ولدتُ وعشت في حي عرب اليسار الملاصق لقلعة صلاح الدين من جهة( باب القرافة)، ولما كان الإنسان ابن بيئته لم يغب عني يومًا هذا الحي العريق بمبانيه العتيقة المبنية بالحجر الأبيض والتي تطل مشربياتها علي أزقتها الضيقة، وعادات وتقاليد أهلها الطيبين، والأساطير والمعتقدات المتوارثة بينهم والتي تؤثر علي سلوكهم.
بيتنا مبني علي الطراز الفاطمي، بالدور الأرضي طرقة طويلة تبدأ من الباب الرئيسي وتنتهي بفرن الخبيز.
اليوم موعد الخبيز، تحرص أمي الحاجة زهرة علي صناعة الخبز البيتي، وتضيف له الشمر والينسون ليعطيه الطعم المميز، وحتي يختمر العجين تعفر سطحه بالدقيق وتحذر سكان البيت من غير البشر:
– (سترتك ما عفرتك يستر عرضي وعرضك وعرض الولاَية، لوف لوف، النعجة لافت على الخروف والنبي صاحب المعروف).
تتجه لإشعال الوقود في محمة الفرن، وتنبه سكان المحمة:
– (دستور يا أسيادنا دستور، الحامل تمشي علي مهلها والمرضعة تشيل ابنها، الحارس الستار هو الله.
يدور الحديث المعتاد بين أمي وجاراتها أثناء الخبز عن الكنز وحارسه الذي يتجول ليلاً وبين قرنيه جوهرة ثمينة، وتقول:
– الفرن مبني فوق نافورة تحتها الكنز، وتشير لبعض النقوش علي الجدران:
– النقوش دي طلاسم من يستطع فك رموزها يفتح له الكنز، وتستطرد : – الثعابين لا تؤذي إلا من يؤذيها، ( قرب العقرب لا تقرب ، وقرب الحية افرش ونام )، نظرت أمي في وجوه الحاضرين، أعجبها انتباههم وإنصاتهم: (الحارس مش تعبان ده من الجان) ، ظهر الخوف علي الحاضرات وبدأت بعضهم تستعيذ بالله.
رجلٌ غريبٌ يرتدي ثياب المغاربة، وقف قبالة المنزل وأخذ يصيح:
– يا كاشف المستور، اكشف لي السر المكمور، ثم جلس بجوار باب البيت وراح في سُباتٍِ عميق.
– قاعد كده ليه يا شيخنا، فيه إيه ؟ –
– البيت ده فيه كنز مرصود من أيام الجدود، جاني الإذن بفتحه لأصحابه لوجه الله تعالي.
حذره والدي:
– ألا تخشى من حارس الكنز.
– بعون الله أنا قادر عليه.
نقل لي والدي أنه أمهل الرجل للغد حتي يخبر باقي العائلة وكل من له حق في الكنز، قلت لوالدي:
– الرجل دجال يا والدي .
– قال أنه لن يطالب بمال، وأجره سيأخذه بعد استخراج الكنز.
حضر الرجل في موعده، حدق بعينه في وجوه الحاضرين، وقف حيث يوجد الفرن، طلب أطفاء الإنارة، أصبح المكان معتمًا إلا من بصيص نور يتسلل من باب البيت الكبير، عزم وحوقل وتمتم بعبارات ٍغير مفهومة، وضع بخورًا كثيرًا بالموقد ،تصاعدت منه رائحة غريبة أشبه بالتوابل، غلف الدخان المكان وزاد من تعسر الرؤية، صاح الشيخ بصوت قوي جهوري:
– بالزين يا ابن وردان الزين، وأخذ يدق بعصا علي الطقوس المكتوبة، يا ابن ملك ملوك الجان، أظهر وبان ، بحق الجاوي والخلنجان، اكشف لنا المستخفي قوام، قوام، قوام، بحق سيدنا سليمان، عاد يرجو بالزين للحضور ويغير من طبقات صوته:( يا من أغلقت بجسمك ثقب سفينة نوح ونجيتها من الغرق، استحلفك بمن خلق ، أظهر وبان ، ثم صاح:
– الآن، الآن، الآن، في التو واللحظة.
ظهر الخوف علي وجوه الحاضرين.
عاود الشيخ الصياح بصوت جهوري سيطر به علي الموجودين:
– الوحا الوحا، العجل العجل، الساعة الساعة، الآن الآن الآن، في التو واللحظة.
سكت وصاد الصمت المطبق، رفع نظره للسقف، ورفعنا كلنا نظرنا للسقف، أشار بالعصا:
– يا رصود يا حارس الكنز المرصود، اظهر وبان وليك ولينا الأمان. سرت رجفةٌ شديدةٌ في الحاضرين، ظلت أنظارنا معلقة بالسقف لنشاهد هبوط وردان.
فرد الدجال يده لأسفل، ترك العنان لثعبان بكمه ليتسلل خارجاً.
نظر الدجال للثعبان وصاح بأعلى صوته:
– أهلاً ومرحبًا يا ابن وردان ملك ملوك الجان، أأمر تطاع، عليك الأمر وعلينا الإجابة، طلباتك مُجابة، قول من غير كسوف، بس بالمعقول، الناس غلابه.
ظهر الخوف علي الكثرين، لزم الكل مكانه بإشارة من يد الرجل.
صوت فحيح يأتي من شقٍ في الجدار، خرج منه ثعبانٌ كبيرٌ، فتح فكيه وأحكمها علي رأس ثعبان الشيخ، أخذ يبتلعه ، عاد به لجحره. أمسكت رجفةٌ قويةٌ بي ، نظرت للشيخ، امتقع لونه، أطلق لساقيه الريح.

أضف تعليقاً