جلس أيوب على مكتبه عشية أحد أيام الصيف الرائقة وأخذ ينزع الورق الذي يغلف الهدية التي أتاه بها والده بعد أن عاد من سفره . كانت العلبة صغيرة الحجم مربوطة بخيوط مذهبة تحيط بالورق المزخرف بالورود من جميع الجهات ، وما أن فض أيوب غلافها حتى وجد بداخلها قلماً صغيراً ذهبي اللون ذو منظر جميل لم ير مثله من قبل .
التقط أيوب القلم من داخل العلبة ووضعه بين أصابعه وراح يتأمله بناظريه ثم سرعان ما تركه على المكتب وقام من جلسته متوجهًا إلى والده الذي كان يطالع في غرفة الطعام إحدى الصحف فبادره قائلاً :
ـ لقد أوصيتك يا أبي بأن تحضر لي قطارًا وها أنت تأتي لي بهذا القلم
ابتسم الأب وهو يتطلع في وجه أيوب قبل أن يقول :
ـ ألم يعجبك القلم يا أيوب ؟
قال أيوب :
ـ لدي أقلامًا كثيرة في حقيبتي وأخرى في المكتب وكنت سأفرح كثيرًا لو أحضرت لي قطارًا كبيرًا يسير على سكة ويصدر أصواتـــًا عند مسيره .
ضحك الوالد وقال وهو يربث على ظهر أيوب :
ـ أعدك حينما أسافر مرة أخرى بأن أشتري لك القطار الذي تحبه ، أما في هذه المرة فقد أحضرت لك هذا القلم الذي أعجبني ، ولا شك أنك الآخر ستعرف يومًا ما نفعه وقيمته ، أما الآن فهيا عد لمذاكرة دروسك يا أيوب فقد ضيعت اليوم وقتًا طويلاً في اللعب .
قبّل أيوب رأس والده وعاد من جديد إلى مكتبه .. طالع درسًا في الحساب وآخر في العلوم ثم تذكر أن لديه قبل أن ينام واجبًا في التعبير عليه أن ينهيه ليعرضه على الأستاذ صباح الغد فأخذ ورقة مسطرة ثم تناول قلمه الجديد وراح يفكر قليلاً قبل أن يكتب بالقلم كلمة شجرة وما أن أكمل رسم حروفها وتشكيلها حتى رأى الشجرة تكبر وتكبر ثم تمتلئ أغصانها بالثمار ورأى العصافير تحط على فروعها وتبني أعشاشها فوقها وشاهد فلاحًا يجني ثمارها ثم رأى رجلاً متعبًا جلس تحتها مستظلاً بظلها .
تعجب أيوب ودعك عينيه براحتي يديه ليتأكد أنه لم يكن يحلم فهو لم يكتب بقلمه سوى كلمة شجرة ثم خطر له أن يكتب كلمة ثانية فكتب كلمة نهر وحينئذ ازداد عجبه إذ رأى نهرًا حقيقيًا يجري أمامه تحيط الخضرة والأعشاب بضفتيه ، وتسبح الأسماك في مياهه والمراكب تشق مجراه ، وسماؤه تمتلئ بأسراب العصافير الملونة التي تغرد بأصوات عذبة لم يسمع مثلها قط من قبل .
سُر أيوب كثيرًا بهذا القلم ، وقال وهو يتمعن فيه جيدًا .
ـ يالهذا القلم العجيب : اكتب على الورقة كلمة فإذا بها تتحول إلى عالمًا حيًا … أشجارًا وأنهارًا وناسًا وعصافير تملأ رحابة السماء وتلون أفقها … ما السر يا ترى في مقدرة هذه القلم الذي يجعل من الكلمات واقعًا نراه بأعيننا ونتحسسه بأيدينا .
هبط الليل سحابة سوداء وأيوب لا يزال غارقــًا في تفكيره : أي كلمة يكتبها الآن وعشرات الكلمات تزدحم في رأسه ، كل كلمة تريد أن تسبق أختها ن وتود أن تخرج من ذاكرته إلى النور وأخيرًا عاد إلى التقاط القلم وكتب على الورقة بخط الثلث الجميل كلمة وطن وحينئذ رأى على الفور قرى صغيرة بساتينها مخضرة بالعشب وسنابل القمح والشعير ، ورأى أيضًا مدنًا كبيرة بميادينها الواسعة وحدائقها الزاهرة وشوارعها الفسيحة ومدارسها ومصانعها ومساجدها ، ورأى فيما رأى أناســًا كثيرين يمشون في الشوارع ويخرجون من المصانع والأسواق ، وأطفالاً في مثل عمره يجلسون على مقاعد الدرس وغيرهم يلعبون ويمرحون في متنزهات مليئة بالألعاب . يضحكون ويقفزون ، ولشد ما كانت دهشته أكبر حينما عرف وسط هؤلاء الناس والديه وإخوته ورأى نفسه وهو يسير معهم في إحدى الحدائق
حين رأى أيوب كل ذلك ضم القلم إلى صدره بحنان وغادر مكتبه ليشكر والده على هديته الجميلة .

أضف تعليقاً