تَلفُّ الطرقُ، وتدورحول هذا البيت العتيد.. بيت عائلة “صمولة”؛ فيمر الناس عليه ســريعا، وبعيدامن هنا أو هناك..
يكتفي أهل القرية وما حولها بالنظر إليه من بعيد كتحفة أثرية، ويتنهد المشتاقون حرمانا، وتطلعا لفنه المعماري وطرازه المملوكي؛ ويحلمون بما فيه من قطا !
الشيخ عبد الحميد صمولة كبير العائلة، وعمودها. يقظ دائما، وهولا يني إذ يلمح متلكئا، متنطعا عند السور، أوتحت شجرة من حديقته الغناء ترمي بظلالها خارجه؛ فينهض من على كرسيه المنجد أمام دكان (الماني فاتورة) الضخم تسبقه عصاته الغليظة، ورذاذ شفتيه المتناثر مع فيض شتائمه وصراخه مما يجعل الشخص يقفز القناة القريبة خوفا منه؛ ينجح في القفز أو يفشل..بعدها يعود الشيخ منحنيا إلى الأمام، ويديه تمسكان بالعصا خلف ظهره، وعلى طرف لسانه كلمة رعاع..خونة!!
حين تأتيه القهوة من داخل البيت بعد العصر يكون قد اطمأن إلى اكتمال عودة بناته وبنات أخيه من مدارسهن وجامعاتهن،ووظائفهن..
البيت الكبير خلف الدكان مميز بلونه الحجري، وطرازه المملوكي التراثي؛ تزينه مشربيات، وشخاشيخ كالقباب يعكس زجاجها الضوءبداخله كألوان الطيف، وقد اشتهر بين الناس باسم الكنيسة؛ لشدة تفرده، وانعزاله، ولصمود ما يمثله من قيم وتقاليد؛ ولشراسة الأخوين وأبنائهما في فرض حرمة النظر إليه، أورؤية وجه واحدة من بناته..
نادى الشيخ عبد الحميد أخاه فخرج مسرعا إليه من الدكان، ووقف صامتا ينتظر توجيهاته؛ فهو عنده في مقام أبيه..بدا الصوت حازما:
– اقفل الدكان.. كفانا اليوم.. عندنا الليلة زوار .. ويجب أن نستعد لنريهم مقدارنا، وشرفنا، وقيمة الارتباط بعائلتنا..لم يعقب الأخ، وأتم غلق الدكان ليدخل الأخوان معا كتفا بكتف على زوجيتهما الأختين أيضا..البيت هادئ ونظيف .. مسكون منذ زمن الآباء، والأمهات بالهيبة ، والوقار.. والخوف من الله، ثم من هذا القصير ذي العصا، والحزم..
دخلت الأختان على الأخين في مجلس الرجال الأمامي الكبير..طلب عبد الحميد إغلاق الباب..سأل زوجته بالاسم عن ثلاث بنات..أجابتا معا، وهما تعرفان مغزى سؤاله: – ثلاث عرائس، أميرات ..
– الليلة سنقرأ فاتحتهن على ثلاثة شباب ..اثنين من البلد وواحد من خارجها.. الثالث قاهري من أقاربنا..
– ألا نعرفهم؟ ونعرف البنات؟
رفع عبد الحميد عصاه فوق رأس امرأته، وقال: منذ متى يا..؟ الجدات قمن بالواجب.. بيتنا جامع أو كنيسة مثلما يقولون !..
الليلة يتم كل شيء كما اعتدنا..سمعتنا، وشروطنا تسبقنا ..

أضف تعليقاً