أصوات عالية وصراخ وبكاء وعويل .. أزعجتني في هذا الصباح الباكر جدا .. كنت ممددا على سريري ولاأتحرك .. متخشبا وجسمي بارد لدرجة شككت أنني ميت .. ولماذا كل هذا البكاء من حولي .. أصخت السمع كأنني ألصق أذناى بشفاه كل من كان يهمهم حولي ..
بدأت بعض التحولات تطرأ علي .. لم يعد لدي من حواس غير السمع فقط .. أصبحت أذناي تلتقط الأصوات الهامسة .. أسمع دبة النملة .. أسمع حتى همهمات ضمائرهم ..
حينما دخلت زوجتي علي في الصباح لتوقظني من النوم ولم أرد عليها .. رغم أن نومي خفيف طال نداؤها ولم أرد فأخذت تقلب فيي .. سمعتها تقول إنه لايتحرك .. أو أنه مات .
طلبت من زوج إبنتي إحضار طبيب من المدينة .. رفع يدي وتركها فوقعت بجانبي بلا حراك ..
قال وماذا يفيد الدكتور الآن .. لقد مات وإنتهى الأمر تماما وهذه هي نهايته .
حينها فقط تأكدت أنني ميت فعلا .. وعلي الآن أن أمارس طقوس الموتى التي لاأعرفها أساسا .
تأكدوا من موتي ولذا فقدوا الحذر أمام جثة هامدة .. فانطلقوا يعبروا عن حبهم الشديد لي .. رغم أنهم كانوا خرس في حياتي .. يبدو أنه لاخوف من الكلام أمام الأموات ..
وجدت متعة في الإنصات لحديثهم .. فأنا ميت ولدي متسع من الوقت .. وهالني ما بدأت أسمعه .
صوت نحيب رتيب خارج الغرفة .. كأنها معددة أتت لتأخذ دورها في هذا المولد .. تقول عني أشياء خرافية .. ويردوا عليها قائلين قولي كمان ..
تسائلت بغير رضا .. هل أنا كل هذه الأوصاف التي تقولها هذه الخرفانة ؟ .. آه يا بنت الكدابة ..
ولأنهم سيتقاسمون التركة مع إبنتي وزوجتي .. أخذ اخوتي في التوافد على المنزل .. فرحين جوعى هم الآخرون .. طال إنتظارهم لهذه اللحظة .. ولما لا فأنا كبيرهم وأغناهم ..
بدأت اسمع لهمساتهم .. كلها منصبة على التركة وماهي وكيف ستوزع ومتى .. بدوا متعجلين لإنهاء الموضوع حتى ولو لم يدفنوني بعد ..
أسمع نقاشاتهم وقد بدأ الخلاف يشتد بينهم الآن .. في سبيلهم للتماسك بالأيدي .. هم أقرب للإختلاف منهم للإتفاق .. حيث الطماع الجشع الذي يريد المال كله له .. وفيهم الطيب القنوع .. وفيهم الحرباء المتلون على كل لون وفي كل مرة .
لم يهتم بي أحد حتى وأنا ميت . مازالت راقدا في سريري لم يحضروا الكفن .. ولم يغسلوني بعد حتى يطمئنوا على تركتهم التي يقسمونها فيما بينهم .
دبيب الحركة بالبيت أزعجني .. وحديثا طويلا عن الكفن وثمنه .. أجرة المقرئ وإيجار الفراشة .. والبن وطبخ طعام لكل المعزيين .. وإقامة لثلاثة أيام لمن سيجئ من كل الأرجاء لتشييع جنازتي .. كل ذلك على حسابي أنا .. ومن مالي الذي أنفقت حياتي لجمعه ويبعثرونه على جنازتي .. أحسست بوخذة في جنبي من كثرة ما سينفقوا من مال ..
همسات من زوجتي لبنتها أن تظهر بعض الحزن على أبيها .. إمتعاض وردود سخيفة بما يعني أن موتي لحظة طال إنتظارها .. تتراقص قلبها وأسمع الفرحة تقفز من قسمات وجوهها .. بل وتغازل زوجها بدلال رخيص .. المال يحرك المشاعر ويذهب الحذر ..
يحدث كل ذلك أمامي وأنا مسجى على سريري .. أين ذهب حياؤها وخوفها مني ..
الموت كان يسد أبواب كثيرة أمام الجميع .. وحينما إنفتح الباب ظهرت عوراتهم بلا مواربة .
وما سمعته من نقاشات أخوتي أفقدني صوابي وهزني جدا .. ولولا فقدي لكل الحواس لقتلتهم جميعا .. لا يمكن أن أتصور مقدار ما بداخلهم تجاهي .
إنتهت المراسم من غسل وتكفين وجنازة ودفن .. وتركوني بمقبرتي وحيدا .. وذهبوا لإقامة العزاء وتقسيم التركة مع أحلامهم بالحياة الرغيدة بعد موتي .
أنساني استقبال جيراني بالقبر وابتسامتهم المريحة ظلام القبر الدامس وريحته النفاذة العطنة .. معظمهم أقاربي فمن عاداتنا أن تجمعنا قبورعائلاتنا دائما .. بعد السلام والسؤال عن أحوال الدنيا خارج القبرإنصرفوا لشؤنهم وتركوني ..
بقيت وحيدا فجلست في أحد جوانب القبرأتأمل .. أخذت أراجع ما سمعت منذ الوفاة حتى الآن ..
عقلي الذي لم يغب عن التفكير يقول لي .. إنهم يكرهونني أوعلى الأقل إنهم لايحبونني .. لم يحسوا بي في يوم من الأيام .. يتهموني بقسوة القلب والبخل .. لايهمني إلا جمع المال ..
وهذه زوجتي التي تحاول رسم الحزن على وجهها .. لم تكن تمسك المال في يدها إلا القليل .. عودتها الشح والبخل هي الأخرى .. عشرة حياة طويلة .. إستمرت ثلاثين عاما ..
والآن وقد مت فقد صفا لها الجو وضحكت لها الحياة بعد طول كبت وحبس .. فماذا هي فاعلة بالمال .. أو ماذا سيفعل بها المال يا ترى ؟.
حتى إبنتي الوحيدة عاشت محرومة من لذة الحياة .. جوعانة معظم الوقت حتى في بيت زوجها.. لقد آن الأوان لها أن تفرح وأن تنفق من النقود التي لم تلمسها لفترة طويلة ولم تدم معها .
كل واحدة منهما ستأخذ نصيبها وسيكفيها طيلة حياتها .. في لذة وهناء ومعيشة رغدة ..
وجال بخاطري شكل الحياة لو عدت لأعيش بينهم مرة أخرى .. لاأعتقد أنها ستكون مريحة أبدا .. وأرقني سؤال هل لابد للعيش أن أواجه كل هذه الكراهية .. وكم تبقى لي من عمر لأعيشه .. وهل الحياة تستحق كل هذه المعاناة الغير مبررة .. والأدهى لماذا كل ذلك وأنا أمامهم لم أهنأ بمالي .. حتى ولو أردت ذلك حقا فما كان لي أن أهنأ به ..
ولذا قفز لذهني أنه ثمة قرار واحد .. أن أدعهم لخلافاتهم وأن استسلم للموت ففيه راحتي .. وأخرج لهم لساني هازئا بأحلامهم في الثروة .. آملا أن تصلهم رسالتي لهم أن موتوا بغيظكم .
- الميت والحرمان
- التعليقات