..واخيرا عثرتُ على الرجل الذي بحثت طويلا عن امثاله القليلين هؤلاء الذين يملكون القدرة على محاربة الجن وانتزاع ما بيده من نفائس.ولم يتبق امامي سوى انتظار ان تهمد آخر ذرات غبار التردد في نفسي، واتقدم إليه في باحة المسجد، منتهزا فرصة انفراده الى مجلد ضخم امامه، بعزم محارب لايهاب وعيد الموت واصرار جريح على استكمال المعركة. لقد انتصرتُ على الخوف في الشوط الاول من المعركة، وإلا ماكنت قادرا حتى على التفكير في ما انا ذاهب اليه.! لو لم انتصر على خوف سكنني طويلا كبعبع في يدٍ باصابع من رعب، لما خطر الامر في بالي مطلقا، ولظلتْ قبضة يدي مضمومة في جزع على كف يحمل توقيع حتفه.! جئتُ الى الدنيا هكذا: في كفي خط مستقيم، كفي وحده، من دون سائىر ايادي العائلة.! ولم اكن اعلم ان الخط علامةٌ واستقامتَه استقامة صراطِ قدرٍ سيقودني الى ساطور يشطر يدي؛ وحين علمتُ سكن الرعب يدي، وتجمدتْ في قبضة لم تنفتح.! لم افهم لِم ولدتُ، انا ولااحد سواي، بكف يحمل مصيره في خط مستقيم، كما لم افهم لِم اختار ابي مكان داره قرب تلك الخربة الشهيرة التي يقال انها تطمر كنزا كبيرا هائلا يحرسه جن مارد جبار.؟ لم تكن صدفة ان اولد بكف نذرت للكنز دما مراقا، في بيت يجاور خربة تحوي ما لاعَدّ له من الغالي والنفيس.! كان قدري ان اضم اصابعي الصغيرة على جمر من رعب، منذ عرفتُ، لاول مرة، انه توجد كنوز وجن ودماء، وصيادو كنوز..وكان دمي الطُعمَ.! احاط بي الرعب باكرا، واخذ مكان الحنان في احضان العائلة.وحين كانوا ينظرون إلي كانت ابصارهم تقفز لااراديا الى كفي، فأرى النظرات سواطير من العيون..ما كنت ابتعد عن الدار إلا برفقة آمنة، ومع ذلك لاتنبسط كفي.! لم أرع الغنم قط وحدي.. لم أثق قط في اي غريب. وظلت عيون العائلة سياجا لاينحني حولي، من فوقه تلوح السواطير، وانا انظر كل يوم الى الخربة كمن ينظر الى حبل مشنقة، أخبأ قبضتي المضمومة، واقول بحسرة ملتاعة : متى.!؟ كان قدري ان اولد على منجم من رعب، من خام خوفه صُغتُ عرائس لعبي، ومن شدة هلعي تخيلتُ لها وجوها يمكن ان تشبه وجوه الذين سيريقون دمي قربانا للكنز، وحتى كوجوه الجن الذي استغربتُ كيف لايعلم ان دمي انا الساكن قربه مفتاح لانتزاع الكنز من يده الماردة، وإلا كان قد بادر الى اختطافي واستباق الامر.! صحيح، استبد بي الهلع مدة بين رعبين : واحد من قبضة صيادي الكنوز التي ستقع علي كطعم من دم، والآخر من قبضة الجن التي يمكن ان تخطف طعما قبل ان يعلق.! لكن، ومن شدة يأسي، تمنيتُ بعد ذلك ان يخطفني الجن اولا، فعلى الاقل هو لن يذبحني، لان الكنز تحت يديه وانا لاطمع لي فيه.! لم يخطفني الجن. لم يحارب بدمي صيادو الكنوز الماردَ.وكبرتُ بقبضة لاتنبسط بعد ان التصقتْ رعبا.! ولولا الفقر ، بعد ان تزوجتُ ولم يعد احد يعنيه ان تقطع يدي التي لاتعيل حتى نفسها، لظلت يدي جامدة في صقيع الرعب.الفقر حررني من الخوف، وبسط يدي انا الذي كان الكنز كابوسا لأحلامي.. لكن السواطير الموعودة لم تنقطع، فقط تغيرت وصارت سواطير من قبضة جافة لفأس او معول تقطع من اليد كل يوم بمقدار وليس مرة والى الابد.! اكتشفتُ ان الفقر ليس ارحم من صيادي الكنوز، ان الفقر يدوس كل يوم يدي وليس مرة والى الابد، ومع هذا أظل فقيرا وفي اليوم الموالي افقر احمل خطا مستقيما يمر بموازاة الكنز ولايتقاطع معه.!! لم اعد اخشى صيادي الكنوز.. لم اعد اخشى على يدي ان تقطع او رقبتي ان تُحَز، بل واحيانا في شدة اليأس من تعب لايستريح، صرتُ اتمنى ان يحدث ذلك.! لكنه لم يحدث..وخطر لي ان اجعل من النقمة التي ولدت على كفي خطا مستقيما نعمة. لهذا صدمتُ الفقيه، وانا اقف امامه بكامل قواي العقلية، بعد ان صافحته، عارضا عليه يدي الثمينة كمفتاح قصر مقابل الشراكة في كنز سمين، ولن يضيرني العيش بيد واحدة بعد ذلك مادمت استطيع ان ادبر من نصيبي تجارة تكفي يد واحدة لجمع محصولها من الارباح، فاليد التي نذرت للقطع على شرف من ذهب عارٌ ان تمرغ في مهانة غبارِ قبضةٍ فأس من خشب.! لكنه، بعد ان طوى المجلد على اوراقه الصفراء وقاس طولي وعرضي واتزاني بنظراته الثابتة والنافذة والخبيرة في معادن البشر، تركني حائرا ودخل الى غرفة نومه في المسجد، ثم عاد مسرعا ورد الصدمة باحسن منها، وقال بابتسامة مابين السخرية والاستهجان وسط لحية كغابة مهيبة :
– منذ ان صُنِعتْ هذه الكاميرا انتهى امر الخرافة.!
ورفع في وجهي آلة غريبة.!!

أضف تعليقاً