_القُرط والخاتم بمليون وثلاثمائة دينار ياحاجة.
_هل لديك ما سعره مليون فقط؟
_لا والله ياحاجة، هذا أرخص قرط وخاتم على الإطلاق، إلا إذا أخذتِ ذهباً بقيراط ثمانية عشر.
رجعتُ خائبةً بعد أن منيتُ نفسي بالقرط والخاتم مكان التي بعتها.
_أنت تعلم أني لم أبعهما لك إلا بسبب هذه الضائقة التي ألمت بنا.
_أعلم يا حاجة، ولكن البيع ليس كالشراء، أرجو أن تتفهمي هذا.
نامت المليون في الخزانة، ولكنها استيقضت بعد اتصال صديقتي.
_أرجوكِ أسعفيني، أحتاج لمبلغ من المال حتى أدفعه للمحامي، فابنتي في خطر.
_طيب.. طيب.. حالاً أنا في طريقي إليكِ.
استقليتُ الباص ورنّ التلفون…
_مرحباً.. هل أنتِ في البيت؟ أووه.. أين أنت؟ لماذا الصوت مشوش؟
_نهى عزيزتي أنا في الباص.
_أرجوكِ ارجعي حالاً إلى البيت، أريد منك قرابة المليون، أو كل ماعندك حالاً.. أنا في المستشفى وأحتاج لعملية حالاً.. آخخ.. أنا أنزف.. سأكتب لكِ العنوان في رسالة… لا نملك إلا ما تعرفين… آه..
_طيب.. طيب.. لا تحاولي الكلام، ساعةً وأكون عندك.
نزلت… وصعدتُ أخرى راجعةً أدراجي.
كدتُ أغفو على حالي هذه في الباص، لولا أن قطع نعاسي حديث السائق مع صاحبه: والله يا أخي أنا وعائلتي إذا فطرنا لا نتغدى، وإذا تعشينا لا نفطر. مازلت غارقاً في ديوني لهذه السيارة وولداي تركا المدرسة ليعملا. وااااأسفاه، كنت أريدهما طبيباً ومهندساً، وواااأسفاه على ذكائهما.
كدتُ أن أقول له: هاك.. خذها وأرجعهما إلى المدرسة، أطعمهما ثلاث وجبات مشبعات حتى تتغذى دماغاهما؛ لولا أن قطع حديثي لنفسي
رنة الهاتف: أمي.. أين أنتِ بربك؟ خالي وأولاده عندنا وينتظرونكِ. هناك أمرٌ مهم جداً.
_حالاً.. حالاً.. ها أنا قد وصلت.
_يا هلا.. يا هلا..
_دقائق يا أخي العزيز، أحتاج لأن آخذ حماماً سريعاً فدماغي تكاد أن تنفجر وربي.
الدوش أخرجَ كل الأفكار والتشويش وازدحام الأحداث من رأسي وبخّرها؛ فاستطعتُ أن أستلقي على الأريكة بهدوء وصفاء ذهن.
_تعلمين يا أختي الحنون أن رامي دخل كلية الطب هذه السنة..
_نعم.. نعم.. شاطر على عمته ويستاهل كل خير.
_وياعمته الحنون، فهمت أنك تجمعين مبلغاً من المال، أحتاج لأستدينه منك فمصاريف الدخول كبيرة ولوازم الكتب والملابس وو…
_لحظة… النقود!.. كيس النقود!!
أين كيس النقود؟!… يا إلهي.. بقي في السيارة..
_أية سيارة؟
_الحافلة…راحت النقود… المليون..
ركضتُ بنعل البيت أصعد باصاً وأنزل آخر، علّي أعثر عليه وعليها… وأولادي يركضون معي.. لا فائدة… راحت المليون..
_(معلش، هو سيصرفها على ولديه، سيأكلون ثلاث وجبات كل يوم، وسيدخلون الطب والهندسة.. نعم. أنا متأكدة من هذا).
_أمي، بماذا تهذين بربك؟ من هم؟ هل تعب دماغك بسبب فقدانك المليون؟ أرجوك أمنا، كفي عن هذا وارتاحي أنتِ وانسي المليون فقد طارت وانتهى أمرها.
_لا،، لا،، لم تطِر، ولم ينتهِ أمرها. صحيح أنها لم تساعد ريما ولم تدفعها للمحامي. وصحيح أنها لم تساعد نهى في المستشفى، ولكنّ هناك عائلة بدأت من اليوم في التهام ثلاث وجبات مشبعة، فأحدهم سيكون طبيباً، .الآخر مهندساً.. هما ذكيان.. أنا متأكدة من ذلك.
_لا حول ولا قوة إلا بالله.. أمي أرجوكِ.. تعالي نخلد إلى النوم..
ارتاحي.. ارتاحي أمي..
_قد ارتحت الآن، فلا مليون ترهقني بعد اليوم.. ولا فلساً.. نعم.. ارتحت.
تصبحون على خيرٍ وعافية..
…………..
…. المليون دينار في العراق تساوي قرابة الثمانمائة وخمسون دولاراً.

أضف تعليقاً