كان لا يدرى الساعة التى إستيقظ فيها من نومة الثقيل ، والمكان الذى كان يحتويه ..ببطئ شديد نظر فيما حوله ..لم تسعفه الذاكرة المتآكلة ليتعرف على موضعه بالضبط ..فرك إحدى عينيه بظهر يديه العالق بها بقايا الطين اللاذب فى محاولته الأخيرة لفرك [ معجنة] كان قد كوم ترابها من كل[السكك] التى سلكها على مدار سنين عديدة بجوار الجدار الوحيد الباقى فى داره محاولاً ترميمه وسد الثقوب الكثيرة التى تنفذ منها كل الشرور ، ورفع ما علق بذاكرته من إعياء ، وآثار الليالى الطويلة التى قضاها متكوراً منفرداً تحت فئ هذا الجدارالمثقوب ليلاً ونهاراً ، والنافذ منه كل الموبقات صيفاً وشتاءً دوماً .
أبداً لم يتذكر ؟.
اعتقد أنه دخل فى نوبة عارضة من مرض (الزهايمر) اللعين الذى يحوم حول الكثير من شباب بلاده اللذين دخلوا فى زمن الغيبوبة بإختيارهم لوقت ليس بالقليل .
بسرعة البرق أصر أن يعود إلى بعض رشده القديم .
رفع أكف الضراعة المعتاد عليها دائماً عندما تتسرب من بين أنامله أطياف الحياة السبعة بحلوها ومرها لرب العالمين .
على الفورجاءته آيات الرحمة من رب العالمين .
وجد نفسه واقفاً وسط لفيف لا نهائى من شباب اليوم [فتيان وفتيات] لا يستر عورته إلا غلالة بسيطة من شاش رهيف .
تداخل فى نفسه أكثر فأكثر من الحياء المليم .
لم يقل قولة جحا فى الزمن الردىء .!.
[البلد اللى ميعرفكش فيها أهلها إقلع و…………..]
تفحص وجوههم على عجل .!.
لم يعرف منهم أحداً .
كانت أعمارهم تتراوح ما بين العشرين عاماً والخامسة والعشرين .
جميعهم يرنون إلى تقاطيع وجهه الكالح بشىء من الامتعاض والابتسام المكتوم فى آن واحد ، وغالبيتهم يمصمصون الشفاه على فقدان عينه اليمنى وساعده الآيسر ، أو لشىء فى دواخلهم لايعلمه إلا الله .
راح يتفرس وجوههم ملياً على مهل لعله يتذكر مقاطع شخص واحد منهم .؟.
بعد أمد ليس بالقليل وتفرسه المتأنى لم ينكر من وجوههم ملمحاً واحداً ؟.
كانت بشرتهم تبدو عليها القبول وتماثل سمار وجهه ، ويغلب على ملامح أكثرهم لون طمى النيل .
وأساريرهم الباطنة والظاهرة مخضبة بكثير من حبات رمال الصحراء القاحلة على اختلاف ألوانها والممزوجة بأعواد القمح الضامر ، وأوراق شجرة القطن قصير التيلة الذابل من كثرة مرات التهجين الفاشلة .
فى حين كانت ألسنتهم تنطق بما كان ينطق به منذ نصف قرن من الزمان أويزيد .
غير أن الألفاظ التى كانوا يثرثرون بها مغايرة كثيراً عن ما كان ينطق به لسانه الملوق ، وإن إتحددت فى حرف الضاد المنطوق به من الخليج للمحيط .
شىء واحد خرج به من ثرثرتهم الفارغة ، ووقوفهم فى حلقات دائرية بكل ميدان ، وسلالم بعض النقابات العامة العاملة بمجال الإعلام ؟.
[الخلاص .. الخلاص .. الخلاص ؟.] .
لا يدرى ما هو الخلاص الذى كانوا يقصدون ويعنون ، والبادى على لافتاتهم ويفطهم المرفوعة فوق رؤوسهم ؟.
ولكن لهجتهم المتسارعة كانت تماثل ما كان يتحلى به أيام شبابه مما جعله يستأنس بهم ولهم ولو لبعض الوقت .
هنا بدت على تقاطيع وجهه وكيانه بالكامل بعض الأريحية لما يقولون وعدل عن مقولته الأولى ووصف منطقهم بالفارغ.!.
عندها فكر فى المشاركة مع هؤلاء الشباب فيما يقولون ويدعون إليه بنفس لغتهم التى إشتقوها لأنفسهم بأنفسهم فى غيبة العقل الرشيد .
ما إن شرع وبدا عليه الاندماج معهم ، وتحركت قدماه لبعض خطوات معدودة .
عندئذ .!.
ماعت نفسه وكاد يتقيأ على جسده النحيل العارى وتصيبه المعرة من أبناء جيله .
تراجع فى آخر لحظة مخافة زوار الفجر بمدافعهم الرشاشة وغلظة قلوبهم القاسية ، وأياديهم القذرة ، وألسنتهم المقززة ، وضيق الزنازين ، ووصمة العار التى ستلحق باسم العائلة ، والأبناء من بعده .. لآخر حفيد يأتى من نسل ال [الشال] المشهود لهم بالإعتدال ورجاحة الفكر وأصالة المنبت فى طول البلاد وعرضها .
رمقهم بعين غير التى إستيقظ بها من سباته الطويل .
وجد بين أيدى هؤلاء [الفتيان والفتيات] لفائف كثيرة من الورق الأسود المقوى محفور عليها بحروف أجنبية غائرة لا تكاد أن تستبين من كثرة النواح المرير والدموع المسالة عليها من المآقى الممزوجة بكورات النار المنشطرة من فوهة بركان [فيزوف] خلف الأبواب المغلقة بريف الوطن المبعد والباعد لأبنائه الأطهار .
شرع ثانياً فى التدبر لما هو كائن حوله على أقل مهل .!.
تفحص المكان الذى يضمه ، والزمن الذى يلفه الآن .!.
قبل أن يتعرف على ما هو كائن حوله ، وتعود له الذاكرة بكامل لياقتها .!.
جاءه هاتف من وراء السحاب الملبدة بجو السماء ..
عليك أن تنتظر لبعص الوقت .؟.
نظر نظرة داخله بعمق الأيام التى هربت من بين أنامله رغماً عنه ..
استرجع كل التواريخ القديمة والحديثة التى كونت جيناته الأصلية التى انسحبت على أحفاده من بعده .
بحث فى كل الأرقام المعلقة والعالقة بكل الصفحات المتعاقبة عليه منذ عهد الفرعون الأعظم { رمسيس الثانى }.
لم يجد سوى [كوم رتش] متكوم تحت ظل شجرة [جميز] عتيقة فروعها يابسة ، وأوراقها الجديدة البازغة لا تكاد تطلع من كثرة نبش الغربان الحوامة وكل ذى ظفر طويل بكل مللى فى الشجرة والفروع والأوراق حتى الجذع المنفصل عن الجذور النخرة إلا قليلاً .
تلك الشجرة كانت منذ القِدم قريبة من النهر السابح وسط كثبان من الرمال الصفراء والحمراء الكثيفة ، وشاهقات الجبال الصماء بكل موضع على امتداد أرض الوطن وكل ميراث الجدود للأبناء القادمين فى علم الغيب .
حول هذا[الكوم] كان هناك أشباه من الرجال المنتشرون على غير هدى يلعقون (قعر) الجرار المتراصة من عصر [الفواخير] شبه الخاوية من العسل المر ، وصدور النساء شبه العاريات الحالمات القابعات فى بؤرة [الكوم] فى انتظار قطار التناسل الشرعى من رجال وأبناء جلدتهم لتبقى الذرية القادمة على قيد الحياة حول الشجيرات المتفرقة على شطوط النهر مهما كانت لياليهم ونهارهم يغوص فى بحارالذل والمهانة ، والاستكانة لسلاسل السادة أصحاب القول الفصل ، والحاكمين لكل نواميس الحياة فى بلاد تكاثرت فيها طوابير العبيد [التملية] لينافسوا ديدان القبور فى سعيهم للخلاص من كل الرمم المنتشرة فى بلاد باعت أعز ما لديها لنخاس من بنى صهيون طواعية وهى تتشدق بسيد قراره المزعوم ، ويأتى عليها يوم تطلع فيه الشمس من مطلعها المعتاد يوم أن خلق الله الكون بما رحب .
حتى عندما تكونت الدلتا من الطمى المتراكم من غريا الجبال البعيدة كان الأولاد الصغار وكل النسل فى بلادى يرفعون رايات الخضوع والخنوع لكل الأبواب العالية فوق عششهم المبنية من أعشاب النهر العفنة .
ناح الرجل شبه العارى إلا من غلالة تستر عورته من الأمام ولطم الخدود الملتصقة بجمجمة رأسه المتهالك حتى النخاع .
اهتز جسده العارى والضامر هزة ألقته أرضاً بشدة .
تقلب فى هزته هذه عدة دورات متوالية .
تحشرج فى فمه الواسع [سفات] من تراب أرض الدلتا العطشانة لقطرة من الحرية .
إبتلع منها ما تستطيع معدته وأمعائة إحتماله .
ليجد نفسه بعدها ينوح كنقيق الضفدع بأعلى صوت : ــ
إذا الشـعب يــوماً أراد الحـياة ؟.
لابــد لليــل أن ينجلى ..
ولابد للقيد أن ينكسر ..
وها أنا يا شباب الغد أشـدو معكم ..
لابد لحكم الفرد أن يزول ويندثر؟.
***
فى غمرة قهقة الأولاد [فتيان وفتيات] سمع صوتاً يأتيه من خلال ثقب قديم كان فى إم رأسه من أيام قدوم (عمرو بن العاص) لفتح مصر .
يقول تذكر يا كبش الفداء ..؟!.
تذكر يإبن العنصرين ..؟!.
تذكر رجالات الروم الطغاة ، وكهنة {الكنيسة الرومانية} والهروب الكبير الذى كان منهما إلى الواحات البحرية وسواحل البحر الكبير خوفاً وهلعاً من ثورة أقباط مصراللذين إكتوا بنيران المستعمر الرومانى ، ومن هول ما فرضوه هؤلاء بالقوة الغاشمة عليهم باسم [الكينيسة الغربية] أهوال وأهوال يشيب لها الولدان ولا يتحملها بشر على وجه البسيطة .
تذكر ….؟!.
تذكر قبط مصر وهموا الأغلبية آنذاك وحبهم الشديد لتحقيق العدل الذى لمسوه مع الكثيرين من اخوانهم المصرين المعروف عنهم بأبناء التوحيدين .
تذكر كل هذا ..؟!.
ولا تنسى ……………………. ؟.
استفاق وأفاق الرجل على صافرة تجوب الميدان الموقوف فيه على هذه الشاكلة ، والغلالة تكاد أن تقع من فوق عورته الأمية جلس وانبطح على أرض الميدان واضعا كلتا يديه يوارى سوءته .
إذ بيد قصيرة ناعمة تسحب من فوق جسده البض الممدد على السرير ذى العمدان النحاسية ببطء شديد ويقول : ـــ
جدو .. جدو ..
اصحى خلاص يا جدو…. بقينا بكرة ؟.
شهق الرجل شهقة كاد ينهدم معها جدار الحجرة الوحيدة المغلقة منذ ساعات قيلولة البارحة .
وإذ بالرجل يحتضن حفيدته بحنو يحسد عليها ، وهو يسألها .؟.
قوليلى يا وعد يا حبيبة جدو هو……؟.
النهارده إيـــــــــــــــــه .؟.

أضف تعليقاً