لا أعرف كيف سيقابل وجهي وجهه بعد تلك الليلة التي تركته فيها فاقدا لوعيه من هول صدمته بالحقيقة ؟
وهو الذي طالما تركني في عراء العزلة بلا وجه ولا كرامة تحمي سوءة أنوثتي التي تعرت في علاقتنا الباردة، حينما عرفته نسيت حلمي وأبصرت جنتي التي لم أبصر سواها في كلامه الجميل وهو يرسم لي بخطوط العشق قصورا وحدائق حلم فتنكمش في سري عناقيد الخجل ، يلامس بأصابعه حبات شعري ويتعمد أن يبصر في قاع حدقاتي فأذوب في ركن ذراعيه ، لحظتها واجهني بالذي لم أعرف كيف أرده وهو يخرج من جيب سترته
قلادة ذهبية لم أرى في حياتي أجمل منها ، شدني بأصابعه وراقصني ثم راح يلفها برفق على رقبتي محررا أصابعه لتعبر تيارات مشاعري و راح يهمس في أذني وأنا أبصر جهة مسرح سيرتا
كم هو جميل ذاك المسرح الذي تحبينه وكم هو أجمل أن تكوني لي وحدي، سيدة قلبي وأميرة قصري بشرط أن تكف عن التفكير في الدخول إليه بعد ارتباطنا
فأنا لا استطيع أن اقبل أن تكون زوجتي ممثلة تعرض جسدها على مسارح المدينة وأدار رأسه عن مسرح سيرتا وهو يقضم عقب سيجارة (الهافانا) كسياسي منبوج الروح ومن عينييه تخرج شرارة الاحتواء والكبرياء وحينما حاولت أن أعقب على كلامه راح يضع أصابعه في فمي وأضاف:
أنت جميلة أكثر مما ينبغي ياعزيزتي لهذا لا يمكن إلا أن تكوني أميرة في قصر، ومن حولك جواري يخدمنك ، لحظتها لا اعرف كيف اخترق دخانه رئتي وهو ينسف حلم عمري من بين ناظري، قلت له بعد أن رمى نفسا عميقا من دخان سيجارته وهو يعيد وجهه جهة مسرح سيرتا
كنت أتمنى ياعزيزي أن أصبح ممثلة بارعة في هذا المسرح ، لطالما كان حلمي التمثيل رغم أنني تحصلت في شهادة البكالوريا على معدل يسمح بدخولي أكبر معاهد الطب .
أغمض عينييه راميا ذراعه ليلفني وراح يلثم مني هذا الحلم ليغرس فيه حلم الأميرات المغوليات حتى أحسست بالامتلاء، ترى هل كنت مسحورة بعسل كلامه لأذعن له بتلك الطريقة التي جرفتني كطفلة منكمشة في قاع ذراعيه ليأخذني برقة الفارس على صهوة الحلم ويدور بي وأنا أكشف عن ساقي لأعبر قصورا من مرمر و حينما صحوت وجدت نفسي بين جدران قفص العمر أدرع بلاط الأيام الرتيبة التي استطالت مع غياباته المتكررة عن البيت ، ليتركني في ركن عناكب الانتظار ،أدور على وحدتي الواهية وأسئلة الريبة تنخز أنوثتي، لم أعرف لما حدث كل ذلك؟، ولمّ تغير كل الحلم وتغيرت معه أجواء اللحظة التي كانت تسرب لنا نسيم الفرح ، لم يعد كما عرفته ولم أعد أنا أيضا تلك الفتاة التي كانت تفترش حرير الفراش كلما حلت بمكان ، اكفهر في وجهي صوته وتراجع الصدى الجميل الذي لفه مع قلادة عشقنا في أول لقاء ،وأنا أبصر عودته عند كل مساء وهو يجر تعتعة سكره الممزوجة برائحة العلب الليلة ،يدخل الغرفة وهو يتلمس كأعمى جدرا الباب كي يشعل ضوء الظلمة التي كنت في سرتها أقف كل ليلة على أصابع انتظاري المضني ليصطدم بي مشعلا صراخه في وجهي كما العادة دون سبب وراح يتوعدني برحيله الأبدي بعدما سل تلك القلادة الذهبية بين أصابعه في خضم رهوجته التي كاد أن يسقط فيها على عمود السرير
غدا سأرحل ولن أعود لهذا البيت الذي استحال فيه العيش معك
كنت أبصره بخوف وأبصر روحي تنفلت من بين أضلعي وأنا أحاول الارتكاز على مايحدث لي، أتساءل في سري لما يتصرف معي هكذا
لماذا؟
دون أن انكمش كعادتي في حضرته قمت زاعقة في وجهه.
وأنا أيضا لن أعود لهذا البيت المهجور، سأسافر غدا ولن ترى وجهي الذي لم تعد تطيقه بعد اليوم
أراد الارتكاز على سرير العتمة فانزاحت مفاصله ليسقط متعتعا بصوت مبهم
تفعلين خير لي و لك لأنني سأرتبط بأخرى غيرك قريبا، ليغيبه الشخير ويغيبني الحزن.
مرت الأيام على شوارع قلبها وهي تواعده سرا ومر هو يبحث فيها عن سكن لقلبه، قال في سره وهو يدخل عمارة أوكس، كم أشعر بأنني ولدت من جديد مع هذه المرأة التي غيرت روحي بفتنتها وشحنت في داخلي كل الرجولة، لهذا سوف أتشرب رحيقها الليلة ولن أترك لها فرصة كيما تأجل في هذا الحريق الذي يشتعل في عظمي، أدار رأسه وهو يضغط على أصابع الجرس وفي ذاكرته وعد اللقاء الذي ضربته له في أخر لقاءها به في حانة الخيام حينما عرفها وهي تعبر بعطرها الباريسي على ضفاف قلبه،بعدما منحها عسل الكلام ومنحته شهد الحلم بلحظة اللقاء ، كانت بشعرها الأشقر وبوجهها المطلي بحمر الخوخ تتغنج كلما رأت إغراقه في الشرب ،تعبر على أصابع أردافها لتثير فيه لوعة حريقه فيبصر فيها جوع جسده الأبدي ،ينكس رأسه ثم يرفعه قاضما عقب سيجارته المعهودة سيجارة (الهفانا) يقترب من أذنها ويهمس في خفوت أنت ناري ياحلم يسكن أضلعي ، فتختال هي من بين ذراعيه مستديرة مادة أصابعها في تجاه ، مشيرة إليه كي يفهم أن حبها لا يراق على أرصفة الحانات.
هي اللحظة تفتح له الباب ليبصر في جيدها ضوءا يطل بين جرحي اللذة ليدعوه لعبور العتبة ، دون أن يبادرها بتحية الحب يدخل يده في سترته ويخرج علبة بحمرة الورد الجوري ، خدي هاهي هدية علاقتنا حبيبتي
فأنت أميرة تستحقين أن يقدم لك الولاء قبل دخول قصرك
زادت في فتحة الباب ليعبر العتبة فلفها بذراعيه، تشرب عطرها ودارا معا على أصابع اللحظة المارقة وبيديه راح يجذبها إلى عمقه دون أن يترك لها وقتا للسؤال، دعاها لتغمض عينييها بعدما همس لها بوجعه المضني الذي سببته له أنثاه الباردة التي تخلص منها في ذاك الليل ، أخيرا ستكونين لي وسأكون لك ولن تشاركك امرأة أخرى قصري بعد اليوم ، استدارت وهي تعد النبض الهارب من عمقها ،فدهست أصابعه عنقها المرمري وانزلقت وراء ظهرها ، أحست بحرارة الجمر تصهد روحها وأحس هو بلوعة الحرقة تصعد من أسفل روحه إلى أعلى اخمص حرمانه وهو يخرج تلك القلادة من علبتها الجورية ويضعها برفق ليشبكها على عنقها المياس وحينما أنهى لف القلادة ذاقا بأصابعه كساحر ماهر وهو يهمس لها في إذنها : الآن عزيزتي يمكنك أن تفتحي عينييك
أبصرت في وجهه وهي تداري وجعا مخبوء تنامى في غفلة حرائق أصابعه على جيدها
وأشارت له وهي تنسل من بين ذراعيه
أفضل أن أراها في مرآة الحمام ياعزيزي وبعدها أعود إليك كي نلج العتمة والضوء معا
دخلت الحمام ،مكثت برهة وهي تعيد ترتيب ملامحها ، نزعت شعرها الأشقر المستعار ودارت تدعك في خديها لتزيل أصباغ الزينة ، ومعها تلك الاشفار المستعارة بعد أن رتبت شعرها كما اعتادت أن ترتبه في أيام انتظاراتها القاسية وهو لازال يتململ على صفيح رغبته التي اشتعلت بلا ثقاب وحينما ردت خلفها كل شيء، دفعت خطواتها في اتجاهه
وهي تناديه والآن ياعزيزي ما رأيك بي ، الم أقلك أن حلمي أن أكون ممثلة بارعة
أبصرها، فانقذف في روعه رمح الصدمة التي لم يكن ينتظرها ، دار المكان بين ناظريه لم يكن يعرف أن التي واعدته في كل أيام حلمه الماضية لم تكن سوى زوجته التي منحته رؤى امرأة تعشقها في الغياب وملها في الحضور ، وحينما استفاق لم يجد سوى قلادته بين اصابعة وبقايا من عطر أنثى قدر أنها تشبه زوجته.
- القلادة
- التعليقات