ظلّت الكلماتُ تهدهدُه ليالٍ طوال.. يحاولُ أن يختارٙ منها أمنعها وأعصاها .. عاونه على ذلك عمرُه الممتد .. وخبرته في الغناء ودراسته المتخصّصة للّغة.. زرع آلاف الكلمات الرقيقة ونمّاها بدماء قلبه، بحيث باتت تتمرّغ على قدميه.. فينتقي ما شاء .. ويترك البعض للتشذيب والتهذيب .. كان يحلم بقصيدة مضيئة.. كلماتها برّاقة، وحروفها متلألئة.. وما بين الحروف ظلال تهمس بدلال.. كان كلّما اقترب من نبوءته.. لمس ثغرةً هنا أو نتوءًا هناك.. فأهمّه الأمر، وأوهمه أنّه لن يصل.. وأنّ حلمه هذا هو المستحيل بعينه.. وبدا له أنّ الذبالة سوف تخبو.. صار يخلو مع نفسه بالساعات.. وفي ليلة قمراء تفجّر الوحي من كهف القصيد.. وانبثقت كاملة.. نسخة لكمال الكلمة والمعنى.. سيمفونية من الكلمات والمعاني الرائعة.. سيقوم بتلحينها، وإعدادها للغناء .. هي التي ستغنّيها، هي وليس غيرها.. ففي فمها تتراقص الكلمات.. تترنّم النغمات.. هي صاحبة النغم الشجيّ، والصوت المخمليّ، .. .. هي من أحبّ الشعر لأجلها.. فصار يسهر الليالي الطوال حتى تفتّق قلبه ووجدانه عن هذه القصيدة الأخيرة الرائعة التي تنبض بالحنان، وتنبع بالأمل، وتبعث الحياة، وتنفث العطر الفوّاح .. كان يعلم أنّها تنام مبكّرًا.. وتصحو للعمل مبكّرًا.. كان الليل قد انتصف.. رفع سماعة الهاتف عشرات المرّات وكلّما همّ أن يكلّمها .. شعر بيده تتقلّص، فيعيد السماعة.. تمضي الثواني بطيئة.. تنبّه للساعة المعلّقة على الجدار المقابل.. إنّ عقرب الثواني يقرع في أذنه كالطبول.. كالغربان والبوم .. يشعر في قلبه بانقباض.. بدأ يزفر ويُجٙمِّع اللعاب في فمه ثم يبتلعه.. شرب كأسًا باردًا من الماء .. ونظر إلى السماء من شرفة المطبخ.. شاهد القمر حزينًا متّشحًا بالسواد. انقبض قلبه، وعاد إلى الداخل.. ارتمى على الأريكة.. أخرج من تحته ريموت التلفزيون .. عبث به.. بدأت عيناه تتسعان.. تسارع خفقان قلبه.. لا يمكن أن ترحل؟! وفي هذه الليلة بالذات.. أسرع إلى الهاتف سمع صوت بكاء وانتحاب.. عاد يقلّب قنوات التلفزيون التي تناقلت الخبر المرير.. بدأت الدنيا تصغُر في عينيه شيئًا فشيئًا .. وفتح الكرّاس الذي سجّل فيه القصيدة الأخيرة.. بدأت أشباح الكلمات تتبعثر من القصيدة، وتتناثر كالشياطين.. أغلق الكرّاس إلى الأبد.. وقطّع أوتار القصيد.. شعر بالدنيا تدور، وراح اللون الأحمر القاني يسوَدّ في عينيه شيئًا فشيئًا، وأحسّ بشيء هلاميّ يسيل من أذنيه، وشعر بثقل في صدره، وشيء يكتم أنفاسه، ومن شدّة الألم ضغط بأسنانه على إبهامه الأيمن، انفتح فمه، وارتخت جفناه، وتمنّى لو أنّها قرأت مشاعره قبل الرحيل.

أضف تعليقاً