البارحة كنت كاتباً مشهوراً… نعم لا تستغربوا, لقد كنت كاتباً مشهوراً, ولو قُدّر لكم أن تروني لأدركتم كم كنتُ مشهوراً… لا بل أكثر من ذلك .. فقد كنتُ من أشهر الكتاب في القرن الواحد والعشرين, فيمكنكم أن تصنفونني بمرتبة واحدة مع زملائي الكتاب أمثال يوسف إدريس و زكريا تامر…
كنت أتصرف كما يتصرف المشاهير …
خرجت من المركز الثقافي للمدينة حيث كنت أُلقي محاضرة بعنوان القصة المعاصرة ومشاكل الجيل, ولقيت المحاضرة اهتماماً كبيراً من الجمهور …
أمام مبنى المركز الثقافي كان ينتظرني عدد من الصحفيين ,الصحفيون بطبعهم فضوليون, يدسّون أنوفهم بكل شاردة وواردة ويتطفلون على خصوصيات المشاهير, ولكنكم تعرفون فأنا شخصية مشهورة ويجب أن أتصرف بدبلوماسية, وهكذا كان … ابتسمت بوجه الصحفيين وبادرتهم بالتحية , التقطوا لي الصور التذكارية, وسألني أحدهم عن آخر أعمالي .. أجبته بشكل مقتضب وغادرت مسرعاً , فكما تعلمون أن وقتي ضيق , كما أنني لا أحب الحديث كثيراً عن أعمالي الجديدة قبل نشرها ….
في الطريق استوقفتني إحدى المعجبات وطلبت مني بكل لباقة أن تتصور معي , أجبتها على طلبها بكل سرور, قالت لي أنها تقرأ أعمالي أولاً بأول وتتابع أخباري , فأخبرتها أنني سأكون ضيفاً على البرنامج التلفزيوني المعروف مشاهير العصر, ففرحتْ كثيراً وأكدّتْ لي أنها ستنتظر البرنامج بلهفة…
وصلتُ إلى البيت وتناولتُ لقيمات قليلة … وسريعاً ذهبتُ إلى طاولتي .. وبدأت بكتابة إحدى قصصي الجديدة :
(دخلتْ أم أحمد إلى غرفة ابنتها ربا فوجدتْ أشياءها مبعثرة , فغضبت غضباً شديداً …) .
يا لها من بداية موفقة , تشد القارئ وتدفعه لمتابعة قراءة القصة , حتى آخر كلمة .
(…. فغضبت غضباً شديداً …), ولكن ماذا حصل بعد ذلك يا كاتبنا المشهور؟! ماذا حصل؟!
يبدو أن ظروف الحالة الإبداعية لم تكتمل … لمزيد من التركيز أحتاج فنجاناً من القهوة …
– أم محمد جهّزي لي فنجان قهوة .
– أنا مشغولة, أنظّف الصحون … جهّز القهوة بنفسك.
– ألا ترين أنني مشغول ؟!
– مشغول ؟!! .. بماذا ؟!!
– أكتب قصة .
– بدل أن تُضيّع وقتك بأشياء لا قيمة لها, فكر كيف تؤمن النقود, لدفع فاتورة الماء والكهربا والهاتف … أحضر زيتاً وسكراً ومسحوق غسيل….
كان جواباً حاداً من زوجتي … يبدو أنها لا تقدّر أنه لدي قرّاء ينتظرون ما أكتبه بشوق .
لا بأس … القهوة ليست ضرورية … ثم من قال أن الكتاب المشهورين لا يستطيعون أن يكتبوا إلا إذا شربوا القهوة ؟!.
عدت إلى قصتي:
(… فغضبتْ غضباً شديداً … وصاحتْ بأعلى صوتها رباااااااا …..).
فجأة قُرِعَ الباب بشكل عنيف .. نهضتُ مسرعاً وفتحتُ الباب لم أجد أحداً … لابد أنه ضياء ابن جيراننا , ذلك الولد الشقي , يضربُ الباب بقدمه ثم يفر هارباً…. وأهله يتقاعسون عن تأديبه , ومنعه من إزعاج الجيران, كم من المرات أيقظني من قيلولتي مذعوراً بهذه الطريقة.
أغلقتُ الباب وعدتُ إلى أوراقي, لكن حالة من الغضب بدأت تسيطر عليّ…
(… وصاحتْ بأعلى صوتها ربااااااا….) .
لكن ابني طارق دخل فقطع عليّ خلوتي وقال :
– بابا أريد حذاءاً وبنطالاً..
– أول الشهر سوف أشتري لك .
– أول الشهر .. أول الشهر.. يا ربي…كل مرة تُسمعني نفس الكلام .
قال ذلك وخرج غاضباً … أبناء هذا الجيل لا يقدرون ظروف أهلهم .
عدت إلى أوراقي , لكن صوت أحد الأولاد ارتفع من الشارع , حيث كان يلهو … تبعه صياح رفاقه وكأنهم في سباق يفوز فيه صاحب الصوت الأعلى…
لا … هذه ليست حالة…ألا تقدرون أن كاتباً مشهوراً مثلي يحتاج إلى الهدوء كي يستطيع أن ينقل ما يجول بخاطره إلى الورق … لو أن نجيب محفوظ عاش بمثل هذه الظروف لما استطاع أن يحصل على جائزة نوبل للآداب … لا بل أكثر من ذلك لو أنه عاش في ظروف كهذه لما استطاع أن يكتب أياً من رواياته ….
ازداد غضبي ..
(… فغضبتْ غضباً شديداً … وصاحتْ بأعلى صوتها رباااا…. رباااااا .. ربااااااا….).
تملّكني الغضب … وأخذتُ أصرخ بأعلى صوتي : رباااااا .. ربااااااا….
وفجأة أمسكتني أم محمد من يدي وهزتني بشدة وقالت :
– مابك؟ هل ترى مناماً ؟؟!!
فتّحتُ عيناي وبسملت … وبادرتني زوجتي بالسؤال:
– من ربا هذه التي كنت تصرخ باسمها وأنت نائم؟؟!!
– إنها إحدى الشخصيات لقصة كنتُ أكتبها ..
فتحتْ زوجتي عينيها بدهشة مستغربة كلامي …..
وهكذا بعد أن استيقظت من نومي انتهت قصتي مع الشهرة … وعدت كما كنت غريباً في بلدي وبين أهلي … لم يسمع بي أحد.
- الكاتب المشهور
- التعليقات