كاد الصدأ يأتي على صفحة المنضدة الصاج {المركونة} منذ صناعتها على الجدار الخارجي لحجرته التى ورثها عن أجداده .
نصف قرن من الزمان يراها , ولا يعلم أيهما الأقدم من الآخر فى هذا الزقاق .. جحظت عيناه على الجزء الذى سرى فيه الصدأ , وقد تهدلت قوائمها الأربعة .. خاصة ذاك الركن الذى كان يحلو له الجلوس بالقرب منه , ويركن عليه ظهره المقوس .. منتظرًا {معلمه} ليجره إلى {مرمة} محدودة أو {مقاولة} طويلة الأمد ..
اعتاد فيها خلط الرمل بالأسمنت ومزجهما بالماء .. ثم يناوله {طالوشًا} وراء الآخر .
بصر موضع حواف وثقوب المنضدة وما حولها .
طال وقت الرنو .. احمرت مقل عينيه لكثرة التنقل من موضع لآخر.
فجأة ..
فغر فاه .. تشققت الأرض من تحت أقدامه الحافية .. كادت تبتلع ساقيه كباقى جسده المسجى على المنضدة .
تنبه إلى وعورة الموقف , ونهاية رحلته .
أخذ نوبات شهيق متتابعة .!.
فرح بها .. علها تسد فراغ أمعائه الملوية .. حبس
الشهقة فى صدره الضيق طويلًا مخافة خروج توابع الزفير العفن فيصد شعاع الشمس عن آخرين .
لف ودار ببصره الشاحب فى الفراغ المتسع من حوله قبل إخراج تلك الزفرة !.
طالت جلسته لأيام لم يعد قادرًا على إحصائها .. فلم يرقب طيف {معلمه} من ذاك الحين .
رفع ذراعه الأيمن لأعلى وكأنه يودع حبيبًا , ومد الثانى بتؤدة فى نوبة أخيرة فى سلسلة بحثه الدؤوب عما أصاب لبابة الوطن , وأتى على الأخضر واليابس , وطال هيكل المنضدة , وقضى على السطح بالصدأ المميت .
لم يصل إلى شىء البتة .!.
ولكن ملائكة الرحمة , وجيرانه المقربين يألمون لحاله .. واروه التراب .. عزموا على ترميم صاج المنضدة بصاج جديد .. لا يصدأ .
- الهزيع الأخير
- التعليقات


