• الوداع يا رجل يا من ظننتك رجلي ……… !
    عبارات كانت ترددها سلمى بصوت خافت حزين بصوت مبحوح أثقلته المتاعب و الأحزان ، خرجت هذه الكلمات مشحونة بزفرة من الأسى كلمات معبئة بالآهات و الآلام آلام الماضي و آهات الحاضر …….. !، آلام الماضي الدفينة في أعماق نفسها في جزيرة موحشة في ذلك المكان البعيد بعيدا حيث لا أنيس و لا رفيق حيث تتجرع الآلام و تشرب الأسى وحيدة غريبة. آلام نفسها المعذبة التي ما أحست الراحة يوما ما و ما نعمت بطعم الحياة و لا بلذة الأيام …… !، آلام تمزق أحشاءها و تقتل البسمة على شفتيها الجميلتين نظرت إليها تلك النظرة !، نظرة تريد بها الإفصاح عما في النفس و عما يجيش فيها من الخواطر والأفكار، و صدق الحس و صفاء الشعور.
    سلمى إنسانة علمتها الحياة الشجاعة و تفانت فيها ، علمتها حبها للناس ، فهي فخورة بنفسها، وبأجدادها أبعد غايات الفخر ، زاهية بنفسها حتى الإغراق. معجبة بزوجها كل الإعجاب و هو يستحق منها الإعجاب بذي الكف ، سمح النفس يجود بأنفس ما لديه و يجود في الوقت العصيب ، لإحساسها بزوجها يقود كل لإحساس في الوجود و لكن !، آلام تبتر قلبها الندي الصافي.
    آه إنه الماضي ! الماضي الذي لا زالت تتجرع منه كؤوس الحنطل ، الماضي الذي يسري في عروقها و تنزف منه دماء. إنها راحلة لا تكاد تنزل ، طاعنة لا تكاد تقيم ، تبتغي العشب و تتحرى مساقط الماء في صحراء قاحلة. كانت سلمى في لحظات حزنها تغني ، لتروح عن نفسها و لتسري ناقتها اللاغبة و تحثها على المسير.
    تغني لأنها تعتقد أن لهذه الأغاني قوة سحرية تعينها على الصبر و تحمل الحياة و حتى إنجاز أعمالها ، فما كانت الألفاظ عند سلمى مجرد أصوات يقذفها اللسان و إنما كانت وسائل حاسمة للتأثير في سامعيها كانت تجل الغناء لأنها زخرف الحياة لما فيها من سحر و من قوة خفية وكانت تردد أشعارا و تميل إلى قصائد العصر الجاهلي و منها طرفة بن العبد حين يقول:
  • ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا……………….. و يأتيك بالأخبار من لم تزود
    أو سئمت الحياة لكعب بن زهير ثم تهز رأسها لقد سئم بعد أن بلغ الثمانين من عمره فماذا تقول عن عمرها ؟
    سلمى حكم عليها الزمن أن تترك فلذات أكبادها بعد أن نفذت حكما أحله الله و أبغضه سبحانه رب الحكمة !
    حرمت من فلذاتها و هي في أشد الحاجة إليهم حكم عليها أن تحرم من رؤية فلذتها و هو ينمو
    و يترعرع و ينادي أول اسم نطق به في الوجود و أجمله ! ماما !
    تتأوه سلمى و ترفع رأسها إلى السماء و تقول:
  • آه يا رب إليك أشكو والشكوى لغير الله مذلة. آه يا من تدعونا إلى الصبر و التجلد و قلت إنني مع الصابرين و لكن ! صبري نفذ ! لم أعد أجد القوة لأقاوم وأجابه و أتحدى ، يا الله رجعت إليك ناجيتك في الليالي الوحدة الطويلة ، تضرعت إليك أن ترحمني و تنسيني همومي و لو لحين ، جلست لساعات طوال أقرأ القرآن فأنعم براحة و سكينة و لكنها لا تدوم ، جالست أهل الدين علني أنسى و ما نسيت ! !.
    تبكي سلمى و تنهمر دموعها على خدها ، صورة ابنها الذي جاء إلى النور محروم الأبوين لا تفارقها ذكريات تمر بخاطرها فتزيدها آلاما. صورة ابنها و فلذة كبدها يأتي إلى الوجود لأول مرة دون أن يجد من يرحب به من يفرح بوجوده و يضمه إلى صدره و يقول ولي عرشي !، صورة ختان ابنها و ما عانه ذلك اليوم لا تبرح و صورة دخوله المدرسة أول مرة لا تزول، و كيف بذكرى تزول أو تبرح و قد حفرت. أحيانا كثيرة تنظر إلى أبناء زوجها و تزفر زفرة عميقة زفرة محملة بكل المتاعب و الهموم جبال متراصة و تتنهد !:
  • آه يا زمن أيعقل أن الدنيا بمثل هذه القساوة ! ؟.
    صورة زوجها، سلمى المسكينة حرمت من أبنائها وفلذات أكبادها لتربي أبناء زوجها آه أي لعبة قدر هذه !. أسندت سلمى إلى جدار بيتها و هي تتأهب للرحيل و قد عاد شريط أيامها القاسية أمامها ، شريط عمرها الضائع تنهدت ثم قالت بنفس الصوت المبحوح:
  • الوداع يا أعز الناس. إني راحلة حاولت ففشلت. و هذا قدري !

أضف تعليقاً