_منذ متى وأنتِ تكتبين؟!
_مذ كنتُ صغيرة، قبل أن نتزوج.
_وهل كتبتِ الحب والغرام والهيام؟!
_لا، لا.. أبداً، كتاباتي عادية في النصح والتعليم، ولا أعرف كتابة الحب والعواطف.
_أمم.. ولكنها يجب أن تُحرق..
_ لا…لا، أرجوك.. لا تفعل..لاا
_…..؟!
_هل تحسبين نفسك بلغتِ من الثقافة مبلغاً يرفعك؟ هل تسعين لأن يُشار إليكِ بالبنان من قبل مثقفي الديار؟!
وأنا؟ أنا، هل سأكون الزوج المصون للأديبة المثقفة الواعدة؟! الصاعدة؟؟
_لا، لا، أبداً، لا أسعى لهذا ولا أتمناه، هي مجرد هواية قديمة.
_طيب، خذي إذن..
تلقيتُ ما رماه بحضني من رمادِ أوراق…
عندما زفوني اليه كنت أصغر غبية على وجه الأرض، ولم أكنْ أعي ما أنا مقبلة عليه، ولكن كان همي أن تحضر صديقاتي عُرسي فأباهي بزوجي الغنيّ كل متزوجة فيهنّ. حلم الزواج كان يؤرقني، وكل عرس لاحداهنّ يقطع النوم من عيني ويجعلني أقابل المرآة أبحث عن ما ينقصني.
اليوم وبعد أن صرنا ستة أنفار، صرت أسائل نفسي: ماذا فعلت ياغبية؟ أهذا الذي كنتِ تتمنيه؟ اهنئي الآن…
صرخت في وجهه: أبي لم يضرب أمي مرةً ولم يحقّرها ولم يهِنْها ولا حتى صرخ في وجهها يوماً.
_امكَ لم تفكر يوماً في أن تتعالى على زوجها.
_وهل فعلتُ أنا؟
_وماذا تسمين هذا؟ قالها ناثراً الرماد في وجههي.
_أبي، أنا أريد الطلاق…..
_؟؟!!
_يجب أن أتركه يا أبي، تحملت الكثير ولم أعد أتحمل المزيد وربي.
_؟؟؟!!!
_ أجبني يا أبي رحمةً بي.
_بنيتي لديك أربعة وهذا حالي الذي تعرفين، فهل تصبرين على فراقهم؟
اتصل بي الناشر مبشراً إيايّ: كتابك بالأسواق أستاذة نادية وسأبعث لك خمسُ نُسخ.
_من نادية أخي؟
آه…نعم. عفواً، نسيت أنه اسمي المستعار.
_رتبتُ لك وجوداً في برنامج تلفزيونيّ، ولكن يجب أن تظهري باسمك الحقيقيّ.
_أوووه.. لا، لا
البرنامج، مستحيل. أرجوك افهمني، ظرفي لا يسمح.
_حسناً سيدتي، ستكون هناك من تمثلك وتتحدث باسمك.
ياربي، تظهر من تمثلني وتتحدث باسمي المستعار!… تباً لك يامن سُميتَ زوجي.
أخفيتُ كتبي الخمس، فظلت سنيناً مخفياتٍ لم أعرف لهنّ فائدة سوى أنهن ذكريات لا تحمل اسمي، إلى أن عثر عليها يوماً صدفة.
_من أين لك بهذا؟
_أهدتني إياها جارتنا سمية لصديقة لها ترمي أهدائها للنساء غاية التعلم والتثقف.
_جميل جداً ، خذي واحداً، علكِ تتعلمين وتتثقفين. هذه هي النساء، وليس أنتِ الذي بلاني بك القدر وبجهلك وحماقاتك.
في التلفاز… يالهذه المرأة التافهة، تحدثت بما لا أقصده ولم أكن أعنيه، بل هي لم تفهمني ولم تفهم مكنون كتابي.
أما زوجي فقد صفق لها قائلاً: إنهنّ النساء المثقفات الواعيات وليس من مثلك مدعيات الثقافة.
قطبتُ حاجبيّ ثمّ أطلقتُ ضحكتي؛ واحتضنتُ وليدي الذي بكى.
احتضنت كتابي والغصةَ تخنقني، ولم تمضِ أسابيع إلا وقد مزقتُه وأودعتُه نفايات المطبخ.
_ها ها ها، أنتِ تغارين إذن، حقك. فعلاً من تكتب هذا تبرهن أنها من ندرة النساء الواعيات اللاتي تحلمين أن تكوني مثلهنّ.
زمجر وأرعد عندما مرضت.
_قلت لك أريد خبزاً جاهزاً كل صباح فلا أطيق خبز السوق.
_أنا متعبة.
وخالاتنا وعماتنا! ألم يكنّ متعبات؟ أظنك تحتاجين أخرى تعينك.
ضمّني اليه بقوة بعد أن عجَنت، فاستدرتُ عنه كي أُلقمَ رضيعي ثديي. فقتُ صباحاً قبل أن يختمر عجيني.

أضف تعليقاً