عيناه المتورمتان لا تسعفانه لرؤية الطريق إلى الحمّام،يمشي كبطريق متمايلا يمينا و شمالا من شدّة الإرهاق و التعب، يرتطم بالباب ،يمدّ يده مرتجفة يمسك بالمقبض، يفتح باب الحمّام، يتوجه مباشرة إلى المغسل، يفتح الصنبور ، يغرق وجهه و رأسه الأصلع بالماء، يصله صوت زوجته تصرخ في وجه الأولاد و هي تدعوهم للذهاب إلى المدرسة، تأمرهم أن يقاوموا النعاس، تقول لهم مقولة أصبحت تتردّد في العمارة كلّها: الله غالب.
يدس وجهه في المنشفة، يتأوّه من شدّة حسرته على أبنائه و على زوجته و قد حرمهم كلب الجار من النوم، لقد اشتاق إلى شخير زوجته البدينة الذي طالما أزعجه.
لا رغبة له في تناول القهوة التي أعدّتها زوجته قبل أن تذهب إلى بيت أهلها في الحي المجاور لتنام على الأقل لساعتين أو ثلاثة كي تتمكن من ممارسة حياتها العادية و تحمّل مسؤولياتها تجاه بيتها و زوجها و أولادها. بالكاد يغيّر ملابسه و يغادر لينزل إلى مقهى الحيّ بغرض بحث الأمر مع سكان العمارة الذين قرّروا الاجتماع لدراسة وضعيتهم المزرية إزاء هذا الكلب الذي نغّص عليهم عيشتهم بنباحه الذي لا ينقطع صباحا و مساء ،و أكثر من ذلك أصبح يشكّل خطرا على السكان و أطفالهم ، إنّها المرّة الثالثة التي يعضّ فيها طفلا، و لا أحد تجرّأ على تقديم شكوى .
كان نباح الكلب لا يزال يصمّ الآذان و الأطفال يجرّون أقدامهم من شدّة التعب و هم ينزلون أدراج السلم، يهمس الصغير علي ابن منوّر الحلاق في أذن أخته و هو يمسح المخاط النازل من أنفه بكمّ مئزره بأنّه قرّر قتل الكلب بأنّ يدسّ له السمّ في الطعام، ترتعش أخته من هول الفكرة، تمدّ يدها الصغيرة تضعها على فمه تسده و هي تنظر يمنة و يسرة خشية أن يكون أحد سمعه، تتعثرّ في الدرج الأخير و هي ترى موسى ينزل و هو يدس جسده النحيل في معطف رثّ، تلقي عليه التحية و هي تحاول إخفاء الصغير علي، يتوقفان عن المشي، تهمس في أذن أخيها : ألم تقل لنا أمّي بأنّ سي عبد الجبّار صاحب الكلب قوي، سيكسر أضلع من يقترب من كلبه. يطأطئ الصغير رأسه الملفوف في قبعة نسجتها والدته، تطوقه أخته بذراعها و هي تعرف ما ينتظرها من عقاب إذْ أنّها لم تراجع درس “الكَلَب” عن سبق إصرار من شدّة كرهها للكلاب و لكل ما له علاقة بهم، لقد أبلغت أمّها بقرارها إذا ما أقدم المدرّس على معاقبتها ستقول له: خلّصونا من كلب السي عبد الجبّار أولا ثمّ أعطونا دروسا حول الكلب و الكلاب.
يظلّ موسى يتأمّل الطفلين بعينين أرخى جفنيهما النعاس و هما يمضيان بعيدا عن عمارة أرعبها كلب، لقد استحضر فيهما صورة أولاده الذين غادروا قبلهما إلى المدرسة، و هو لا يدري إن كان مدير المدرسة التي يدرسون فيها سيستدعيه مرّة أخرى ليقدّم له إنذارا حول حالة أولاده اللذين ينامون أثناء الدرس. لم يعد يقتنع بقصّة الكلب.تأكّد له أكثر من أيّ وقت مضى بأنّ هذا الكلب أصبح يهدّد مستقبل سكان العمارة فعلا. تستوقفه لافتة وضعها جاره مسعود المدرّس كُتبت عليها أبيات شعرية في مدح كلب. يبصق على اللافتة و قد أدرك خيانة مسعود الكلب الذي يدّعي بأنّه من رجال التربية و التعليم. يقاوم النعاس ، ينفخ صدره و يندفع إلى خارج العمارة، يقطع الطريق مهرولا غير مبال بمنبهات السيارات. يصل إلى المقهى، يلمح تجمهر سكان العمارة، يدخل ، يأخذ مكانه بين المجتمعين، يركّز نظره على جاره مروان يرغي و يزبد و يتوعّد كلّ من يخلّ بالاتفاق الذي تخرج به الجماعة للقضاء على مشكلة الكلب في هذا الاجتماع بأقسى العقوبات قد تصل إلى حدّ مقاطعة سكان العمارة له.
يصرخ من أقصى زاوية في المقهى حسين النجار بأنّه سيقطّع بمنشاره هذا الكلب هو و صاحبه السي عبد الجبّار ميسور الحال و الذي يملك فيلا و مسكن آخر، منذ تزوّج للمرّة الثالثة، أصبح يقضي معظم أوقاته في مسكنه بعمارتهم التي كانت آمنة قبل وصوله. لقد ترك زوجته الأولى و أمّ أولاده في الفيلا، و الزوجة الثانية في مسكن قريب من أهلها، أمّا الثالثة فهي غريبة عن المنطقة و لا أولاد لها لذلك اختار أن يقضي معظم وقته معها، بهذا أخبرهم الجار يوسف صاحب المقهى التي اجتمعوا فيها، يوسف أخبرهم أيضا بأنّ السر وراء إحضار السي عبد الجبّار للكلب هو حراسة زوجته الشابّة الفاتنة و الوحيدة، لكن كيف يعقل أن يحرسها و هو فوق السطوح و شقة السي عبد الجبار في الطابق الأوّل؟
يتمتم عثمان الإسكافي بأنّ مصدر أموال السي عبد الجبّار مشبوه، يقال بأنّه يتاجر في المخدّرات، و إلّا كيف يعقل أن صار غنيا بين ليلة و ضحاها؟
يشمئز عمّي الصدّيق كبير السكان من هذه الثرثرة التي لا تجدي نفعا و لا تغيّر من واقعهم البائس شيئا ،فيتدخّل ليهدّئ من روع السكان المجتمعين، و ليدعوهم إلى اتخاذ إجراء واقعي قانوني بتبليغ الشرطة و هي ستتخذ الإجراءات المناسبة. ينتبه موسى إلى عيسى الخضّار يتسلّل من بين الجموع و يغادر المقهى و هو يسحب الباب خلفه، يفكر موسى في جبن الخضّار الذي أغلق الباب خشية أن يصل صوت السكان الغاضبين إلى الشارع، ثمّ تتبادر إلى ذهنه فكرة تنظيم مسيرة مندّدة بوجود الكلب في العمارة، تعجبه الفكرة لدرجة أن رفع يده و طلب الكلمة ليعلن عن فكرة المسيرة بصوت مرتفع و بحماس منقطع النظير. يسود الصمت للحظات و كأنّ على رؤوس الجماعة الطير ، ثمّ ينفجر السكان ضاحكين من الفكرة المجنونة، لكنّ ضحكتهم يقطعها صوت دوي باب المقهى يفتح بقوة ليدخل السي عبد الجبّار و الشرر يتطاير من عينيه الجاحظتين و قد كشف عن صدره العريض وعضلاته المفتولة تحت قميص أبقى على أزراره مفتوحة، ينتبه موسى إلى عضلات الذراعين أيضا ، عضلات مفتولة لا يكاد يرى منهما لون بشرته من كثرة الأشكال التي وشمها على جلده. يزمجر السي عبد الجبّار كقطار و هو يصرخ فيهم: ما به الكلب؟
يسود الصمت ،لا صوت يسمع في المقهى و كأنّها أصبحت خالية من السكان.. يمشي السي عبد الجبّار بين الجموع و الشرر يتطاير من عينيه و هو يزمجر: قلت ما به الكلب؟
يتوقف أمام حسين النجار،يرمقه بنظرة غريبة ، يفهم عيسى بأنّ الخضّار قد قام بالمهمّة و خان الجماعة، يرفع السي عبد الجبّار يده عاليا و يضربها على الطاولة التي يجلس إليها حسين النجار الذي اعتصر وجهه و هو يقول:
“الكلب ، الله يكثر خيره يا السي عبد الجبار .”
ثمّ يشرع حسين النجار في شرح مدى سعادة سكان العمارة بوجود كلب قوي و وفي يحرسهم و كيف أنّهم اتفقوا على تكريمه نظير جهده في خدمتهم، فقرّروا إنجاز بيت من حطب يقيه الحرّ و البرد مؤكّدا بأنّه سيتولى إنجازه بنفسه في ورشته. في اليوم الموالي، كان حديث سكان العمارة حول إلى أين وصلت الأشغال بخصوص مسكن الكلب؟.
- الكَلْب
- التعليقات