..فجأة، ماإن أغلقت باب الدار ورائي، ومددتُ أول خطوة، حتى اكتشفت أن الطريق المألوف حدّ البداهة، أضحى غريبا. فلامنازل تمتد على ضفتي الشارع، ولاشارع حتى، بل مجرد شريط ضيق مغبر يمتد كشق طويل وسط غابة كثيفة ! أردت العودة الى الدار، لكنها بدت، لما التفتُ صوبها، كما من وراء نافذة قطار وقد أقلع، تنسحب بوتيرة متسارعة الى الخلف، الى أن تلاشت تماما عن ناظري، وماعدتُ أبصر سوى غابة يخترقها شقٌّ من طريقٍ تمتد كما من الأزل الى الابد ! إستحال علي المكوث في مكاني، وسرت مطاوعا تيار نهرِ الخطوات المتدفق في مجرى الطريق، كي لايوقعني أرضا، بعد ان سحب قدمي..لقد كان كل همي لحظتها، أن أعرف أين صرت، لهذا اندفعت راكضا بأقصى سرعة في ركبتي المتوثبتين، حالما لمحتُ شخصا، بالكاد يُرى، يسير أمامي على نفس الطريق وسط الغابة. بدا لي شريط الطريق لحظتها، وأنا أركض، كضحكة عريضة بين شفتي الغابة المطمئنة لكونها متى باعدت بين شفتيها، وكفتْ عن الضحك، وقعتُ بين أشداقها ولن يغني الركض قدمي.. ومع هذا واصلت الركض أسرع على شريط الضحكة العريضة للغابة، محاولا اللحاق بذاك الشخص، عسى أعرف منه أين صرتُ، إذا كان هو نفسه يعرف أين صار ؟ لكنه، وماإن شعر بأقدام تركض وراءه، والتفتَ صوبي، حتى انطلق راكضا لايلوي على شيء، ولم ينفع صياحي وراءه، سوى في إذكاء نار الركض بين قدميه. فضاعفت من سرعتي، مصرا على اللحاق به، مهما كلف الامر من ركض ولهاث. وضاعف بدوره من سرعته، مما أرغمني على إطلاق العنان أكثر لقدمي. وضاعفت سرعتي اكثر، لما خطر في بالي ان هناك فعلا مايستدعي الهرب في هذا المكان الغريب، لهذا هرب ذاك الشخص مني. فأصبحت بدوري هاربا أكثر من كوني ألاحقه، هاربا مثله، وبشدة أفدح، لكونه على الأقل يعرف انه هارب مني انا الذي يتبعه، بينما كان علي ان أهرب دون ان أستطيع الإلتفات الى الخلف، لأن، ورغم يقيني أن لاأحد يركض في أثري، لم أستطع التخلص من الإحساس بأن كل الاخطار نبتت لها أقدام وصارت تركض ورائي ! لهذا فاقت سرعتي سرعة ذاك الشخص، وكدت ألحق به، لكنه هوى فجأة على الأرض، وتمدد دون حراك..تجمدتِ الخطوة التالية بين قدميّ، وتوقفت في مكاني مرغما كٱلة داس أحد ما على فراملها، ولم أقو سوى على الإنتظار..لكنه همد تماما، الامر الذي حتم علي التحرك، فاقتربتُ منه بحذر شديد. وبعد أن هززته بقدمي ولم يتحرك، ثم رفعت يده وتهاوت كخرقة، تجرأت أكثر وتنصتُ على ضربات قلبه.. ولما أيقنت أنه فارق الحياة، رحتُ أفتش في جيوبه عن بطاقة تعريفه علّها تساعدني على معرفة المكان. وقعت يدي في اول جيب على علبة سجائر وولاعة، فتناولتُ فورا سجارة ورحت أدخنها باستمتاع بادٍ كأنها نفَسٌ أليف هب بعد ريح غريبة. وواصلت التفتيش في الجيوب، حتى عثرت على حزمة من اوراق مالية لم أتوقع وجودها، فأسرعت الى دسها في جيبي، وانا ألتفت في كل الإتجاهات متوجسا رغم أن عيني لم تلمح أحدا. لحظتها أضحى همّي هو الإبتعاد عن الجثة، ومواصلة السير، خشية أن تراني عين ما وأُتَّهَم بالقتل والسرقة، وانطلقت راكضا مرة أخرى ! لكني توقفت بعد بضع خطوات، وعدت الى الجثة من جديد، وجررتها بعيدا عن الطريق لتخفيها الغابة عن العيون، كي لايعثر بها أول عابر بعدي.. وحين عدت الى الطريق، استحال عليّ الركض من جديد، إذ أدركت، متأخرا، أني لابد تركت ٱثار بصماتي على الجثة، الأمر الذي إن عاجلا او ٱجلا سيقودهم إلي، وسيعرفون من أنا، رغم اني لحظتها كنت قد صرت أجهل من أنا، وليس المكان فحسب، فأثقل ركبتي خوف رهيب ! لهذا خطر لي أن أتخلص تماما من الجثة، وأن لاأترك أثرا سوى كومة رماد، مادمتُ قد عثرت على الولاعة، ومادامت الغابة توفر الاعواد، فاندفعت بدون تردد وحزم الى إحراق الجثة، وانهمكت في جمع الاعواد اللازمة، إذ كان لابد أن أجرح أصابعي وأتصبب عرقا كي أجمع كومة كبيرة منها.. وبعد أن فرغت من هذا، ودون ان ٱخذ نفسا من راحة، تعاركتُ مع الجثة الى أن رفعتها فوق الكومة، ثم أولعت النار في أشواك سريعة الإحتراق جعلتُ منها الشرارة الاولى في محرقة هرمية تتراتب فيها الأعواد من الأسرع اشتعالا الى الاقل وهكذا دواليك. وأولعت سجارة بين شفتي، فراح الدخان يتصاعد مني، كما تتصاعد ألسنة النار في كومة أعواد المحرقة، الى أن انقدحت نارا عظيمة دفعتني أمواج ألسنتها اللافحة بعيدا، حينها رأيت وجها يرتفع بين اللهب ناظرا باتجاهي، فبحلقتُ فيه كالمصعوق غير مصدق عيني، إذ طالعني وجهي، وتذكرت ملامحي، فعرفت من أنا ! إنفجرتْ صرخة رهيبة في عروقي، جعلتني أستيقظ فزعا من نومي، حيث احتجت وقتا للعثور على زر المصباح واسترجاع أنفاسي !