القصة للكاتب مهدي الجابري
نص القصة على مجلة لملمة من هنا
القراءة
للقصة القصيرة جدا أشكال متعددة منها الشكل التقليدي( حيث تطور الحبكة يشابه القصة القصيرة)؛ الشكل الحواري، الشكل الشعري، الشكل المشهدي… .
الخ… و هذه الأشكال جميعها تستخدم أدوات خاصة بكل شكل، و أدوات أخرى مشتركة فيما بينها.
في هذا النص نجد الكاتب قد اعتمد على الشكل المشهدي، و كأنه مصور سينمائي يحمل كاميرته و يصور لنا اللقطة، أو كأنه فنان يمسك ريشته ليرسم الحدث، فيجعلنا نتخيله بدل أن نقرأه، و يجعلنا نعيد رسمه بألواننا الخاصة، فنشترك معه في بناء النص.
إن أهم ما يميز النصوص المشهدية هي تلك العاطفة الجامحة التي تأتي مشحونة بها.
لذلك نجد أن هذا الشكل يعتمد آليتين رئيستين هما:
***التصوير و العاطفة ***.
و لا يمكن لأحد منا أن يشكك في أهمية العاطفة و ما لها من تأثير على المتلقي، الذي في بعض الأحيان بل في الكثير من الأحيان نجده ينتصر لها مقابل البناء السردي، فيتغاضى عن مطبات و نواقص البناء السردي مقابل تلك العاطفة عالية الوهج التي تألق بها النص، فنَقَلَ تلك الشحنة للمتلقي.
لا شك أن هناك بعض المعارضين لهذا الشكل من القصة القصيرة جدا
( و أقصد الشكل المشهدي)
على اعتبار خلوه من الأفعال الحركية و العقدة القصصية و الحدث المتنامي و التأويل المتعدد، فهكذا نصوص غالبا ما تنقل لنا مشهدًا حدث و اكتمل، كما لو أننا نتطلع إلى لوحة تشكيلية، أو إلى لقطة سينمائية، و في هذا الكثير من الجمال، فكيف نغمط هذه النصوص حقها؟
لقد كان لي سابقا مقالا بعنوان القصة القصيرة جدا اللوحة،
و ذلك منذ عدة سنوات و فيها قدمت استشرافا للقصة القصيرة جدا ذات الشكل المشهدي.
إذا نحن أمام لوحة جميلة، رسمت بألوان متقنة، و شحنت بعاطفة كبيرة، أعطتها القفلة زخمها الكبير.
هذه النصوص تجعلك تنبهر بمشاهدة المنظر، و الذي قد يكون كافيا للمتعة المقصودة، دون أن تدخل في عناء التفصيلات و التأويلات المتعددة.
فراق
عنوان عاطفي يشحنك منذ البداية، و يستدر تعاطفك و مشاعرك بل و ربما دموعك، و هو عتبة غنية للكثير من الأفكار
( فالفراق قد يكون: هجرة، موتا، طلاقا، وداعا، غدرا،….الخ).
لذلك علينا أن نشمر عن سواعد أفكارنا لنخوض خضم هذا الفراق.
يبدأ النص بعبارتين تقريريتين تضعانا في مواجهة الحدث مباشرة:
تخرج بطل النص من الجامعة، و هذا حلم أمه الذي يتحقق في هذا اليوم.
(حمل فرشاته، وقف على جدار كليته، فيما راح زملاؤُه يحتفلون مع عوائلهم بتخرجهم،).
إذا لدينا هنا احتفال جماعي للطلاب المتخرجين في نفس الكلية، جميعهم يقفون معا، يحتفلون، و لنا أن نتخيل كل مشاهد الاحتفال من فرح و صراخ و غناء و رقص و تبادل التهاني، وووو…لكن العبارتان المحوريتان في هذا المقطع هما
( حمل فرشاته- مع عوائلهم) لماذا ترى تنقل لنا كاميرا السارد مشهدين في ذات اللحظة:
مشهد البطل يحمل ريشته واقفا أمام جدار كليته،منتحيا عن رفاقه.
مشهد الطلاب يحتفلون مع عوائلهم.
لماذا لا يحتفل البطل مع عائلته أيضا؟
ثم لماذا يحمل ريشته؟
ماذا يريد أن يرسم على جدار كليته؟
هنا تأتي القفلة لتجيب تساؤلاتنا:
(رسم بين الانقاض يد امه تلوّح له.)
إذا فالجمع محتشدون، كل مع عائلته، كل مع أمه يعانقها، يفرح معها، ما خلا بطل النص، الذي يعبّر عن حزنه الشديد و أساه لعدم وقوف والدته هنا إلى جانبه، تشاركه حلمه و حلمها الذي يتحقق اليوم، لقد قضت أمه تحت الأنقاض، لكن يدها لا زالت تلوح له، و كأنها تشاركه فرحته.
نعم إنهم لا يتركوننا..لا يغادروننا إلا بأجسادهم، لكن أرواحهم تحوم معنا، تدور حولنا، تحزن لحزننا، تفرح لفرحنا…
إذا هو فراق أمه التي غادرت قبل أن ترى بأم عينها حلمها يتحقق بتخرج ابنها من كليته، و التي أميل غالبا لكونها كلية الفنون الجميلة، لاختيار البطل الريشة و الرسم للتعبير عن فراق والدته…أما الأنقاض فلا يُعنَى النص بتبيان سببها، لأنها مجرد إطار لاكتمال اللوحة، قد تكون إثر زلزال أو تفجير أو انهيار عابر.
النص بسيط اللغة..جميل الفكرة..، لم يكن منفتح التأويل كثيرا حقيقة، لكنه نجح كما قلنا في إيصال فكرته بامتياز من خلال تقنيتي التصوير و الشحن العاطفي، فجعلنا نتفاعل معه و نعتبره من النصوص الناجحة التي يليق بها التكريم.
