على المقهى وفي الديارِ حكاياتٍ عن النداهةٍِِِ والمزيرةِ التي تنتقي أفضلَ الرجالِ وتغيبُهم في قاعِ النهرِ. أسخرُ منهم ومن جهلِهم ومن خرافاتٍ توارثوها، ولكنني أتجنبُ السيرَ ليلًا بجوارِ النهر. جثمَ الليلُ على الكونِ وأرخي سدولَه، صوتٌ ساحرٌ يطنُ في أذني ملحًا:
– تعال.
منومًا مسلوبَ الإرادة، عديت العتبات. الجو حارٌ والهواُء ساكنٌ، والصمتُ المطبقُ يعمُ الظلام، ثقُلت وتسارعت أنفاسي، بلل العرقُ جلبابَي، سرت متجهًا نحو النهر. قبسٌ من النورِ متلألئ ينعكس عليها بألوانٍ مبهجةٍ.. شدني، سرتُ إلي حيثُ تجلس. رائعةُ الجمال، خرجت من خيالِ البحر، في دلالٍ تبسمت كاشفةً عن لؤلؤياتِ ينعكسُ عليهما ضوءُ القمرِ فيرتدُ دوائراً مشعةً من نورٍ يخرجُ منها قوسُ قزحٍ فيعمُ المكان.
كلبي ينبحُ خلفي بعويل، لا التفتُ لندائِه، ازداد عددُ الكلابِ النابحة. جنيةٌ جمعت في حُسنِها جمالَ كلِ النساء، مُرخيةً شعرَها الذهبيَ على سطحِ الماء فكستهُ بلونه، مدته شباكًا للصيد، التجمتَ وتبعثرت روحي أمام نظراتِها الناعسة، لعيونها صوتُ تملَكني. بصوتٍ ناعمٍ وبميوعة، نادت ضاحكة :
– تعال.
سعيتُ إليها منتشيًا.
ازداد نباحُ كلبِي، هجم علي يشدني من ذيلِ جلبابي، صوتُ الكروانِ يجلجل، اعتدت أن ينبهني صوتُه لأصلي الفجر، تعثرتُ، انتبهتُ للظلامِ المبهمِ خلف نورِها، مرتعبًا حاولتُ التقهقر، نادتني:
– تعال.
سلبتْ لبي فسرتُ إليها مختلَ التوازن. تحول نباحُ الكلابِ لعويل، عاد الكروانُ وحام فوقي يصدحُ دون جدوى.
– تعال.
ملمسُ ماءِ النهرِ الباردُ أشعرني بالقشعريرة، أمسكت بيدَي وغطسنا للقاع، طفتْ طاقيتِي فوق سطحِ الماء. قال الراوي سلبت ودهُ النداهةُ، فأسكنته قاعَ النهر، وتناقلَ السمارُ قصته.
- النداهة
- التعليقات