عقارب الساعة تشير إلى السادسة صباحا، يستيقظ تلقائيا بلا منبه،
بدا مهموما كئيبا كالعادة، يتمطى متثائبا في سريره ثم نهض متثاقلا و كأنه مجبر على شيء. نظر إلى نفسه في المرآة فلمح شخصا بالكاد يشبهه و كأنه هو بعد مائة عام، يشع من عينيه بريقا مخيفا.
أشعل سيجارة “كليوباترا” على الريق، دخل الحمام ثم دلف إلى المطبخ ليشارك قطته واحدة بقسماط مغموسة في الحليب، أخذ دواءا السكر و الضغط، صنع فنجان من القهوة و راح يستنشق عبقها في تلذذ.
خطى إلى البلكونة بجسده النحيل و وجهه الشاحب و هو يشعل سيجارة جديدة: تلك البلكونة هي منفذه الوحيد للعالم و بلورته السحرية التي يرى من خلالها الدنيا. ميناء رست عليها سفينة حياته فنسيها ذات مساء القبطان و البحارة.
كرسيه هناك ينتظره في شوق و منفضة سجائره مازالت تحتضن أعقاب سجائر البارحة.
ماتت زوجته منذ عامين لم يكتب الله لهما الإنجاب بعد محاولات مضنية
كان يعمل مدرس علوم في مدرسة إعدادية ترقى بالكاد حتى أصبح وكيلها لمدة 4 سنوات ثم خرج على المعاش.
لم يتخيل حياته بدون “سميرة” سبحان من أبقاه بعدها عامين حيا يرزق ما عاد لشيء بعدها طعم لا تليفزيون -بات لا يستطيع مشاهدته كل ما يعرض يذكره بها- و لا طعام -ما عاد يأكل إلا ما يبقيه حيا- حتى دوائه ما عاد يأخذه رغبة في شفاء أو اتقاءا لموت بل خوفا من إعياء و عدم قدرة على الحركة.
كان يرغب حقا في الموت و الخلاص يطلبه و يستدعيه و لكنه لم يفكر أبدا في الإنتحار.
يبدأ يومه و ينتهي على هذا الكرسى الخشبي العتيق لا جرنال يقرأ -فلا جديد- و لا كتاب يطالع فما عاد شيء يستحق المطالعة.
وحدها صفحات الوجوه العابرة تحت شرفته يقرأ ما سطر في طالعها و يفك طلاسم نقشت تجاعيدا على جباهها ينقب في العابس منها عن لحظة سعادة منزوية و يفتش في البشوش منها عن حزن دفين
يستنشق نسيم الصباح منشرحا بدبيب الحياة في الشارع، عربة الفول علي الناصية و قد التف حولها الناس كالذباب، عربات تزمجر و هي تقل الناس لأشغالهم نافثة دخان كثيف كحرائق الغابات، أصحاب المحلات يفتحون و يبخرون و يرشون الماء أمام الحوانيت، أسراب من الأطفال ينطلقون إلى مدارسهم يبدون في اليونيفورم كباقات الورود الصباحية على الموائد.
يسلي يومه الثقيل بمشاهدة المارة و إسداء نصائح متنطعة لا يطلبها أو يلتفت إليها أحد.
يختلس النظر للشقق و البيوت عبر النوافذ و الأبواب المفتوحة باحثة عن نسمة هواء ربيعية هادئة.
حنين و ذكرى تجمعه بكل بيت و كل شبر أنفاسه المتصاعدة بحدة تصدر صوت رتيب كصوت الدف في الأوركيسترا الحديثة.
أولاد يلعبون الكرة في الشارع، يتقافزون كالفراشات في سعادة
كان حريفا لعب كرأس حربة في فريق الحي و كانوا يهتفون بإسمه
…
عليوة … عليوة
يلقي إليها نظرة في شباكها هناك ليرى إن كانت تتابعه “هبة” أم لا
تنتابه قشعريرة طاحنة لما رأها تتابعه من عليائها بعينيها العسليتين انتفض كالملسوع و امتطى الكرة.
– رقص رقص إستنى موووه شوط شووط شوووط هاااي جوووووون
يرفعونه فوق الأعناق فرحون مهللون و عينه معلقة عليها لا يرى غيرها و لا يعنيه سواها.
لم يظفر منها سوي بتلك النظرات كانت تكفيه ليعود إلي بيته يسترجع تلك النظرة الحنون عشرات المرات ليستشعر معها لذة متجددة لا تنتهي
…
ضبط نفسه واقفا على أطراف أصابعه يشاهد الماتش
أخذ يلهث بأنفاس طويلة متقطعة و سعل سعلة خشنة، عاد إلي المطبخ،
اذدرد لقمتين و جرعة ماء و عاد جريا إلي البلكونة و كأن هناك من ينتظره أو أن أحدا يستشعر غيابه ربما يتناسى أنه يعيش على هامش الحياة، كالورقة اليابسة على الشجرة انفصلت علاقتها بالفروع و الجذع و لكنها مازالت عالقة على شعرة تنتظر هفة نسيم لتسقط و تكتب في عداد الأموات.
يراهم محظوظين عن غيرهم لم يمنعهم أحد من اللعب و لم يعرفوا رزالة أم فوزية.
– ياااااه فوزية … أيااااام “زفر في حرقة”
بيتها أمامه على اليمين يعرفه جيدا يقع على حافة الجرف الفاصل بين منطقهم و المنطقة الراقية تحتهم بيت جميلة الجميلات “فوزية نصر”
عاشرها عشر ليالي فقط، سر لا يعرفه سواه كانت جميلة بما يكفي لتغري الأستاذ كما اعتادوا أن يسموه رغم فقرها و جهلها و قلة حيلتها “تجري على” أمها المسنة و أخيها القعيد.
على وجهها مسحة من رهبنة بتول و إطلالة من غواية غجرية، تتضوع من طيات جسدها رائحة زيت مقدس و رائحة أنثي في موسم التزاوج.
هي ذاك المزيج النادر في امرأة بين العهر و الشرف.
دخلت غرفتها متعللة بالنوم و ارتدت قميصها الأحمر المطرز بخيوط ذهبية عند منطقة الصدر.
قد أعدا العدة جيدا.
ما عاد يكفيه قبلة خلسة تحت بير السلم أو زيارة خاطفة في شقته.
يراها من بلكونته حيث يقف الآن و يشير إليها بعلامة النصر، تبدو مترردة في خلع القميص و الملابس الداخلية يشير إليها يستعجلها
ألقت ملابسها علي السرير و قفزت من الشباك عارية كما ولدتها أمها بياضها أضاء الظلام من حولها كهالة النور، انتابه خوف مفاجئ و بدت له ساعتها كأنها جنية و هي تخطر عابرة الطريق و شعرها يتطاير وراءها، كانت جريئة بما يكفي. حاول أن يثنيها و يشير إليها بالعودة و لكن سبق السيف العزل الكل نيام و الشارع غارق في الظلمة، قطعت المسافة جريا و صعدت إليه يملاؤها الخجل تداري سوءتها بيديها، تندي عن وجهه ابتسامة نصر و هو يحتضنها في فرح.
منذ فترة حكت أن هناك جن يعاشرها ليلا و هي نائمة معاشرة الزوج لزوجته و أخذت تدخل في إغماءات و نوبات صرع بين الحين و الآخر
حذروها المشايخ من النوم وحيدة أو ارتداء الملابس الحمراء و المثيرة.
عندما استيقظا أمها و أخاها في الصباح و لم يجداها لم يحركا ساكنا
وقفا مشدوهان ينظران إلي قطع ملابسها علي السرير في خوف و قد ابتلعا ألسنتهما رعبا و هلعا.
قصة ليست جديدة يعرفونها جيدا عاصراها مع فوزية مرتين أو ثلاث طرقت سمعهما كثيرا قصص شبيهة لا يستطيعان تصديقها أو تكذيبها فالجن موجود يعرفانه جيدا بحكم عمل المنطقة كلها بالتنقيب عن الآثار.
يعرفون الرصد الذي يحرس المقابر الفرعونية و يتحايلون عليه بالسحر و الشعوذة أو بالذبح و القرابين لفكه و صرفه.
كانت تحبه جدا هي له وحده -لو أراد- متاحة، بلا أجر و بلا زمن لو قال لها ارمي نفسك في البحر لفعلت بلا مناقشة أو جدال لم تكن تعرف أن حبه لها أشبه بحب الملوك للجواري و الإماء و ولعه بها أقرب إلى ولع الأسياد بالرقيق: حب رغبة و جنس و عشق شهوة و شبق سرعان ما يزول لتحل محله رغبة أخرى بأمة جديدة معروضة في سوق النخاسة.
كانا ينويا البقاء لمدة أطول و لكن لم يتفقا بعدما طلبت منه الزواج الرسمي على سنة الله و رسوله إن كان يحبها فعلا كما يقول.
انفصلا فغضبت و ندمت على ثقتها فيه و حبها له لم يكن يستحق و تحينت الفرصة و عادت كما هربت، ارتدت قميصها الأحمر و ملابسها الداخلية و نامت علي سريرها و كأن شيئا لم يكن.
فلما استيقظا (أمها و اخاها) وجداها كما تركاها في نفس نومتها مستلقية علي ظهرها شعرها الأسود الطويل يغطي وجهها الملائكي.
أقسمت كالعادة أنها لم تفارق السرير قط هي كما نامت بالأمس كان كابوس فقط جثم على صدرها و كأنه حقيقة.
لا جديد سوى بعض عضات و خربشات و خدوش في الرقبة و الصدر و الظهر.
لم تكن تكذب هذا فعلا ما كانت تشعر به لم يكن سوى وهم أو كابوس لم يكن هو من فعلت هذا من أجله كان شخص آخر غير الذي أحبته شخص لا يفرق شيئا عن ذلك الجني المغتصب الذي يزورها ليلا حتى باتت تنتظره في شغف.
ذكر نهم لا يعرف الحب فحولته لا تقاوم و رغبته لا تنتهي، لمساته ندوب و قبلاته حروق، أحضانه كسور و رضوض، ماؤه كماء البحر لا ينفذ و لا يعطب، معاشرته متعة و إن بدت مختلفة و عنيفة.
قالت لهم فصدقاها جمالها يستحق و أنوثتها لا تقاوم و اختفاءها و ظهورها في غمضة يؤكد صدقها.
…
ندت عنه ابتسامة صفراء ثم قطب ثانية و قد تذكر أنها ماتت
– الله يرحمك يا فوزية “قال في وجوم”
وجدوها مذبوحة من الوريد للوريد حليقة الرأس بالموسي و على بطنها وشم غائر في الجلد يقال إنهم ذبحوها قربانا لمقبرة عم بكر
مسح دموعا ساحت من عينيه و هو يتمتم
عم بكر أسعد … يااااه أياااام
يفرك جبهته بشدة و هو يرنو بعيدا إلى بيت مهدم، خرابة مكتظة بأكوام الزبالة، كلاب ضالة و قطط و فئران ترتع فيها و تلتهم بقايا طعام.
يعرف عم بكر جيدا بحمارته العمياء التي وجدها ذات صباح ملقاة علي حافه النهر فأخذها و تكفل بها ربما رأفة و رحمة أو ربما الحاجة إليها لينقل علي ظهرها تراب الحفر المتزايد من هوة عميقة تحت بيته.
باع ما وراءه و أمامه على المشايخ و الدجالين و العمال للوصول للمقبرة المملؤة بالكنز مازال هناك بصيص امل.
لما كفر بالمشايخ و الدجالين قرر أن يستدعى خبير أثري يسأله عن الوضع.
ذعر لما رأى الحفر، لم يكن يتخيله بهذا العمق 6 متر راسي ثم امتداد 3 م افقي ثم عمق 4 م رأسي و لمبة وحيدة معلقة في الأسفل و مروحتان فوق لضخ الهواء في العمق و عروق خشبية عملاقة للمحافظة على ثبات الأرض.
فتش في المكان و تراب الحفر ثم زفر زفرة غضب
– المكان دا مفيهوش حاجة، دا مكان معيشة و حياة مش مقابر و دفن
قال و هو قابض على قطعتين صغيرتيت من الفخار.
انتفض عم بكر و بدا كمسخ برأسه الكبير و قامته المنحنية بشراهةو أمسك بتلابيبه و زعق كالمجنون
– مفيش ازاي يعني؟ إنت مش عالم اثار انت حمار متفهمش حاجة
” و هو يطرده من البيت شر طرده”
و عاد للحفر و كأن شيء لم يكن، شيء ما بداخله يدفعه دفعا إلى مواصلة الحفر ربما نقطة النهاية ما تزال على بعد سنتيمترات في باطن الأرض.
– الله يرحمك يا عم بكر ” قال و هو ينظر للسماء”
مات منذ عام تحت الحفر و قد سقط البيت كله على من فيه ماتوا جميعا لم يكن يعرف إنه يحفر مقبرته هو ليس إلا.
…
جن المساء و انقطعت أرجل المارة و توقف الأولاد عن اللعب.
راقب الليل و هو ينسج خيوطه خيطا خيطا في الثوب الابيض حتى اختفى بياضه، يتتبعه و هو يمر كساعي بريد علي البيوت ناشرا السكون و الخمول.
حبل ذاكرته طويل لا ينتهي تتخلله عقد بعدد النجوم، لكنه وقت الرحيل
غُلقت الشبابيك و الأبواب، غاب نبض الحياة و انتهي العرض، تراجع خطوتيتن إلى الوراء، أغلق باب البلكونة، وضع فنجان القهوة في المطبخ، اذدرد لقمتين، شرب زجاجة ماء ساقعة كاملة، فتح علبة تونة للقطة و ملأ لها صحنا بالماء، مسح على ظهرها و ألقى عليها نظرة وداع.
دخل غرفة نومه خلع ملابسه كاملة على غير العادة، أغلق زر النور، بكى كطفل في المهد، تمدد على ظهره، أغمض عينيه و مات.
- المقبرة
- التعليقات