خرج بخطوات مسرعة يحمل حقيبة ، ولم يعر إهتماماً للمتواجدين في المكان رغم كثرتهم ، والأصوات المتعددة والمتداخلة والزغاريت المصاحبة لهذا المشهد ، إبتعد قليلا ثم توقف وإلتفت خلفه ، تتمتم بكلمات يحدث نفسه وواصل مسيره،غير عابئ بأحد بعد أن لوح بيده إشارة تنمُ عن السوء .
أصبح على مشارف حييه الذي ولد وترعرع فيه ـ تغيرت مظاهر الحي كثيراَ طروقات أرصفة ومحلات وعمارات إلا من بعض ألأطلال لبيت مهدم وخرب ـ تفحص الوجوه لعله يتعرف على أحدهم ، كان مرتديا نظرات سوداء التي تميزه ووجهه الممتلئ المستدير بأنف صغير ،وبنيته الجسمية القوية وقصر قامته ـ لم يعثر على أحد ،ولج إلى المقهى المعتاد إرتياده والمعروف بمقهى “عمي أحمد” ،إتخذ طاولة مقابلة للداخل والخارج من المقهى ، ووضع حقيبته أمامه على الطاولة ،نزع نظارته ثم أخرج منديلاً ورقياً ليمسح العرق المتصبب على وجهه ـ لأنه قطع مسافة كبيرة . شاهد لوحة ثانية معلقة بجوار السابقة وبها صورة صاحب المقهى عمي أحمد ومقعده المخصص له يجلس عليه أحد أبنائه .
لقد تركهم صغار أمَا اليوم فهم من يشرفون ويسيرون المقهى ـ لقد مضت كل هذه السنوات قال محدثاَ نفسه وهو يلف سيجارته ويبعث بدخانه أمامه.
توجس منه بعض الزبائن الذين عاصروه ،ونظراتهم توحي بذالك ، حتى أن أحد الزبائن من شدة الهلع والخوف سقط فنجان القهوة من يده وكاد يُغمى عليه .
بدأ بعض مرتادي المقهى بالإنسحاب ، أما البقية التي لم تعايش ذالك الزمن لم تُعر “صاحب النظرات السوداء” أي إهتمام ولم يشغل بالهم .
إقترب منه نادل المقهى وقال له :طلبك سيدي .أشار عليه أحدهم تعال خذ هذا وأوصله له .
كانت الساعة تُشير إلى منتصف النهار ودرجة الحرارة مرتفعة والمقهى شبه خالي إلا من زبائن خارج المدينة يتأهبون للذهاب لحالهم وصاحب النظرات السوداء،إشتد القلق والخوف والإظطراب من هذا الزبون الثقيل ، يرمقونه ويتمنوا أن يتحرك ـ وهو في قرارة نفسه يعرف أن الجميع في إنتظار مغادرته ـ أراد أن يُنكد عليهم بعض الوقت وضع رجليه فوق الطاولة ،ونفث دخان سيجارته قبالتهم ورمى الموجود على الطاولة أرضاً،وبزغ في وجوههم بحركة تهكم وسُخرية وإستفزاز، عدَل جلسته ثم طلب قارورة ماء ، قام من مكانه واضعاً نظارته على رقبته مستفزاً وساخراً حمل حقيبته على كتفه،وأدار لهم بظهره وقام بتكسير مقعداً وتناول رجل المقعد وهشم بها الواجهة الزجاجية الأمامية للمقهى .إقتلع الأزهار الموجودة في المدخل وسحقها تحت قدميه ، فأثار هذا المشهد أحد المارة ، تقدم نحوه ليُثنيه على فعلته ، فلكمه على وجهه فأغمي عليه ثم ركله برجله في الطريق حتى كادت سيارة أن تدهسه .
إختفى عن نظرهم تنفسوا السعداء.

أضف تعليقاً