شاحب الوجه عاد بعد ليلة قضاها بالخطإ بالقبر…ينفض بقايا تراب عالق بجسده…يحس بالبرد وكأنه عارٍ ، رغم أن حارس المقبرة تكرم عليه بسروال وقميص كان يحتفظ بهما كاحتياط…فالأخطاء الطبية كثرت مع جيل من الأطباء مات ضميرهم بعدما سكنهم حب المال وهواية جمعه…فلم يعودوا يميزون بين هبوط مستوى السكر بالدم والوفاة…
عاد إلى أهله أمام ذهول وحيرة الصغير والكبير، فلا أحد صدق أن الأموات يعودون للحياة بعد أن يتم دفنهم…
– وكأني به زوجي بالضبط…
تقول زوجته نادية، محتارة في تقبل امكانية عودة الموتى للحياة، ومتسائلة في قرارة نفسها كيف لها أن تنام، بعد اليوم، بجانب “هارب من القبر”.
ما زاد المسألة تعقيدا أن “عبد الرحمان” أصبح، بعد خروجه من القبر، أبكماً!
مرتعش اليدين، شاردا طول الوقت، لا يرد على أسئلة الناس الذين جاؤوا من كل حدب وصوب ليعزوا في وفاته، وآخرون جاؤوا ليستطلعوا تفاصيل قصة حياته بعد موته…لكنه لم يشف غليلهم ولو بجواب واحد، بل لم يهتم بهم وكأنه لا وجود له معهم ولا وجود لهم معه.
تكررت الأسئلة على مسامعه عشرات المرات وبصيغات كثيرة:
– ماذا رأيت في القبر يا عبد الرحمان؟
– هل لك أن تحدثنا عن عذاب القبر ؟
– حدثنا عن منكر ونكير…
لكنه لا يجيب ولا يلتفت لأحد…
فجأة قام من مكانه…وقصد دولاب ملابسه…بحث عن شيئ ما كان يخفيه هناك…أخرجه…وبسرعة دسه بين ثنايا ثيابه…ثم خرج…
رصدته عيون وهو يدق باب أرملة…ثم أبواب فقراء ويتامى…
عند كل صلاة تجده أول من يلج المسجد، بل وآخر من يودعه…يداعب حبات تسبيحه باستمرار …لكنه لا يتكلم…
حيرة الناس تزداد…والأسئلة تتناسل، لكن لا جواب يشفي غليل السائلين، مما يفتح الباب على مصراعيه للتكهنات حينا، والسخرية أحيانا…
– عبد الرحمان هرب من القبر، فعاد ليعيش معنا في قبرنا المكشوف…
يقول عبد الله الذي عرف بسخطه على مستواه المعيشي…
فيرد عليه كمال ضاحكا:
– حتى القبر لم يقبل عليه…لقد لفظه كما يلفظ البحر الجيفة…ههه.
حاصرت الإهانات عبد الرحمان كما حاصره الواقع البئيس، فقد تعذر عليه إيجاد عمل يعيش منه، كما حاصرته الأسعار الملتهبة لكل المواد الغذائية…تذكر مشاهد الموتى الذين لفظهم البحر بعدما حاولوا الهروب من الوطن…حمل فأسه وخرج…
تداول الناس بعدها خبرا حزينا مفاده أن بعضهم شاهد عبد الرحمان وهو يحفر قبره بنفسه، مما زاد من حيرتهم، فتناسلت تكهناتهم وأسئلتهم أكثر…
- الهارب من القبر
- التعليقات