أنفاس لاهثة تصاحب الحلم الصاخب، تقلب عدة مرات حتى سقط من على فراشه محدثا دويا حرك الجثة المستلقية في الغرفة الأخرى، وزاد حتى سمعا صوت طرقات غاضبة على الباب المتهالك للشقة الصغيرة، فتح زميله حاتم ففوجئ بسيل من السباب المصحوب بتهديد مباشر بإبلاغ الشرطة في المرة القادمة، دون وعي استقبل حاتم التهديدات ثم أغلق الباب آليا وبعدها توجه نصف نائم يلوم إدريس ويسأله عما حدث هذه المرة، كان قد أفاق وجلس على المقعد القريب، سأله عن الطارق الغاضب فابتسم ساخرا:
– جارنا المجنون يهدد بطردنا في المرة القادمة لو أحدثنا ضجيجا على السقف.
– نتوقف على الحركة أم ماذا؟ هذه البنايات القديمة قد تم بناؤها كأنها أوراق شجر صغيرة، سقف الدور الخامس الذي نعيش فيه رفيع جدا، ماذنبنا في هذا الفقر الذي نعيش فيه؟
– يقول أننا أفزعنا أولاده واستيقظوا في حالة رعب.
– كل مرة يتحجج بسبب مختلف، لقد اقترب العام الدراسي من نهايته وسوف نترك المدينة كلها ونعود إلى منازلنا.
– ونحمد الله أنه العام الأخير لنا، أخبرني، ما الذي رأيته هذه المرة؟
– لا أعرف ولم أفهم، كأنها نهاية العالم وأنا أحترق بنار لا تؤذيني لكن الدخان يخنقني وأيد كثيرة تحاول اختراق جسدي.
– هل درست شيئا جديدا في علم النفس؟ أو قرأت تحليلا ما تأثرت به؟
– نهائيا، وتوقفت عن القراءة في كتب ما وراء الطبيعة منذ فترة طويلة.
– وتوقفت أحلامك المفزعة منذ العام الماضي.
– لا يهم، لعلها ضغوط الإمتحانات.
استكمل نومه القلق ثم امتحانات العام النهائي في الكلية وعاد إلى قريته على حدود البلاد، قرية هادئة تعيش على ما ينفقه المسافرون الذين يمرون يوميا ذهابا وعودة، عدة مطاعم فقيرة متراصة على الطريق ومعها محلات صغيرة لبيع البقالة الخفيفة، تمتد القرية إلى حضن الجبل القريب بعيدا عن الطريق بمسافة نصف ساعة من المشي يمارسها أغلب أهل القرية في تحركاتهم اليومية للذهاب إلى المدينة الصغيرة التي تبعد قرابة الخمسين كيلو مترا في اتجاه الساحل لقضاء احتياجاتهم والذهب إلى المدرسة الثانوية للطلبة، بينما يتوزع الخمسة طلبة الذين التحقوا بالجامعات البعيدة على مدن كبرى مختلفة.
نزل إدريس من السيارة بعد رحلة أكثر إرهاقا من كل مرة بسبب ما ينتظره من عمل في مزرعة الجبل والتي تهرب منها طوال سنوات دراسته، اجتهاده جعله يتصدر قائمة الناجحين كل سنة ويعطيه أملا لو استمر هذا العام أن يتم تعيينه معيدا في كليته، لكن حتى يتحقق الحلم لا مناص من عمل المزرعة.
حيى أولاد عمومته في المنافذ الصغيرة على الطريق ودعاه أحدهم بإلحاح لتناول إبداعه الجديد في طبخ اللحم المقدد، لم يخيب ظنه واستمر معهم حتى قرب غياب الشمس ثم اتخذ طريق العودة إلى القرية مع بعض الأصدقاء الذين يغيرون وردية العمل في المحلات التي لا تغلق أبدا.
تناول ما استطاع من ديكه الرومي الذي أعدته والدته احتفاءا بعودته وجلس يتسامر مع أسرته وأبناء عمومته حتى انتصف الليل فقاموا جميعا للنوم.
صعد كعادة حياته إلى سطح المنزل الصغير المجاور تماما للجبل لينام بعيدا عن حرارة الغرف في الصيف الحار، ولم يهتم أبدا بتحذيرات من حوله من احتمالات خطر لا تنتهي بين عقارب وثعابين وذئاب وحتى جن شارد، لم يحدث شيئ من قبل سوى تهديد صغير من صقر ظنه وليمة مناسبة فانقض عليه لكنه عجز عن حمله، أو هكذا تصور حين صعدت أسرته على صوت صراخه ووجدته يعاني جروح مقاومة في يديه ووجهه.
بعد الفجر خرج مع شقيقيه ووالده إلى المزرعة الصغيرة في الجانب الآخر من الجبل، عبر دروب متعرجة يركبون سيارة خشبية يجرها حماران وخلفها بقرة متوسطة ساروا لما يقرب من الساعة حتى وصلوا إلى الوادي الذي يمتلكون أرضهم فيه.
وصلوا أخيرا إلى البئر الصغير وربطوا البقرة في محراث صغير ثم تركوها تذهب وتعود في المساحة الوسطة المحاطة بأعواد قمح وذرة كثيفة نسبيا.
بعد أن بلغ التعب منهم مبلغه جلسوا في المبنى الصغير المجاور للبئر يتناولون طعامهم، وجه الأب حديثه لإدريس:
– هل وجدت طريقة جديدة لتطوير أعمالنا؟
– تقصد المعمل؟
– نعم.
– لن نستطيع تحمل تكلفته، الموضوع صعب جدا وبالغ الخطورة، لقد طورت علاقات جيدة مع بعض المشترين، لكن أكثر من ذلك سيكون الخطر أكبر.
– والأسعار أيضا، هذا العام نريد زراعة صنف تركي جديد أحضره أصدقاؤنا ويقولون أنه يعطي كميات إنتاج أكبر، كذلك يمكن استخراج كميات أكبر من عصارة زهرته، وأريدك أن تكون معنا يا إدريس.
– لكن ربما يتم تعييني في الكلية.
– لم نتفق على هذا، كما أننا أخذنا ما نريد من هذه الكلية.
– يا والدي وجودي هناك فرصة جيدة لتطوير الأعمال، وربما حصلت على منحة دراسية فسافرت إلى أوروبا أو أمريكا وهناك يمكنني البحث عن عملاء أكبر لمنتجاتنا.
صاح حينها شقيقه راشد بغضب:
– تريد أن تحصل أنت على كل شيئ؟ التعليم والسفر للخارج والتعامل مع الكبار وتتركنا كلنا هنا نعمل تحت رحمتك.
– يا أخي وسع رأسك الغبي هذا مرة في حياتك، نحن نعمل في عمل حقير إيراده صغير وهم يحصلون من وراءنا على الملايين، نحن أولى بخير هذه الأرض.
عقب والده وهو يغالب قناعاته:
– لا أعرف، دعنا نفكر في هذا الأمر لاحقا، المهم الآن أننا سنقوم بزراعة الصنف الجديد نهاية الأسبوع.
– لا يمكن، يجب أن ننتظر إلى بداية الخريف.
– هذا هو الجديد، هذا صنف يبقى في الأرض لعامين ويمكن أن نستخرج منه إنتاجنا بداية الخريف، أي الكل يبدأ في الزراعة ونحن نكون أول من ينزل السوق وبالتالي سنحصل أعلى سعر ممكن.
– المهم الجودة.
– لا يقل عن المغربي والأفغاني.
– جيد، وهل سنزرع مائة ألف ككل عام.
– لا، سنزرع مائتي ألف، سنكثف إلى الضعف، ونستفيد من وحدة المساحة خاصة وأن الصنف الجديد أقل حجما من القديم.
– حقيقة يا والدي يجب أن تدرس في كلية الزراعة، أنت أفضل من كل من درس مقرر الزراعة النباتية الذين مروا علي.
ضحكوا جميعا ثم أكملوا يومهم في تجهيز الأرض واستمروا على ذلك حتى أتموا الزراعة بعد أسبوع.
كان الدور عليه في المبيت لحراسة الزراعة في مرحلتها الأولى، رغم أن طبيعة الوادي وارتفاع زراعات الذرة تخفي الزراعات الرئيسية، ولم يسبق أن عرف أحد بهذا المكان إلا أن الحذر الدائم كان سمتهم.
بعد أنت اطمأن على شراك الذئاب والقط الجبلي في مكانها وبقية المناطق التأمينية التي تنتهي بخندق يحيط دائريا بالأرض يمتلئ بماء الأمطار في الشتاء ويمثل مخزونا نسبيا وفي الصيف تمثل المترين ونصف عرضه صعوبة شديدة في عبوره، دخل إلى المبنى الصغير يقرأ في بعض القصص على ضوء صغير ناتج عن مولد محدود لا يصدر ضوضاء ملفتة، سمع أصوات حركة في الخارج، لم يأبه في البداية، من الطبيعي أن تهز رياح الليل قمم الذرة فيصدر صوتا أشبه باحتكاك الأوراق، زاد الصوت قوة ووضوحا وقربا أيضا، أخذ سلاحه الآلي وخرج لاستطلاع ما يحدث، صعد فوق المبنى الصغير لكشف المكان، توقفت الأصوات غير الطبيعية، كان قلب الوادي مع اكتمال القمر واصطفاف النجوم يشع نورا يسحر العيون، مع هيبة ووقار يزيد الناظر احتراما وإعجابا، سلبت لبه الرؤية فقرر أن يقضي ليلته فوق السطح يتأمل في المشهد، غط في نوم لم ينتظره، شعر بجسده ينتفض بشده وشعيرات جسده كله تقف، ارتعدت أطرافه حين سمع أنفاسا فوق أذنيه، فتح عينه أخيرا يطرد الحلم الذي جثم على صدره، كانت سحابة عابرة قد قطعت أنوار السماء، نظر عند قدميه فوجد عينا حمراء دون جسد، تأملها كثيرا ثم شعر بهدوء غريب يتمكن منه، حاول فتح أنوار هاتفه لكنه شعر أنه عاجز عن الحركة، جسم ثقيل جاسم على صدره:
– اسمع، لا تستطيع أن تؤذيني، وأنا أستطيع أن أحرقك، انصرف في سلام.
لم يجد استجابة ولم يستطع الحركة.
– حسن، أنا لا أخاف منك أيا كان أصلك، ولا أتعامل معكم، من أنت؟
– مراقبك.
لم يسمع صوتا، كان همسا استقر في يقينه:
– وماذا تريد مني أيها المراقب.
لم يسمع أو يدرك أي شيئ، لكنه قرر أن يواصل نومه.
كان قراره هو المنقذ، استيقظ في الصباح على صوت والده يبحث عنه، نزل وعلامات الإرهاق الشديد بادية عليه:
– ماذا بك يا ولدي؟ هل حدث شيئ؟
– لا يا والدي، ولكني لم أنم جيدا.
– يبدو أنك اشتقت لفراشك في الشقة الخمسة نجوم التي كنا نعيش فيها.
فوجئ إدريس بحاتم مع والده، أسرع يحتضنه غير مصدق:
– متى وصلت يا صديقي؟
– بالأمس، وكنت أريد الحضور إلى هنا ولكن كان الوقت متأخرا.
– ليتك أتيت.
– هل حدث شيئ.
نظر إدريس إلى والده ففهم مبتسما وتركهما لمتابعة العمل في الحقل.
– نعم يا حاتم، لقد سمعت نفس الصوت مرة أخرى، وقال لي نفس الكلمة.
– اسمع، إما أنك مرصود فعلا، وإما أنك شفاف لدرجة كشف الطبقات الفاصلة.
– أجلس مع الشيخ الخنفشاري فيما يبدو، ما رأيك أن تكشف عن الكنوز الموجودة في الجبل وتسخر لنا جنيا عابرا للقارات ليبيع منتجاتنا.
– اسخر مني كما تشاء، لكني أقول لك الحقيقة.
– دعك من هذا الهراء وأخبرني، ما الذي أتى بك مبكرا هكذا؟ ألم نتفق على بداية الشهر القادم.
– لا تريد أن تراني يا قاسي؟ ألم تشتاق لي؟
– وهل أنت حبيبة القلب حتى أشتاق لك؟ أنا لا أطيق رؤيتك أساسا.
– حسن، كما تشاء، وأنا الذي تركت كل شيئ وحضرت لك أزف تعرفي على شخص ممكن أن يؤسس لنا المعمل هذا العام.
دخل عندها والد إدريس معجبا:
– طوال عمري أقول عليك أنك رجل يا حاتم، منذ حضرت مع إدريس في عامكم الجامعي الأول وموافقتك على المشاركة معه في التوزيع، لا تضيع وقتا.
– يا عمي هو عملنا في الأساس، لكننا موزعون صغار، نريد أن نكبر معا.
– يعجبني طموحك، أخبرني، ما هو الجديد.
– فهمت تقريبا كل خطوات التصنيع حتى الوصول للذهب الأبيض.
– سنزرع القطن أخيرا.
– خفيف يا إدريس، بل سنزرع الدقيق مرة واحدة.
– دعك من هذا السخيف وأكمل.
– بعد اكتمال سقوط وريقات الزهرة يتم جني محصول الأفيون بعمل جرح خفيف على الكبسولة الخضراء قبل المغيب، يخرج الجرح سائلا مركزا أبيض اللون يتحول بتفاعله مع الهواء إلى اللون البني، يترك إلى اليوم التالي حيث يقترب لونها من الأسود وتكون جافة فيتم كشطها وجمعها، وتستمر هذه العملية خمسة أو ستة أيام حتى يتم جرح جميع جوانب الزهرة، بعدها نأخذ المادة الصمغية المتجمعة والتي تمثل الأفيون الخام ويتم وضعها في أكياس بلاستيكية.
– وهذا ما نقوم به كل عام ونبيعها للتجار على هذه الصورة.
– الخمسة آلاف كبسولة تنتج تقريبا كيلوجراما من الأفيون الخام، وكل عشرة كيلوجرامات تنتج تقريبا كيلو ونصف مورفين والتي تكون في النهاية كيلو هيروين خام، يقوم التجار بخلطه بمواد مختلفة ليقللوا تركيزه.
– أولاد الحرام، يغشون البضاعة.
– لقد قضينا نصف عمرنا نزرع في القنب الذي ينتج الحشيش.
– وكانت شجرة صغيرة كلها خير يا والدي، نأخذ الحشيش من الزهرة ونحول الأوراق إلى بانجو أو كما يسمونه في الغرب ماريجوانا.
– نعم يا راشد، لكن رائحة الزهرة قوية جدا والعمل فيها كثير وأسعارها أقل بكثير من منتجات الخشخاش.
– نعم يا عمي، وهناك أيضا نبات الكوكا.
– نعم سمعت عنه ولكن تصعب زراعته في أجوائنا هنا.
– لا شيئ صعب علينا، المفاجأة الجديدة أننا سوف نحصل على بذور لها ونحاول زراعتها ثم نرى، أسعاره أضعاف أسعار الهيروين.
– وكلها تؤدي إلى الإعدام.
– رائع جدا يا حاتم، هذا مشروع تخرجنا من الفقر أنا وأنت.
ضحك الجميع على تعقيبات راشد وإدريس ثم استكملوا العمل في الحقل.
مع اقتراب وقت الحصاد استلم إدريس عمله كمعيد في قسم النباتات الطبية والعطرية، نال بحثه للماجستير حول زيادة إنتاجية النباتات المخدرة استحسان الجميع ورشحه للسفر إلى الولايات المتحدة لاستكمال الدكتوراة، استطاع تأسيس شركة لإنتاج الأدوية عمل فيها كل معارفه وأسند إدارتها لصديق عمره حاتم، توسع عمله وتشعبت علاقاته حتى أصبح نجما في مجتمعه، وظلت عيون الليل تراقبه كلما نام وحده.

أضف تعليقاً