لهفته للحاق بالقطار، ألغت بيدر البشر المتلاطم في المحطة.
حقائب.. حقائب.. وحقائب
لابد أنه هو، وتوجه إليه مباشرة
حذاؤه البلاستيكي المقطوع ، لم يستطع إعاقته ، رغم بروز نصف قدمه منه، وتراجعه إلى الخلف.
نعم إنه هو. وإلا لما فتش الحقائب والركاب قبل السماح لهم بدخول القطار.
..وبحركة انسيابية تمركز الغصة البشرية، ساعده على ذلك تنحي الآخرون له ظناً منهم أنه أبله، لأنهم ولو تجاهلوا سترة نومه الفضفاضة مع بنطال الجينز، ما كان بمقدورهم أن يستوعبوا شحوبة وجهه وفوضوية شعره ونهم عينيه.
ـ مرحبا.
ـ أهلا.
ـ أبحث عن الأستاذ المساعد المهندس موسى، هل رأيته ؟
ـ أين يعمل ؟
ـ في الري.
.. قهقه: عامان وهم يعلمونه كيف يمسك بالخرطوم، وتجاهله إلى راكب آخر.
– أطلق القطار آلام المودعين من صفارته، معلناً قرب الرحيل.
ـ من فضلك. هل رأيت السيد المساعد المهندس موسى ؟
ـ موسى من ؟ ؟
ـ أخي.. أخي موسى، مساعد مهندس، عيناه كبيرتان وشعره جميل، عضو في لجنة الحي.
ـ ماذا تريد منه؟
ـ سأعطيه هذا الكيس. لقد نسيه بسبب ارتباكه و عجلته خشية التخلف عن موعد السفر.
ـ افتحه.
ـ ( كيس نايلون أسود يستخدم للقمامة. فيه سروالا صوف طويلان وحزام قطني مطاط)
ـ ادخل وابحث عنه.
دخل القطار وفي نفسه أسى على هؤلاء الهامشيين الذين لا يعرفون أخاه.
راح يبحث بين الوجوه متضرعا في سره (اللهم أعني لكي أراه)
.. رغبة في البكاء تتحكم به.
(يجب أن أراه، كم سيفرح؛ هو مغتم الآن، و كم ستكون دمعة أمي كبيرة إذا ما رأتني عائداً من بعيد .. ملوحاً بالكيس)
– لقد قالت: يا ولدي نسي ملابس الصوف؛ أمجد يا أمجد؛ الحق أخاك عجّل، ففي الجنوب برد لا يحتمله قلبي.
وراح يلهج مضطربا (لابد أن أراه وإلا فلن أعود؛ سأراه حتماً فقد استعملت تكسي للوصول بسرعة.
( فمن يتق الله يجعل له مخرجًا) من المؤكد أن أخي يتقي الله، وإلا لما استطعنا تأمين أجرة التاكسي رغم الظرف الذي يمر به البيت.
– لمحه من بعيد ، فرفرف قلبه كحمامة تريد الهبوط، كان يغازل فتاة دمشقية تجلس قبالته، لا شك أنها أجمل أنثى في العالم.
– أخي، وبوقار قال: لقد نسيت هذا.
هو في أحسن حالاته كان يقف أمامه بحياء، (بكر الأسر المحافظة) فكيف وهو بما هو عليه من لهفة وتخبط هندام.
– نهض الأخ حنوا وتقديرا، فرآه طويلاً ،طويلا ًجداً، و عال.
– (عد إلى البيت. سلّم على الجميع) معانقا إياه بشدة قائلا: لقد تركتها لأستبدلها في المرة القادمة بالذي ارتدي.
..عاد والسعادة تفيض منه لتغرق العالم.
أمي. أخوتي سيرقصون.
..لكن ماذا لو لم أره ؟.أستوقفته هذه الخاطرة، وراح يحدق في القطار المتحرك ، وسرعان ما تبسم وأكمل سيره ..
مجيبا بصوت مسموع: لبقيت في المحطة إلى حين رجعته..
- المنزل رقم 10
- التعليقات