تقول أني قدوتها في الحياة ،تقولها بالإيطالية ” sei il mio idolo” كانت تجيد هذه اللغة جيدا ،اما انا فلم أستطع أن أجيدها برغم من السنة والنصف التي خصصتها لتعلمها ،قواعدها أزعجتني فانسحبت ..
لا أدري لماذا كانت تردد كثيرا اني قدوتها ،لا أصلح لأكون قدوة لأحد ،فكيف أصير قدوة لأنثى جذابة تتزاحم عليها النظرات ،وتتسابق إليها ” البسبسات ” .. تميل يمينا فتميل قارعة المقهى ،تعبر شارع الحياة فترتفع أجراس السيارات و تتدلى أعناق السائقين من النوافذ..دعوها تمر..صمتا أرجوكم..
لمياء ، لا لم تخبرني بهذا الاسم بدءاً ،اختارت ان تسمي نفسها وئام ،لا أدري لماذا ولكن كيف لها أن تخبر غريباً بحقيقة جزء منها ،كان خطا أن أسألها عن اسمها بعد دقائق خمس من صدفتنا الأولى..لم يكن خطأ أن أسألها عن رقم هاتفها ،فقد كانت جذابة بالقدر الذي جعلني أنسى سبب زيارتي لذاك المكان..تذكرت بعدما غادرت رفقة زميلاتها..
قادتني الحاجة في شهادة مدرسية إلى مدرستي الثانوية مرة أخرى فحدث أن صادفتها أمام الباب ، نظرة أولى لجسدها السمكي أجبرت قدماي على تغيير اتجاههما من ولوج الباب إلى ولوج حياتها ،دون تردد ، دون مقدمات ، دون تفكير ،فكرت فقط في أنها الفرصة الأولى والأخيرة ..
– أنا عبدالسلام ..ما اسمك ؟
ثم اكتشفت أنها تشبهني ،بدورها لم تتردد ..
– أنا وئام..
قليلات من يملكن تلك الصرامة في الكذب ،ذاك الكذب بسمو ،تلك القدرة على هزم المُخاطَب بثقة ..لم أعتقد قط أنها اختارت ملاعبتي ،صدقتها جدا فوجدتني أرمي بورقتي التاية ..
– هل لي برقم هاتفك ؟
– سريع أنت ..
– منشغل أنا..
– إذن ارحل..وانتهى الأمر
– القدر لم يرسلني إلى هنا عبثاً..أتعتقدين أن تواجدك هنا عند التاسعة صباحا وتواجدي هنا بنفس الآن مجرد صدفة..طبعا لا..هو قدر اختارك لي ،واختارني لك..
– فلسفة ..
– إنه إيمان..
– 06…
– شكرا..أراك قريبا جدا..
– لا أظن..
ثم تهت وسط حياتي ،كانت دروس الدراما وقواعد اللسانيات تشغلني ،كان وقتي مزدحما ولا فرصة لي في أن أنال ساعتين أرى خلالهما وئام..لا لم أنس جسدها ،كان ذاك امر فوق طاقتي ،كنت على يقين أني سأنهزم لاحقا..فقد كانت جذابة للحد الذي أنهزم فيه فأتخيلني أعانقها ثم أرتشف شفتيها إلا أني كنت ملزما على المضي في بناء حياتي صامتا.. كان لا بد أن يحضر ديسمبر سريعا لأنال راحة أربعة أيام ..
حضر ديسمبر ،يهزمني ديسمبر ،في الحقيقة هو يُثم فقط ما فعله بي نوفمبر ..
– ما رأيك في يوم الأحد زوالا ؟
– ما رايك في السبت صباحا ؟
– صباحا ؟؟
– لك أن ترفض ..
– اختاري مكانا..
– سنكتفي بالمشي قرب مولاي إدريس..
اعجبتني الفكرة ، لم أجرب قبلاً أن أمشي رفقة أنثى بين دروب المدينة القديمة ، كنت أتوق لأتطلع بنظرات الناس لجسد وئام ..كان بنطلون الجينز الأزرق الذي ارتدته مثير لدرجة أنه أنطق شيخا يجلس أمام محله التجاري :” اهتزي أيتها الحياة “..لم تبال وئام ،وكأنها اعتادت هكذا تعليقات ،تبسمت أنا و أرمشت للشيخ بعيني اليسرى..لا أعرف كيف أرمش باليمنى…
كنا نمشي ببطء ،أتأمل نظرات الناس أكثر من تأملي في ما تقوله وئام ،كانت تتحدث بصوت منخفض جدا ،ربما لأنها تعتقد أن ذلك يناسب أناقتها ،أو ربما تعتقد أن الجميلات لا يجب أن يتحدثن بصوت جاهر بل يكفي همسهن ..حدثتني عن نفسها ،عن رغبتها في نيل الباكلوريا ..كانت في السابعة عشرة حينها ..لم يكن جسد قاصر..
– ماذا الآن يا وئام ؟
– إنك لا تصلح لوئام يا عبدالسلام ..
– أجدني منجذبا إليك ..أراني أنسحب إليك دون قدرة على وقف نفسي وئام..
– كاذب ..و إلا ما كنت لتختفي شهرين ..
ثم اختفت لسنتين..حاولت مرات كثيرة أن أتصل بها لكن هاتفها ظل خارج الخدمة لأشهر أربع فاقتعت أخيرا أنها اختارت طريقا لا أتواجد فيه ، فحذفت رقمها من مفكرة هاتفي..
ثم الصدفة الثانية ..اختفت وهي باسم وئام ،عادت وهي باسم لمياء..وسط حافلة للنقل الجامعي ، انظر إليها محاولا تذكر اسمها ،يصعب أن نتذكر أسماء كل من يعبر حياتنا ،كانت تنظر إلي أيضا ،ربما كانت تحاول تذكر اسمي بدورها..
– وئام ؟
– إنك تقصد لمياء يا عبدالسلام ..
– ألم تكوني وئاماً قبل سنتين ؟
– كذبةُ صبية لم تنضج بعد..
– بهذه البساطة ؟
– بحثت عن جسدي فنلت كذبا ، لو بحثت عن روحي لوجدتني صادقة..
– واضح أنك نضجت جدا..أتغفري لي خطيئتي ؟
– بشرط ؟
اكتفيت بهز رأسي للأسفل و الأعلى ..مبديا موافقتي على شرطها الذي كان أن أرافقها لمحل تجاري بوسط المدينة مخصص لبيع الملابس النسائية المستوردة من تركيا ،لم تكن تعرف أين يقع بالضبط ولم يكن لي أن أرفض شرطها ..أحتاج غفرانها جدا..
– لماذا هذا المتجر بالضبط ؟
– إنك لن تفهم درجة عشقي لكل شيء تركي ،أعشق هذا البلد.
– لماذا ؟
– لا أدري ، أعشقه وفقط حتى أني تعلمت طريقة تحضير الشاي التركي وبعض الوجبات أيضا..
– إنه هوس..
– ربما..
اقتربت منها جدا ،صرت أفهم عمقها أكثر عند كل لقاء ،كان لباسها المثير الذي تمرد على محيطها حيث تعيش يجعل البعض ينظر إليها بسوء ، نظرت إليها بسوء أيضا عندما قابلتها لأول مرة ..في اقترابي من عمقها ، من روحها تكسرت نظرتي ،كان داخلها رائعا ،هادئة لحد الغرابة ،راقية جدا و متخلقة جدا..كنت أقع في حبها كل مرة ألتقيها إلى أن وقعت بالمطلق..
– أحببتك لمياء..
– لمياء أم وئام ؟
– لمياء هذه المرة..روحك أجمل..جسد وئام هزم رغباتي..أما روح لمياء فهزمتني بالمطلق..
– أتعرف يا عبدالسلام ،لقد صرت قدوتي في الحياة .زتعلمت منك الكثير وأحس باشياء جميلة تجاهك..أحب اللحظات الكثيرة التي نقضيها معا لكني احتاج للتأكد من حقيقة ما أحسه ..
– أنتظر ؟
– انتظر..
– شهر ؟سنة ؟
– تأكد فقط أني لن أؤذيك..
كنت أحس بانجذابها لي ،انهزمتْ في مرات كثيرة وصار المتخيل حقيقة ..كنت أنتظر فقط أن تبوح لي بحقيقة حبها لي..تلك الكلمة ” أحبك ” ما كان ينقصني لأمتلكها..ثم فجأة وصلتني رسالة قصيرة من رقم دولي :
– ” أنا لمياء..آسفة عبدالسلام ..أنا بتركيا..تمنى لي زواجا سعيدا..”