قليل من السأم هذه الليلة قد يخفف مرارة هذه الأوقات، باصطفاء المواقف الحرجة التي كان بإمكاني أن أتتفاعل معها بصرامة، نعم كان بإمكاني أن أشتم وأبصق، بدل التسامح المبالغ فيه، غدا سأواجهه بحقيقته الأنانية، وسألعن شجرة أجداده دون مبالاة، لأنه ببساطة يستحق أكثر، وليس هو فقط، بل كلهم سواء، يستغلون طيبتي ليبتزوني. ولكن انتهى، نعم انتهى ذلك العهد، لأنّهم غدا سيرون شخصا أخر، مكشرا عن أنيابه، ينتزع منهم حقوقه، بل وسيهابونني بعدها طول الدهر، ولا بأس عندما يغيرون الطريق التي أسلكها، فماذا أفعل بوجوههم الصفيقة؟
المهم الآن أن تمضي السويعات التي تفصلني عن النهار، وعن ميلادي الجديد، الذي ستتغير فيه حياتي كليا، وتحل فيه مشاكلي، وتستقيم الأمور لي على ما كنت أبغي، الأمر سهل جدا، كيف لم أهتد إليه من قبل؟ الحياة بسيطة، والمواقف الحاسمة في متناول أيدينا، لكن أشعة الشمس تُعشينا.. كم أعشقك أيها الليل! مرشد الحائرين، تنصح صامتا، لا كالنهار الذي يعج فيه نباح المحتالين، بألسنة كأذناب النيران. من اليوم فصاعدا، ستصير هذه القرية لي وحدي، لأن قدراتي تفوقهم جميعا، وتؤهلني للهيمنة حتى على القرى المجاورة، آه، هذه فكرة قابلة للتحقيق، حين أربط علاقات مع تجارهم، وأدينهم مبالغ ضخمة يعجزون عن تسديدها، وتمتلأ محلاتهم ببضائع فوق حاجتهم، سيبتاعون بالدين، إلى أن يتنفسوا الدَين، لأدخل إلى صدورهم متحكما في زفيرهم وشهيقهم. سأفعل الأفاعيل، المهم أن يطلع النهار..
آه.. ها هي أوهام النهار تشع من جديد، تصل أنفي روائح القهوة، والخبز الهلالي، علامات الترف المزيف، ويصل سمعي صوت المذياع، يبدأ بالقرآن، ليصل إلى فيروز، وغيرها من الأصوات التي ترافق الناس في بقية يومهم لينسجوا حياتهم على إيقاع ألحانها.
ها هي خطواتهم تقترب مني، كما يفعلون كل مرة، أحس بالحزم في ضربات أرجلهم على غير العادة، لكنني سأواجههم، لأكون وفيا لوشوشات الليل الصادقة. بدأوا يتجمعون حولي، متوعدين ومتذمرين، ما جرأهم عليّ إلا صمتي، لذلك سأتركهم حتى يصلوا كلهم، وأنفذ خطتي.
شغلوا أسطوانتهم اليومية، من سب، وقذف وصراخ، ورمي بالحجارة، لماذا يبالغون في ردود أفعالهم اليوم؟ صحيح أنني استدنت منهم ولم أرجع، ومشيت بينهم بالمكر والخديعة، وأوصلتهم إلى حافة الإفلاس، ولكن ليست هده نهاية الدنيا، مازالت في جيوبهم دراهم كثيرة، والدليل أنهم يزينون قبري كل موسم، ويصبغون جدار مقبرتي..
- المتذمرون
- التعليقات