وصل عدد سكان البلدة إلى تسعمائة وتسعة وتسعين نسمة، وهم ينتظرون مولودا جديدا تكملة للألف. ومنذ ظهور الحمل على أمه والكثير يتنبئون له بمستقبل زاهر ومميز. البعض يتحدث بصوت تعلوه السوداوية والتشاؤم معتبرا الجنين معاقا ألفا مثل أهله، والبعض الآخر يرى فيه مخلصا من لعنة وصمت جبينهم ومهديا جديدا ينقذ الناس. ومنهم من توعد بوأد المولود إن كان أنثى وتآمر البعض لقتله كي لا ينافس أبناءهم في تصدر قوائم المتفوقين.
اختلفت استعداداتهم وتباينت ترتيباتهم، والبلدة كلها تشارك لتجهيز ما يليق بالمولود الجديد. هل سيكون ذكرا أم أنثى؟ هل سيكون طويلا أم قصيرا؟ جميلا أم قبيحا؟ غبيا أم ذكيا؟هل هو أسود أم أبيض؟
الكل يتحدث في التلفاز، والجميع يناقش. تعقد الحوارات وتفتتح الجلسات وتصدر التوصيات، وكل يدلي بدوله وله رأي في المسألة. لقد أضحت قضية المولود الألف موضوع الساعة وشأنا عموميا يهم الساكنة، وتأمل القاصي والداني صورة البطن الحامل معلقة على لافتات الإشهار في الشوارع ومتصدرة لصفحات الجرائد والمجلات. وتخلل ذلك نقاش عن تسريبات على الشبكة العنكبوتية لتصوير بالصدى لهذا الخلق الجديد، وعن التداعيات الأخلاقية لهذه القضية.
بدأت الكتابات تتوالى تباعا، فهذا يكتب عن سيكولوجية المولود الألف، والآخر عن تنبآت بمستقبله، وثالث يمدحه في قصائد طوال، وغيره يروي حكاياته البطولية مع وحوش أسطورية بعضها موجود في الخيال الشعبي وبعضها من وحي خيال المغالين.
وتتوالى الهبات وتكثر الهتافات وتنتقل الإشاعات، ويأتي اليوم الموعود ويولد الطفل وتهز صيحاته جنبات البلدة، وتقام الاحتفالات والأعراس وتتوالى الأفراح والمسرات. ثم يصمت الجميع فجأة لأن المولود لم يسمع له صوت بعد مرور أشهر عدة، ولم ينطق ببنت شفة بعد أخذه للنفس الأول في الحياة، وبقي صامتا أخرسا حتى مل الناس وتملكهم الوسواس، ثم تفرقت الجموع واستفرغت الدموع بكاء على أمل قد انطفئ بعد أن غشيته ظلمة الواقع وسوء الطالع.
ها هو يوقف سيارته إلى جانب منزله الفخم ثم يفتح الباب وينزل حقيبته ويتجه صوب الباب بعد أن يغلق سيارته بإحكام، فيستقبله البواب على أحسن ما يكون: «أهلا سيدي ، كيف حالك سيدي؟» ثم ينهال عليه بوابل من الأدعية بطول العمر والسعادة في الحياة، وهو صامت لا يرد كأنه يتجاهل كل ما يراه ويسمعه، حتى البستاني لم يتكلف أن يسلم عليه لأنه يعلم أنه لن يرد التحية. إنه ليس متكبرا، لكن اختار لغة الصمت، ويا لها من لغة بليغة يفهمها القاصي والداني، فحروف الصمت تدركها كل شعوب العالم، إنها لغة عالمية موحدة استخدمت على مر العصور دون أن تبلى أو تنقرض.
وكما هي العادة دخل بطلنا الصامت إلى بيته دون أن يلقي التحية على زوجته أو يقبل أبنائه الذين اصطفوا فوق السلم المؤدي للطابق الأول، وكأنهم كانوا ينتظرون قدومه بفارغ الصبر. أما زوجته فقد تناولت منه الحقيبة لتضعها جانبا قبل أن تساعده على خلع معطفه وتعلقه على المشجب. وبعد ذلك قالت الزوجة لأبنائها: «إذهبوا الآن إلى المائدة وسوف نلحق بكم بعد قليل». فيتفرق الأولاد في أرجاء المنزل بسرعة بعد أن يجيب كل واحد منهم بالإيجاب. وتسحب الزوجة البطل الصامت بقوة وهي تصيح: «كيف تغيب كل هذه المدة دون أن نراك، وشوقنا يزيد يوما بعد يوم، كيف تسمح لك نفسك بهجر أولادك نصف قرن. نصف قرن من الانتظار وأنا أخبر الأولاد أن والدهم سيأتي، وكلما مر الزمن هزل الأولاد من وطأة مرور السنون، وها أنت اليوم تراهم قد أصبحوا أطفالا بأجسام هزيلة بعد أن كانوا شبابا في أوج وقمة عطائهم».
ثم دخل الرقم ألف رفقة زوجته إلى غرفة الطعام وجلس كل واحد منهما إلى جانب الآخر على كراسي خشبية عتيقة، وأمامهم أصناف مختلفة من المآكل والمشارب، فقالت الزوجة هامسة: «يجب أن تنتظر أولادك اليوم تماما كما كانوا ينتظرونك». فتمر الساعات والأيام، فالشهور والسنوات، والألف جالس ينتظر، والأكل ينخره الزمن ويبليه الدهر، وأنسجة العناكب تملأ المكان. وتتوالى الليالي و الأيام، إلى أن
ينطفئ النور فجأة، ثم يضيء على المولود الألف وهو يتجول وسط البلدة، ولكنه يلاحظ أنها فارغة تماما من البشر. فيركض هنا وهناك ولا يرى أحدا، ويدخل المتاجر والبيوت فلا يجد من يحدثه، ثم يسلك أحد الشوارع الصغيرة ويتابع مسيره إلى أن يقف أمام أحد البنايات المسورة، فيسمع أصواتا تدوي من وراء الباب، وكلاما غير مفهوم، وحوارات يبددها الهواء. فيطرق الباب ولا يرد عليه أحد فلا يجد بدا من تسلقه ليطلع على ما يخفيه هذا الضجيج من عجيب الأمور، فيطلع فيتفاجئ بعصبة من الناس المتلثمة تحاصره ويتقدم إليه أحدهم وهو يقول “أيها الألف، لقد انتهت مدة صلاحيتك وما أنت الآن سوى واحد بثلاث أصفار” فيغرز خنجرا في بطنه ويرديه قتيلا…

أضف تعليقاً