تسللت من بين أيديهم، وعيناها تذرفان الدمع الثخين، وجدت نفسها تحت لهيب الشمس المحرقة، تلفح وجهها الملطخ بألوان المكياج المدعوكة بيديها، مدت خطاها بأنفاس مبهورة في الطريق الطويل المزدحم الذي لا تعرف نهايته، صرخات قلبها تجلد روحها.
شعرت الفتاة الصغيرة بانهيار قوتها، امتلكها الضعف، لهثت، وقفت، التفتت حولها، اتجهت نحو الدرج القريب منها، صعدته، ألقت بجسدها المنهك بجوار بطانية مهترئة متسخة ملتفة حول فتى عمره قريب من عمرها، أسمر… مجعد الشعر، راح في النوم على بسطة سلم المسجد الجانبية أمام بابه المغلق.
أطل برأسه مفزوعا من تحت البطانية، عندما سمع ارتطام ظهرها بالباب قائلا:
– مين أنتي.
يرفسها بقدمه.
– كله عارف إن المكان ده بتاعي.
يدفعها بقوة بقبضة يده.
– غوري من هنا.
تتلقى الضربة في جانبها الأيمن بندبة مكبوتة؛ سقطت الدموع الصامتة على خديها، نظرت له بانكسار واستعطاف؛
رق قلبه لها
ربت على كتفها قائلا:
– متزعليش، ارتاحي شويه، وخدي اللقمة دي كليها، هو أنتي هربانة من أهلك؟
أحست برقة قلب الفتى؛ كفكفت دموعها بكم ثوبها، تناولت اللقمة وضعتها في ثغرها الذي انفرج عن أسنان بيضاء وبدأت تلوكها.
قال مبتسما:
– إسنانك بيضه، بس أيه مبهتلك كده
رأى ارتجافة جسدها؛ نهض وسحب البطانية عليها، بدأ يشعر بالإهتمام بأمرها، جلس القرفصاء، أشعل سجارة، نفث دخانها في الهواء
قائلا موضحا:
– باتغطى بالباطنية في الحر؛ علشان بنام على بلاط الشوارع، وبشرب سجاير علشان بتسليني، أيه رأيك نبقى أصحاب، وربنا يرزقنا
انتفضت الفتاة الصغيرة من مكانها، تصرخ وتستغيث، عندما رأت رجلا و أمرأة، يصعدان الدرج، ويندفعان نحوها للإمساك بها، وقف الفتى حائلا بينها وبينهما شاهرا مديته في وجهيهما، تراجع في جزع
قائلا في شراسة:
– مين أنتم، وعاوزين منها أيه؟
في اضطراب مشوب بالحذر.
– أنا أمها ودا جوزي، والنهارده يوم زفافها على رجل مهم، حد يهرب يوم فرحه.
صرخت الفتاة الصغيرة ولطمت على وجهها، والتصقت بظهر الفتى، الذي بادر قائلا:
– شكلكم بتبيعوا في البنت.
دبت في أوصاله شجاعة أسد يدافع عن كرامته وعرينه، أمر الأم وزوجها بالتراجع، هبط الدرج ملوحا بمديته والفتاة الصغيرة ملتصقه به، وطأت أقدامهم الأسفلت، اخترق صفوف المارة الملتفة حولهم، التي تقدمت لتحيط بالأم وزوجها كالسياج.
أمسك الفتى بيد الفتاة،انطلق بها نحو محطة القطار، يسابقان الريح، أتت من الفتى المنطلق التفاتة؛ ليلقي نظرة على البطانية المتسخة.
- الهاربة
- التعليقات