من كتاب الخيال السعيد، حدّثنا الرحّالة ابن كورونة؛ السامط العنيد، الّذي كلّما زار بلداً فتّش فيه القريب والبعيد، ولم يفلت منه خبر قديم ولا جديد، يقول ابن كورونة: حدث أن وجدت نفسي بعد طول مسير في بلدٍ حكمته لعمر مديد، عائلة تدعى آل مبيد، وكان لها حاكم تاسع عشر اسمه كوفيد، يحكمها بقبضة من حديد، كوفيد آل مبيد، غير أنّي لم أكن أعرف أنّها بلد الوباء الّذي ينتقل من آدميّ لآدميّ كالنار في الجريد، فالعطس واللمس والعناق والتقبيل، وقذف الرذاذ في الأفق المديد، يأتي بك محموماً، كاحاً، عاطساً، هاراً، ممدّداً عاجزاً عن التنهيد، ومن شدّة خوفي آويت مسرعاً كفهد البراري إلى ركن شديد، فأثار انتباهي إعلان معلّق يؤكّد ويعيد، أنّ الملك كوفيد آل مبيد، ينظّم مسابقة للشعر والقول السديد، جائزتها وزن خفافيش بعدد أبيات القصيد، لؤلؤاً وذهباً ويزيد، ولمن يخسر من الشعراء قفّة دسمة للحجر الصحّيّ ومعها أكياس من سميد، ومأدبة الحفل كسكسيّ بالخضار واللحم والقديد، وختامه شاي منعنع بفول سودانيّ محمّص، ومقروض محشيّ بالتمر، وبغرير مشهد ومعسّل، ويأتيك بالأمر كلّ ما تشتهي وتريد.
وكان الموعد في الغد، لحظة بدء حظر التجوال والتسكّع الّذي لا يفيد، حينها، مرّ المشاركون عند مدخل القصر في نفق للتعقيم، يمشي فيه الواحد مرفرفاً يديه، يدور حول نفسه ويعيد، وانتهزت فرصتي حين مررت آخراً، فأرخيت عمامتي وعباءتي، ورقصت رقصة، لأعقم كلّ جزء من جسمي الّذي أنهكه وسواس الوعيد، وحين دخلت بلاط القصر وجدت نفسي مع ثلاثة شعراء والوزير والملك كوفيد، وقد أرخى هياكله على عرشه كمشرّد أمام مدخل البريد، كانوا جميعهم يرتدون كمّامات وقفّازات، إلّا أنا، تنعتني أعينهم كما يُنعت البليد، سألني الوزير متهكّماً: ما خطبك أيّها الغريب الجديد، فقلت: العفو، العفو، أنا ضيف هنا ولا علم لي بالتقاليد، ثمّ صاح كسكير عربيد: الجائزة لمن يذمّ نفسه فيجعلها لا تساوي فرنكاً مليئاً بالصدأ في ماء صديد.
ثمّ أعقب منادياً على الشعراء؛ كورنة بن كمام، الكركن بن كحيح، والكروين بن العطّاس، وكلّ في قبيلته شاعر برتبة عميد، فاستفتحوا مدحاً في الملك والمملكة، ثمّ أكملوا ماسخين أنفسهم مسخاً بشعر لم يشهده من قبل ولا من بعد شهيد، إلى أنّ الوزير كان في كلّ مرّة ينادي على غلام نحيف، أعاد على مسامعنا أشعارهم جميعاً كما لو قيلت منذ زمن بعيد، فانزلقت في بديهتي ما حدث للشاعر الفذّ الإكرنكيّ ذات عيد، فجادت قريحتي حين حان دوري بقصيد كلؤلؤ معلّق في الجيّد:
صوت وطيط الخفيِّش
هيّج بطني السغب
كاتشب وحمّص معا
مع فطر طريّ اللب
ذقت لقمة من وجنة
ومصّاً من خشم لزج
فقال وطَ وطِ وطاً
وقد غدا منسحب
والنفس مالت فزعا
من فعل هذا الطويئر
فعطس عطسة
شهقتها بأنيّـــــــفي
فجفّ حلقي
وتحمّم رأيـــــّـــسي
والبطن قرقرت
والأنف تمخّط في
أتشَمّ أتشِمّ تشماً
خَق خِيق خَقِ
والصدر تضيق بي
والكلّ أتفُ تفِ تفٍ
خلفي ومن حوللي
لكن تمايلت هاربا
مكرّ ومهرول
إلى لقاء ملك
يأمر لي بجهاز
يروي صدراً خرب
أنا الضيف المكورن
من أرض الكيرن
نظّمت قطعاً خربشتها
يعجز عنها الغليم
أقول في مطلعها
صوت وطيط الخفيش.
فصفّق لي الشعراء تصفيقاً حارّاً لا يناله إلّا من يجيد، وأبصرت في أعينهم ضحكة، فرحاً بانتصاري وسخرية من حيلة أوقعت بالعديد، فقام كوفيد من عرشه ناظراً لوزيره نظرات ملؤها الوعيد، مرّرها الوزير لغلامه وقد ارتجفت نحافته وداخت نظراته وصاح: لم أحفظها يا وزيري ويا مولاي عطفاً ورحمة بغلام وليد، فجاءوا بوزن أبيات قصيدي “عجلة بناء” من ذهب وزمرّد ولآلئ كأنّها العناقيد، فطفت حولها كما يطوف على زهر الربيع الرويد، ثمّ وقفت وقفة أنظر في الجمع كفارس صنديد، وقلت متفيصحاً: أيّها السادة، أتبرّع بهذه الجائزة، تنجزون بها مختبراً يصنع لنا دواء لهذا الوباء بالتحديد، ويقوم على إنجازه قائد صالح، علّنا نخرج جميعاً من هذا الحال الكميد، أمّا أنا فآخذ هذه العجلة وأكتفي عليها بكيس من سميد، وخرجت من المدينة بتصفيقات وأهازيج لم يحظ بها رونالدو في ريَـال مدريد.