”مبروك يا حبيبي، ربنا رزقك ببنت“. قالتها الزوجة عند دخوله عليها بعد الولادة مباشرة….
اسود وجهه بهذا النبأ غير السار، كان يتمنى إنجاب ذكر ليكون أخا رابعا لإخوتة الثلاثة الذكور.
انتابه الخجل وتمتم بعبارات الضجر، ومما وصل منها إلى أذنيها (يا ليلي الأسود).
ما إن قالها حتى همت وتعلقت بملابسه، همست في أذنيه: ”البنات حنينين ورزقهم واسع“.
لم يهتم بمواساتها له، هز رأسه متأففا وخرج من الغرفة.
دارت الأيام وتعاقبت السنون، تزوج الأبناء وداروا كل في رحاه، نسوا الأب مهملا بعدما ماتت أمهم؛ فاقد البصر، رث الثياب، هزيل البنيان، ضعيف كزيتونة بالية بقيت بالملح سنوات فغدت متآكلة…
في صباح باكر لليلة باردة، جاءت لزيارته بنته التي تزوجت بعيدا عنه، رأته منزويا في ركن الحجرة يرتجف من الجوع والبرد، باتت دموعه غطاء ثقيل على جفونه؛ خفق قلبها له، صعب عليها، بسرعة أعدت له طعاما، غسلت درنه وجاءت لتغير ثيابه، صعقتها الصدمة، لم تجد إلا هذا السروال المتهتك الذي لا يكاد يستر له عورة… تراجعت لغة الروح قليلا لتتيح لعينيها فرصة حقيقية لتتأمل الوالد بعين من الواقع، وتفصل له بعينيها أبهى ما يرتدي الآباء…
– دفعه الشغف أن يسألها: من أنت؟!
– صدمة أخرى لها ”عمى أبيها“، أجابته: أنا ليلك الأسود.
فوثب الأب كالملدوغ يبحث عن ترياقه، تعلق بملابسها، انكب عليها يقبلها ويتشممها، ويبكي ويقول: ”ليت الليالي كلها سود“.
كادت الصدمات أن تشطر قلبها، شردت تحدث نفسها: “لِمَ لا أصطحبه معي؟ لِمَ لا؟!
- الليل الأسود
- التعليقات