التفت نبيل نحو فتيل أمل يلوح من بين عينها العسليتين الحادتي النظر رغم صغر حجمهما، انبجست شفتاها المتمرستان على الابتسام في وجه الشدائد عن ابتسامة رضا وشكرلله سمعها تتمتم بصوت شجي مطعم بالسعادة المفرطة.عانقت خيوط الفجر الأولى خيوط بهجة الصباح الذي أوحى لها بيوم جديد مختلف
تمرّ اثنى عشر سنة وقلبها في سرّه وعللانيته يبتهل أن ترزق بأطفال يملأون انتظارها الطويل بشغفهم ومتاعبهم الطفولية المرحة .
نسيت عائشة في لحظة سماع صراخ ولادة طفلتها الأولى هبة الرحمن رحلة العلاج المكلفة والمضنية التي أخذت منها كل راتبها الذي كانت تدخره منذ زواحها من نبيل .عملها كممرضة في مشفى مدينتها القديمة بقلعتها الأثرية الرومانية لمعاضيد قدم حلمها الذي حققته ، تسند مدينة لمعاضيد صمتها لجبال التل ووجهها تنبسط ملامحه عن بنايات أغلبها عصرية تتراص بين جوانبها عمارات شاهقة تعانق أشكال الجبال التي برعت الطبيعة في هندستها . سأل نبيل كبار السن عن ضيق الشوارع ما سببه ، أرجعوا ذلك لإمتناع مالكي الأراضي من منح هذه الأخرة طريقا للمارة. يبقى محله التجاري لبيع الألبسة الرجالية مقصد طلاب الأناقة وخاصة أنه في فترات عودة المهاجرين يبيع سلع فرنسية لا تضاهى ، يجلبها أخ عائشة المقيم
بفرنسا تباع كشراكة بينهما .أصبحت طفلتهما هبة الرحمن تملا أيامهما بالغنج و الدلال ، يعانق عمرها
السنتين من الحلم الممزوج بالواقع الآسر فكرت عائشة برحلة علاج كسابقتها تحقق بها طموح راودها بالحاح ألا تترك طفاتها دون أخ . ضرب زوجها نبيل باكفّ الفرح على سنوات الانتظار المملة دون أطفال وهي تبشره بنجاح مسعاهما ليصبح أبا للمرة الثانية .
تزدهر تجارته كما تزدهر حياة عائشة بصخب طفلتها والمولود الذي سيضيف فرحا لفرحهما .لم يبق إلا بضع أسابيع عن وضع مولودها ووقع مالم يكن في الحسبان ، استيقظ نبيل ككلّ مطلع فجر ليؤدي صلاته ويتهدج بالقرآن لفترة وعادة ما يباغته نعاس صباحي يستقدم قدومه ولو للحظات .كان زائره مختلفا هذه المرة ، أحس ألاما لا عهد له بها ضغطت على صدره .سارعت عائشة بتهدئته وجعه بكلامها السخي ، وإذا به يستعجلها ..ليحمله لأقرب مشفى ، لفظ أنفاسه بين يدي الاشتياق لطفله الذي رسم ملاحمه بقلم سنين انتظاره له .

أضف تعليقاً