموعات الأدبيّة المتخصّصة في هذا الجنس الأدبي ـــــ الذي يحاول البعض استسهاله ــــــ بدأت تحدّد إتّجاها واضحا لها “فمثلا” رابطة القصّة القصيرة جدّا في سوريا بدأت تؤسس للمدرسة الرّمزيّة فنجدها تركّز في كتابة الققح على “الرّموز والإيقونات وتعتبرها من أهمّ شروطها كما تساجل من أجل جعل هذا الفنّ “فنّ النخبة ”
فيما نجد رابطة القصة القصيرة جدا في المغرب تؤسس لمدرسة التّناص إذ تعتبر أن توظيف النّصوص الغائب بأسلوب رمزي في النّص الحاضر “الققج” من أهمّ شروطه.
ومنه فالققج فنّا رغم اتساعه وتقبّله وكثرة الأقلام المبدعة في كتابه ونقده على حدٍّ سواء…إلا أنه لا يمكن لنا الوصول إلى تعريف جامع له إلّا إذا استنبطناه من شروطه مثل:
الحذف والإظمار/ المفارقة والسّخرية/ التّناص وتشغيل المعرفة الخلفية …إلخ.
ونحن هنا لسنا بصدد الوقوف على تعريف شامل للققج بقدر ما نحاول أن نقارب هذا الفنّ إن صحّ التّعبير بالمناهج والنّظريات الحديثة خاصّة “النظرية السّيميائيّة ونظرية القراءة والتّلقي…
فلا بدّ لنا من طرح التساؤل التالي:
ــــــ كيف نحلل النّصوص القصير جدّا سيميائيا وماهي العلاقة التي تربطها بنظريات التلقي والقراءة؟
إن القصة القصيرة جدّا ليست ذلك النّسيج اللغوي الفارغ من الدلالات، فهذا النّص القصير جدّا يتجاوز الدّلالات النّصية إلى دلالات سيميائيّة فلابدّ لقارئ هذا النّص أن يركّز على العتبات والعلامات السّيميائيّة والإقونات النّصيّة، ومنه فالمتلقي “الناقد” مطالب بتفكيك شيفرات النّص واستنطاق المعنى الظاهر للكشف عن المعاني العميقة.
لا يمكن أن نفصل هذا الجنس الأدبي عن النّظرية السّيميائيّة لأنّه متّصل بها اتّصالا عميقا، فالنّص بحدّ ذاته علامة سيميائيّة فعلى حدّ تعبير “رولان بارت “فالنّص القصصي القصير جدّا ليس عالما مغلقا ولا علامات بدون ذات…خصوصا ونحن نعيش في عصر مليء بالعلامات والرموز والإشارات والإيقونات.
أمّا إذا عدنا إلى علاقة القصّة القصيرة جدّا بالمتلقي ، “فالقصّة قج” تعتبر بنية مفتوحة للمتلقي العادي أو الناقد المنتج ، فالنّص يثير الفضول لدى القارىء وهذا ما يدفعه إلى البحث والتّقصي والتأويل والتّخيييل والبحث عن مضمرات النّص…لذلك تأتي القراءات متعددة، والمتلقّي بذلك يكون عنصرا فعالا في فضاء النّصوص المتخيّل لأنّه يشارك في العملية الإبداعية.
إنّ القصّة القصيرة جدّا تنمو وتتطوّر من خلال علاقتها بالنّصوص الأخرى وهذا ما تسميه “جوليا كريستيفا “بالتّناص حيث تتوالد الإيحاءات والمضمرات في ذهن القارئ…وهذا ما يوّلد لنا نصّا جديدا من انتاج القارئ نفسه من خلال تلك التّصوّرات الذهنية التّي ولّدتها القصّة.
إنّ تعدّد القراءات للنّص الواحد هو علامة نجاح هذا النّص الذي استطاع أن يجذب القارئ الذي استجاب لهذا الإنجذاب، والمتلقّي الواعي هو الذي يشارك في إعادة انتاج النّص عن طريق عملية الإسترجاع والفهم والتأويل.
وبهدا “يقلّد المتلقي معلوماته القديمة التي تتناقض وتتقاطع مع مضامين المتجر القصصي القصير جدا “.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
انظر جميل حمداوي: القصة القصيرة جدا أركانها وشروطها…دار نشر المعرفة الرباط. ط1. 2013.
انظر محمد يوب: مضمرات القصّة القصيرة جدّا ،منشورات دفاتر الإختلاف ،المغرب ط1.
- القصّة القصيرة جدّا والمناهج النقدية الحديثة
- التعليقات