شبح الفراق بات في القريب العاجل، ذبول في ذبول كأن سيل الماء بات جافا، فأصبحت كالعود الذي جف وتساقطت أوراقه، ألم العشرة أمسى عندي أقوى وأمضى من ألم الوداع، دعواتي لها بالرحيل مستمرة في الصباح والمساء، أمست تتقلب أمام ناظري، والضجر بادٍ على وجهها الذابل، والحزن غائر وعميق كعمق عينيها، الأيام الخوالي مضت سريعة، والقادم يُنْبِىء بالأسى واللوعة، في آخر يومين كان فؤادي صريع الهواجس والهم يعتريه كما تعتري السحب القاتمة السماء الصافية، بعد العشاء بساعة واحدة، حضر عندي أحدُ الصبيان، وكان الوجوم مُسْفِرًا على وجهه الشاحب، قفزت من مكاني مهرولا إليها والخوف والوجل من الموعد الموحش قد حان أجله وحلت ساعته، نظرت فوجدت عينيها شاحبتين ويديها انقلبت زرقاوين، وضعت يدي عليها، فوجدت جسدها الناعم باردا مع حرارة الصيف، فتملكتني الحيرة عندها، إذ كيف لي أن أملك القدرة على تصبير ثلاث بنات حانيات أضلاعهن على أغلى مخلوق لديهن في هذه الحياة التعيسة، مرت اللحظات في عراك وسيطرت روحي على جميع الأرواح، فوجهتها إلى ثم وجه الباري، وسدتها وجلست أتلو عليها أنغام الحديث القدسي، وروحها تعالج الجسد، ونفسها تخالج الخروج في جوّ من الأسى والنحيب، حتى بلغت الحلقوم، وقيل هل من رآق، وحل الفراق وفاضت روحها الطاهرة بين أناملي.
- الوداع القاسي
- التعليقات