اليوم عيد ميلاد العشرين ..اما و قد وصلت الى عشرين عام ؛ فلم اعد اريد الحياة ..  القدر   ؛ ترى كيف يختار  اهدافه ؛ ترى هل هناك حكمة متجاوزة لقدرتنا البشرية على الفهم تسير بها الامور ؛ حكمة اعلى من قدرتنا كبشر على الفهم و التحليل ؛

اخبرنى طبيبى النفسى فوزى  ان هذا كلام هو اعراض  اكتأب حاد؛ يؤدى الى توارد مثل تلك الافكار الى عقلى الشاب الذى ربما امتلى ببعض القراءات الفلسفية الفكرية و بعض الصدمات الحياتية و النفسية  ؛ اخبرنى فوزى الطبيب  المتمرس بالطب النفسى  ان الحياة جميلة ؛ و انها تستحق ان تحى .. كان احيانا يتحول الى واعظ  ..

عليك يا وليد ان تتعلق فى  ذلك الخيط الرفيع  الايمان بالله ؛ فهو ما يمكن ان يبقيك حيا ؛و يبعث فيك الامل …البشر كثرين يستمدون بقائهم من هذا الايمان

و لما كنت  كثير التحاور معه حول القدر و لما و كيف يختار  من يصيبهم بضربته .. فقد  اعتمد على استراتجية بديلة ؛ بعد ان قرر ان مريض غير مؤمن ؛فقد اصبح يرتدى عباءة فليسوف الابيقوري فيخبرنى عن روعة المتعة و اللذة التى تنتظر  كشاب فى العشرين ؛ كم فتاة سوف اقابل كم سوف اضاجع  ؛ عن روعة الحب ؛ اتحدث قليلا و يستمع ثم ارحل؛ سنوات اربع هذا هو الحال!!

على الرغم من السنوات الاربع التى ازورالطبيب فوزى فيها ؛ فهو ليس صديقى   او لا اعده كذلك ؛ شىء ما يجعل هناك حاجز بينى و بينه   ؛ اعلم انه كطبيب نفسى محترف لا يتعامل معى الا كحالة   ربما   يتعاطف معها لكن لا يجب ان يتاثر بها ؛ كى لا يتاثر بمرضه و يفقد اتزانه و يتحول الى مريض هو ايضا  ؛ هكذا اخبرنى فوزى  مرة ..بعد ان احتديت عليه بانه   لا يقدر هذا الالم الذى اشعر به ..

انتهيت جلستى العلاجية ؛ و سرت فى طريقى نحو منزلى اتأمل قضية القدر .. لماذا انا تركنى و اختارعائلتى و تركنى وحيد مصدوما بالحياة ؟!!.

جنية تلو اخر؛ جمعية تلو اخر جمعه ابى و امى لكى نشترى سيارة جديدة يفرح بها اخوتى و لتشكل لنا مكانة جديدة بين العائلة و الجيران و الاصدقاء ؛ ربما ادخروا من ثمن ملابسنا و وقوتنا حتى يجمعوا ثمن سيارة الجديدة .. ثم ليحشروا انفسهم فيها ليتنزهوا بها ؛ ثم ينحرف بها ابى الذى تعلم القيادة حديثا لتستقر فى قاع النيل ؛ متحولة الى ققبر حديدى لهم ؛ تركونى يومها مريضا ؛ و تركوا هم الحياة ..من اربع سنوات قضيتها وحيدا .. ربما اهتم بى بعض الاصدقاء قليلا لكن كلا منهم ارتكن الى ركنه الخاص ؛ الى حياته.. كثيرين يخشون من التعاسة يقول انها تعدى ؛ ان مصادقة سىء الحظ يجلب الحظ السىء لهم .. لم يبقى يستمع سوى الطبيب فوزى

ها انا اجلس فى حجرتى فى بيت الواسع الفارغ ؛ و قد احيط بى وجه دببة حمراء و بيضاء و تنظر نحو الارض بتعاسة و قد انحى ظهرها فى مرارة كانما تشفق على من تلك الوحدة .. ههه ربما حالة الاكتأب هى التى تصور لى ذلك كما قال لى الطبيب

ذاك الكرفت الحريرى  المعلق   فى سقف الحجرة ؛ اتأمله كل يوم قبل ان انام ؛ وضعته هنا منذ ان تركتنى عائلتى و رحلوا بلا عودة ؛ منذ ان تلقيت ضربة القدر تلك ؛ اتأمله ؛ هل هو الاداة التى سوف تنهى معانتى فى تلك الحياة ..

ثم .. ما ها الالم الذى يضرب جانبى بقسوة ؛ الم شديد يلوى بطنى و يجعلنى التوى الما ..؛ ما هذا ؟ على ان اذهب الى طبيب لكن فى هذة الساعة لا طبيب  ثم كيف اذهب بمفردى و انا لا استطيع التجرك الما ؛

قسوة الالم الفظيعة جعلتنى انخلع من كل القيود  النفسية و العزلة  التى قيدت نفسى بهو اتجه الى باب البيت المقابل لبيتى ؛ فلا احد يسكن معى ؛  لا اعرف هل يسكن احد بمنزل هذا ام لا ؛ طرقت الباب بقوة مرة تلو اخرى فقد كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل  ؛ انفتح الباب عن رجل عجوز يلبس بنطلون و فنلة قطن و ورائه جلبة ؛ ما ان راته عينى حتى خارت قوى و فقدت القدرة على الوقوف

امسك الرجل بى و هو يقول ..

ـ مالك يا وليد خير ان شاء الله

انه يعرف اسمى ؟!!

صوت انثوى رقيق خلف الشيخ ؛ انه وليد ال ساكن قصدنا ؛ ده قاعد لوحده و شكله تعبان لازم نودية المستشفى العام دلوقتى ..

وجدت الرجل و ساعدته اخريات فى نقلى للسيارة و اتجه السيارة و قد اصبحت بين الغماء و الافاقة ..صوت الشيخ يقول لا حول ولا قوة الا بالله قاعد لوحده من ساعة الحادثة ال راح فيها عائلته كلها ؛ من ساعتها لا هو بيكلم حد و لا حد بيكلمه ..

وصلت السيارة الى المستشفى العام ؛ قسم الطوارىء ؛ و سريعا استنتج الاطباء ان الزائدة الدودية لابد من استأصلها لانها كانت على وشك الانفجار ؛ و سريع خدرت ثم افقت لاجد نفسى بسرير و قد جلس الشيخ بجانبى بينما تنظر لى  فتاة ذات وجه صبوح مبتسمة ..و صوت الشيخ يقول لى حمد لله على السلامة يا عم وليد العملية تمام و الحمد لله بالليل هتخرج من المستشفى

انا عمك سلامة و ديه بنتى نوال و دية بنتى سعاد و مامتهم كلهم بيسلموا عليك سلم عليهم علشان كانوا قلقنين عليك صوصا سعاد

احمر وجه الفتاة الصبوح و هى تميل براسها بسعادة نحوه ..

من ذات اليوم لم اذهب الى طبيبى النفسى ؛ لم اعد ارى الدببة الحمراء و البيضاء الا و هى تنظر بسعادة ؛  اخبرتنى سعاد انها كانت تراقب قدومى كل يوم الى البيت ؛ و انها احبتنى من سنوات ؛  و انها كانت تخشى على الوحدة و الالم ؛ و ان الجميع فى الشارع يحبونى و يعرفوا قصتى ؛ لكن لم اكن اعى هذا فقد كانت دائم النظر الى الارض لا انظر فى وجوه البشر و فقدت الاتصال بهم ..

ذات يوم تصدفت مع طبيبى و انا مع ابنى اوصله للمدرسته نظر لى باستغراب و قال وليد .. كيف حالك .. من هذا ..

ـ انه ابنى سعيد .. على اسم ابى الله يرحمه ..

ـ تمام الحمد لله العلاج جاب نتيجة الحمد لله

ـ طبعا شكر يا دكتور

سلمت عليه و شكرته لكنى كنت اعلم ان علاجه لم ينفع على مدار السنوات الاربع بل هو الالم ؛ ذاك الالم الذى دفعنى بقوة الى كسر ذاك الحاجز بينى و بين من يحبنى ؛ و دفعنى الى كسر عزلتى ؛ ان القدر ربما يعلمنى بالالم ربما كان الالم من اكثر ما علم البشر الحكمة و الايمان ؛ ان ذاك الالم  حتى الذى  لا نعرف سببه ؛ و لماذا نحن نصاب بها ؛ هناك حكمة فيه ربما عرفنها او رحلنا لم نعرفها ؛ ربما كان الالم ميلاد جديد

أضف تعليقاً