وتطور الأمر أكثر وأكثر، وزاد توافد جموع الغاضبين من أجل رجب، صرت بطلا لحكاية بغيضة، لم يسعدني دور البطولة، شباب بلا ملامح ورجال مدعون ونساء تتصنعن الغضب، نعيمة التي ترى امتهاني كل يوم بل كل ساعة ولا تحرك ساكنا، تزعمت النسوة الغاضبات، أبي علا صوته، يقولون أن رعاة الجمال يتميزون بالصوت العالي، ها قد تأكدت من ذلك، كما تأكدت في السابق أنهم يتميزون بالكبر والقسوة، شعرت بشذوذي، كيف لم أرث كبرهم وقسوتهم، ولماذا يتكبرون أصلا وهم مجرد خدم عند أصحاب الإبل؟
الآن تثور يا أبي الآن تغضبي يا نعيمة؟ تأكدت الآن أن كل ضعيف يبحث عن من هو أضعف منه يهينه يذله يشعره بالنقص أمامه يعوض كل ما يشعر به من دونية، أخي سلطان الذي لم أعرفه إلا الآن في فورة غضب أو فورة حماقة، خطف شومة أبي التي يستعين بها على المشي، وشج بها رأس جرجس، وسالت نأفورة الدم، لم تردع الدماء الغاضبين بل أوشكوا أن يقتحموا الكنيسة، لولا أنهم سمعوا سارينة الشرطة، وفعلت العصا، ما عجزت أن تفعله كلمات العقل والحكمة، وجرت الجموع كأنها تفر من أسود شردت من غابتها، وبقيت أنا وحيدا، ورغم صمتي وأني كنت متفرجا على مشهد أبدو أنا فيه البطل، وجدتني مقبوضا علي أنا وجرجس وأبي وأخي سلطان، رأيت الجميع في هذه اللحظة متهمين في عيني عداي أنا وجرجس، نعم أشفقت على جرجس، لم يفعل بي ما فعله الشيخ لطفي لم يصفعني مثلما فعل زناتي، ولكن ماذا لو كنت أنا مسيحي؟ هل كان سيعاملني جرجس بهذه الرقة التي أيقن الآن أن دافعها كان الخوف أم أنه كان سيفعل بي ما فعله لطفي وربما أكثر؟ رغم خوفه حدث ما حدث، اكتشفت الآن أن هناك من هو أضعف مني، فتى مثلي لا يتكلم، لا يعرف أين يستحم، يستقذر الناس رائحته، ومسيحي أيضا، ما أهونه في بيئة جاهلة، في شارعنا أطفال مسيحيون، عرفت الآن لماذا لم يشاركوا يوما في حفلات تعذيبي، حماني كوني مسلم من جزء من العذاب، ماذا لو كنت مسيحي؟ هناك أضعف مني اذا، إن لم يكن في حارتنا ففي حارة أخرى، في بلدة أخرى في دولة أخرى، هل أسعد لذلك أم أحزن أنني ولدت في غابة؟
لست أدري ما حدث بعد ذلك، كل الذي أعرفه أنه أطلق سراحنا جميعا، وأن أبي وأخي سلطان أخذاني واشتريا لي جلبابا جديدا وحذاء، وأنني نمت لأول مرة في بيت أبي وسط حفاوة لم أعرفها من قبل.
استيقظت في الصباح، وجدت حارتنا تتزين، عمال نظافة يكنسونها هي والشوارع والحارات المحيطة، بها، لافتات معلقة، عليها أهلة وصلبان وكلمات، سمعت بعض من يقرأونها يتحدثون عن الوحدة والوطنية وأن المسلمين والمسيحيين أخوة وأن ماحدث كان في ساعة شيطان ومجرد زوبعة في فنجان، وأقيم أمام الكنيسة سرادق كبير، و بعد عصر ذلك اليوم اصطحبني أبي مرتديا جلبابي الجديد وقدماي يتخايلان في حذائي سعيدين، بعد أن فارقا وحل الشوارع لأول مرة، وجلست مع أبي وأخي في الصف الأول، وأمامنا منصة عليها رجال دين مسلمين ومسيحيين وضباط شرطة يبدو من هيئتهم أنهم من ذوي المناصب الكبيرة وبالطبع كان الحاج زيدان متصدرا المشهد هو مجموعة كبيرة من أعيان البلد وكبار عائلاتها، وانبرى الجميع يتسابقون في اختطاف الميكرفون، يتحدثون بشعارات رنانة عن الوحدة الوطنية وعمق العلاقة وامتدادها التاريخي بين عنصري الأمة وأن الدين لله وأن الوطن للجميع، وأخذني الحاج زيدان من يدي وقبلني على خدي وعلى رأسي، وفعل ذلك مع جرجس وجعلنا نحتضن بعضنا وقبل جرجس رأسي واعتذر لي عن جريمة لم يفعلها، وكاد المؤتمر أن يختتم بهذه الخاتمة المثالية، لولا أن فوجىء الجميع بشاب ينهض من كرسيه ويطلب الكلمة، بدا أن الجميع لا يرغبون في إعطائه الميكرفون، إلا أنه أصر، ظننت أنا أنه سيردد نفس كلمات سابقيه، إلا أننا فوجنا جميعا به يقول:
.. طالما بقي في مصر مسلمون يتهمون الأقباط في وطنيتهم وولائهم للوطن ويعتقدون أنهم شوكة في ظهره، وطالما بقي في مصر مسيحيون يتهمون المسلميين كلهم بأنهم إرهابيين ويعتبرونهم غزاة فلا يتكلمن أحد عن وحدة وطنية ولا عن وطن يسع الجميع، عالجوا أمراضكم التي استفحلت، تخلصوا من ماضيكم الكئيب، وميراث البغض الذي يوشك أن يدمركم و….
ولم يتركه أحد يكمل كلمته ثار الجميع عليه مسلميين ومسيحيين واتهموه أن فتنة وأنه مدسوس عليهم من أعداء للوطن، ليفسد عليهم ليلتهم الرائعة في حب الوطن، ووجدت رجال البوليس يلقون القبض عليه وسط هتافات وتصفيق الجميع، ولست أدري مصيره ولا ماذا حدث له.
انتهى احتفال الوحدة الوطنية الذي أقيم على شرفي، وأعلن في كل مكان أن الأمور عاد لنصابها الصحيح وأن فتنة الشيطان قتلت في مهدها و أن قوة العلاقة بين عنصري الأمة لا يضعفها أي كائن من كان، وعدت أنا لدار أبي ممسكا بيد أخي سلطان اتخايل بجلبابي الجميل، تخيلت أن إقامتي في دار أبي حيث عزوتي وقوتي ستدوم، خلعت الجلباب، لا يجب أن أنام به على الأرض فألوثه بأقذارها، أنا الآن في مركز ومقام جديد، علقته في مسمار على الحائط تعشيت وسط عائلتي، أكلت كما لم آكل من قبل منتشيا بالحماية والرعاية اللتان أسبغتا علي، شكرت يد زناتي التي صفعتني، امتننت لجرجس الذي سلمني لزناتي، امتلأت نفسي فخرا بشومة أبي التي بطحت بها يد سلطان رأس جرجس، نمت هانئا مطمئنا كما لم أنم من قبل متوسدا حذائي الجلدي برأسي حماية له من الضياع وحماية لرأسي من رطوبة الأرض، استيقظت في الصباح، وجدت رأسي لا يفصلها عن الأرض شيء وعيني الباحثة عن جلبابي على الحائط قد افتقدته، ظننت أن إحدى زوجات أشقائي قد حفظته مع حذائي في مكان أكثر أمنا، طال انتظاري أن تأتيني به، ولكن الذي أتاني هو أخي سلطان، وبغير كلام وحتى قبل أن أغير ريقي سحبني من يدي وأعادني إلى دار نعيمة بعد أن أعاد لي ثوبي الأول، وعدت سريعا رجب الذي كنته قبل حادثة الكنيسة وانتهى الحلم سريعا وعانقت قدمي الحافية من جديد الأرض الموحلة.
شىء وحيد تغير في حياتي لست أدري هل للأفضل أم للأسوء؟
فبعد أن عرفت أنني مسلم وأن أبانوب وبطرس ومرقس أطفال حارتنا لا يجرأون على التحرش بي مثل حسن ومحمد ومحمود وشعبان بدأت أشعر أن هناك من يخافني، فكرت أن اتحرش أنا بهم، أغواني الشيطان أن أخرج بعض عقدي ونقائصي فيهم، ألست إنسانا ينتشي بإذلال غيره ليشعرهم بضعفهم ويشعر هو بقوته، ألا يستضعف الأغنياء فقراء حارتنا، ألا يوجد أغنياء أكثر غنى وقوة من أغنياء منطقتنا يستضعفون من هم دونهم، حلقات متسلسلة من الظلم السرمدي يمارسه من يقوى عليه ويستسلم له الضعفاء حتى يجدوا من يخرجوا فيه نقائصهم وأحقادهم، كنت أظنني أضعف الحلقات حتى هداني الشيطان أن هناك من هو اضعف مني ولكن كيف استطيع أن أؤذي مينا أو أبانوب، هل بلساني هل بيدي،
لساني شله قهري ويدي أضعفها حرماني وخوفي، لا أملك إلا همهمات مبهمة عالية، كنت اقترب من مينا وأبانوب وحتى جرجس خادم الكنيسة الذي صار لعبتي هو الآخر، أفاجئهم بصرخات عالية مدوية بلا معنى مفهوم فيذعرون لوهلة ثم يبتسمون ويتركونني ويمضوا، انتشي بانتصاري الذي جعل الذعر يملأهم فيبتعدوا عني، وتحيرني ابتسامتهم، هل يسخرون أم أنهم يتجنبون مزيدا من أذاي؟ لم أصل لإجابة، ظللت أياما أمارس هذه اللعبة حتى مللتها وتوقفت، بدأت فقط ألعب بجوار هؤلاء آمنا مطمئنا، العب بجوار الكنيسة أجلس أسفل نافذتها، أسمع الترانيم والمواعظ، عدت من جديد لعبة أبناء حارتنا ومبعث ضحك وسخرية آبائهم وعادت نعيمة وأبي وأشقائي إلى عماهم وصممهم الأبديان لا يرون ولا يسمعون ما يحدث لي وما يفعل بي، عدت كما كنت كما مهملا، له في الدنيا لقمة وهدمة ونومة في بيت الجدة نعيمة.
أصبحت أحب اللعب بجوار زريبة الحاج نعمان حيث يعمل أبي أو أمام فرشة خضار أخي سلطان، اتبع ظلهما حيث صارا، رغم أنهما يتجاهلانني، حتى كدت اعتقد أنهما نسياني، إلا أن شعوري بنوع من الحماية جعلني أفعل ذلك، لم يتوقف تحرش الصبية بي، ولم يأبه لا أبي ولا أخي بذلك، اتذكر حكايات جدتي عن جدي رجب ذلك الذي أسموني باسمه، حكت لي أنه وقف للباشا وأن الباشا كان يعمل له ألف حساب، وكيف أنه رفض أن تعمل في السراي كخادمة، تعتبر ذلك نوعا من البطولة، ولكنها في نفس الوقت تحسد سعدية زوجة الحاج عبد العال التي قبلت هي وبناتها وشقيقات زوجها أن يعملن في السرايا، أصبح لعائلتها، عشرين فدانا وماكينة ري، ثم تعود فترضي نفسها، لكن الناس ما زالوا يسمون عائلتها خدامين الباشا، نعم يتهامسون بها لا يجرؤ أحد على المجاهرة بها، ولكن كل واحد معروف يا رجب، هكذا كانت تقول لي، أظنها كانت تحدثني كما تحدث نفسها أو حائط بيتها، بالتأكيد تعتقد أنني لا أفهم ولا أعي، هي تريد أن تفضفض بأسطورة جدي، وهي أسطورة صنعها خيالها وسيضخمها خيال أحفادها، ليست الوحيدة التي تفعل ذلك، الجميع يصنع أمجادا ضخمة لأجداده في خياله إن لم يروها أحد لهم اخترعوها وبالغوا في تضخيمها، الجميع يريدون أن يجملوا واقعهم المر، لن يعود أحد من الموت ليكشف زيف أمجادهم، وستكبر الأسطورة التي لا طائل من وراء حكاياتها وأمجادها إلا الخروج ولو للحظات من دوامة الواقع، مات الباشا و بيعت السرايا وأصبح فوق أرضها مئة بيت وبيت لمن كانوا خدما فيها، أصبح الباشا ترابا وما زلت أنت يا جدتي تعيشين مع عظمة زوجك، الذي كانت كل بطولاته أنه رفض أن تخدمي في سراي الباشا، أشعر أنك في قرارة نفسك تلومينه على ذلك، ربما لو قبل لتغير الحال ولما تزوجت أمي من عبد الصبور ولما ماتت فقرا وقهرا ولما أتيت أنا مسخا لهذا العالم، ولكنت أنت الآن تنعمين بشيخوخة هادئة ناعمة ليس فيها هم اللقمة والهدمة، سمعتك تقولين أن الحاج نعمان يعمل لأبي أيضا ألف حساب، لم أر ما تقولينه أبدا، أسمع الحاج نعمان يسب أبي ويلعن جدوده ولا يفعل أبي شيئا سوى تشويحة خفيفة من يده وصمت يلتزمه حتى أخاله مثلي لا يتكلم، هل تكون بطولة أبي في صمته وصبره على شتائم الحاج نعمان، لعنة الله على بطولة أبي وجدي التي أورثتنا ذلك الفقر الأبدي، ليتهما كانا مثل الحاج عبد العال وليتك كنت مثل سعدية يا نعيمة البائسة.
في ليلة شاتية قاسية البرودة وقبل أن يوغل الظلام في الولوج، طرقات على باب نعيمة، إحدى بنات الجيران الذين كان يحتفلون بزواج ابنهم جاءت إلينا تحمل طبقا مليئا باللحم والطبيخ ورغيفا شمسيا كبيرا.
الرغيف الطري وحده كان فاكهة لنا أنا ونعيمة، عرفته معها في بعض الأعياد والمواسم فما البال ومعه لحم وطبيخ، أكلنا كما لم نأكل من قبل انتقت نعيمة لنفسها اللحم الناعم لتستطيع ازدراده بفمها الخال من الأسنان وأعطتني أنا قطعة لحم خشنة، نسيرة كبيرة سكنت بين أسناني التي نخرها السوس، فصرخت بلا عقل متألما وأخذت أجعر بصوت يوقظ الموتى في مقابرهم، أزعج صراخي نعيمة وأخذتني الملعونة في حجرها، رغم قوتي أرغمني الألم على الاستسلام أعرف أن عندها دوائي فتحت فمي وعلى حين غرة جذبت سنتي المخلخلة، التي خرجت بسهولة ومعها سيال من الدماء، جعلتني نعيمه اتمضمض وأغسله بالماء حتى توقف ومعه الألم ونمت على حجر نعيمة، حلمت أن أسناني كلها تسقط وأنني فمي صار كهفا مظلما خاليا من سكانه كفم نعيمة، قمت من نومي مذعورا، شمس الشتاء الحانية تملأ دارنا ولكن نعيمة ما زالت نائمة، انتظرها ساعة أخرى، ما زالت نائمة ، ألكزها في كتفها لا تحرك ساكنا، جسدها بارد جامد كحجر، أهزها بكل قوتي وما زالت على حالها من السكون، اتجه صوب الباب وأفتحه وأنا أصرخ ويتجمع الناس فأشير لهم ناحية جسدها المسجى على فراشها وأعاود، الصراخ أسمع إحداهن تقول:
…لا حول ولا قوة إلا بالله ماتت نعيمة.
وبدأت طقوس الموت في بيت نعيمة، كم هي كبيرة عائلتك يا نعيمة، لك الحق أن تفخري وتباهي بها، لم أر أحدهم يسأل عنك في حياتك، لولا كلامك الذي لم ينقطع عنهم لظننتك جئت إلى هذا العالم وحيدة كما عشت فيه وحيدة لا يؤنس وحدتك غير أخرس عبيط يشاركك دارك الكئيبة، لم تموتي وحيدة يا نعيمة عزوتك آنست جثتك، الرجال تسابقوا في حمل نعشك، من يراها يظنها جنازة عظيم، أين كان كل هؤلاء الرجال منك وأنت تتنفسين، هل تذكروك عندما خمدت أنفاسك؟
هذا السرادق الذي أقاموه لك بجوار المسجد يستقبلون فيه المعزين، رغم تواضعه بالتأكيد دفعوا فيه مبلغا كان يكيفك مئونة شهر أو شهرين وربما أكثر، ليتهم أعطوك جزء منه لتشتري به غطاء يقيك برد الشتاء الذي طحن عظامك، أو سريت به عن نفسك بصنف من الطعام أعجزتك الفاقة أن تناليه، شقيقاتك ملأن دارك وشقيقاتي وزوجات أشقائي، سيمكثن أربعين يوما ينعينك فيها ويذكرن مآثرك، آه لو خصصت لك كل واحدة من تلك النسوة بضع ساعات يزرنك فيها في حياتك، ربما أصاب حياتك بعض اللين وتخلصت ولو قليلا من كآبتك التي لازمتك حتى رحلت، الطعام يأتي الآن من كل البيوت، أقارب وجيران وحتى أهل الخير البعيدين، نسوة يأكلن ويحكين، وقليلا قليلا تنسى سيرتك أنت سبب لمتهم وينصرفون عنك إلى سير وفضائح وحكاوى، اعتقد أنها سر لهفتهم للجنائز والمكوث فيها أربعين يوما، ليس الوفاء لك يا نعيمة، بل هو التحرر من حبسة الدور وكآبتها والرغبة في البوح ومسك السيرة، بعضهن يتذكرن في جنازتك أحباءهن الذين فارقوا قبلك، لا تظنين كل بكائهم ونواحهم عليك، بعد جنازتك ستسمن تلك النسوة، اكل وجلوس وحكاوي، أنا أيضا سأسمن، رغم تمتعي بحنانهن وحنان أبي وإخوتي في أيام جنازتك، أريد تلك الأيام أن تنتهي، نعم فأخيرا سأصبح وحدي صاحب الدار وسيدها، لا لا لم أفرح لموتك ولكن لن تمعيني من استخدام الكنيف، سأنام على في فراشك ساستحم في طستك، سأحفظ كنزي في صندوقك، سأستعيد شالي الصوفي الذي أعطاه لي الحاج صالح واتغطى به من برد الشتاء.
لم أحظ في أيام جنازة نعيمة بحنان قريبات نعيمة وقريباتي فحسب ولا بكميات طعام لم أعهدها في حياتي من قبل، بل عدت من جديد إلى عناية أبي وأشقائي وشقيقاتي من جديد، أخي صابر أبدى اهتماما خاصا بي، صابر هو شقيقي الذي سبقني إلى الحياة مباشرة كان الوحيد من إخوتي الذي لم يتزوج بعد، أصبح يصطحبني معه إلى مقهي المعلم غرام، يطلب لي شايا، يجلسني بجواره لا يتأفف مني، أشرت له يوما على الشيشة التي يشرب منها أعطاني المبسم تبادلنا الأنفاس، بعد قليل لا حظ أن لعابي يسيل على المبسم، نظر إلي نظرة مخيفة سرعان ما داراها، لا ادري لماذا خرجت منه تلك النظرة ولا لماذا اختفت، طلب شيشة أخرى، لم يلب صبي المقهى طلبه، سمعته يقول له:
…المعلم خرب الدنيا لما شاف رجب بيهطل ع الشيشة…كدا ها تطفشلنا الزباين يا صابر…يا ريت ما تجبش رجب معاك تاني.
وهكذا أصبحت ممنوعا من الذهاب مع صابر إلى المقهى، وبالطبع أذعن صابر للأمر فكل مشاريبه على قهوة غرام كانت شككا لحين ميسرة، أخي صابر صاحب فرشة خضار مثل أخي سلطان ولكنه أيضا صاحب كيف ومزاج.
في أحد الأيام وجدت أبي يمسك بيدي ويصطحبني معه، ومعنا بعض من أصدقائه الذين يشبهونه في صمته وكآبته وصوته العالي، عرفت أن جميعهم جمالة، وسمعتهم يقولون أنهم ذاهبون إلى الليلة الأخيرة من مولد سيدي الشيخ حسانين، يسمعون الشيخ التوني كبير مداحين النبي عليه الصلاة والسلام ويتفرجون على الراقصة رئيفة التي تأتي من مصر كل موسم، وصلنا المولد وأعطاني أبي ربع جنيه وأشار لي أن ألعب واشتري ما أريد، فهمت أنه يبعدني عن سرادق الراقصة رئيفة، ظللت أمشي هنا وهناك بالقرب من أبي حتى رأيت أحدهم يبيع سيوفا خشبية وسمعته يقول:
…سيف الشيخ حسانين الذي حارب به الكفار أربعين يوما ورأسه مقطوعة حتى هزمهم…اشتري سيف الشيخ حسانين بعشرة قروش
واشتريت سيف الشيخ حسانين الخشبي المدهون باللون الأخضر بعشرة قروش وأشتريت عمته الخضراء بخمسة قروش وبقيت معي عشرة قروش، سأحارب أنا أيضا صبيان حارتنا الأوباش لكني سأحارب ورأسي فوق كتفي فلست وليا مبروكا مثل الشيخ حسانين سأهزمهم جميعا وأبقى في الحارة ألعب وحدي، أكملت جولتي في المولد حتى وجدت أحدهم ينادي العشرة قروش تكسب خمسين قرشا، آه خمسين قرشا سأعوض ما صرفت وزيادة، سيزيد كنزي الليلة، كانت اللعبة ست كور خشبية ملونة أحمر..أبيض.. أخضر.. أصفر…أسود كانوا يسمونها الجارية وسادسة ملونة يسمونها الدنيا، كل لاعب يدفع عشرة قروش ويختار كرة، وأخترت أنا الجارية واختارت الحفرة الدنيا وغلبتني الدنيا حتى في اللعبة، الكرة التي تسقط في الحفرة هي الرابحة وكرتي أبت ألا تسقط، وفقدت أخر عشرة قروش معي، وفي لحظة خسارتي كانت كف أبي الغليظة على قفاي، وهو يصرخ في:
…حتى انت يا عبيط بتلعب قمار
وسحبني من يدي إلى حيث سرادق الشيخ التوني مداح النبي وأنا أمسك بسيف الشيخ حسانين وعلى رأسي عمته.
وصلنا إلى أهم معالم مولد الشيخ حسانين في الليلة الختامية الكبيرة، سرادق ضخم فخم يشغل مساحة واسعة من الأرض المفروشة بالرمال ومكسوة بسجاد أخضر فاخر، ومسرح خشبي يتصدره الشيخ التوني الذي جابت شهرته الآفاق، وصار أشهر مداحي الرسول في العالم، ومعه فرقته الكبيرة من العازفين على آلات شرقية عتيقة، ناي ومزمار وعود، يقولون أن أجره آلاف الجنيهات في الليلة الواحدة، أهالي منطقة الشيخ حسانين لا يبخلون عليه بها كل عام يجمعونها معا، لا يسمحون لغريب عن منطقتهم أن يساهم فيها، الشيخ أيضا يأخذ منهم نصف ما يأخذ عن أي ليلة يحييها في مكان آخر، يدين بشهرته في بداياته كما يقول دائما لسيده الشيخ حسانين، الأهالي في تلك الليلة ينحرون الذبائح المنذورة ويقيمون الولائم لكل الضيوف الذين يأتونهم من كل مكان، عيب أن يدفع ضيوف الشيخ حسانين ثمن طعامهم، كنت منبهرا من الأضواء والزحام و أدهشني صوت الشيخ ونغم عازفيه وسبحت معهم في عالم آخر.
أمام المسرح تماما يفرغون مكان للمريدين العاشقين للصوت والكلمات، يتطوحون ويتمايلون، أو يفقرون كما يقول الجميع، أبي يفعل مثلهم، هل كل هؤلاء من المتصوفين؟ سمعت الإمام في المسجد يذكرهم بسوء يقول أنهم مبتدعون مضللون يشركون مع الله غيره ويتوسلون ببشر يزعمون أنهم أولياء لله، ولكن الإمام يتصدر المشهد هنا، هو من ينظم صفوف المتمايلين وينهر هذا ويدفع ذلك للصفوف الخلفية، كيف يسبهم في المسجد ويشاركهم أفعالهم هنا، هل تكون المنح والعطايا التي يأخذها من أهالي منطقة الشيخ حسانين ثمنا لتغاضيه عن هذا الكفر الذي ينعتهم به على منبره؟ معممون كثر يتابعون الشيخ التوني ويسيحون مع كلماته يكتفون بهز رؤوسهم دون أجسادهم، الشيخ لطفي الذي حاول أن يعبث بي في حمام المسجد يتطاوح ويفقر أيضا، هل هو صوفي؟ إنه لا يعرف كيف يتوضأ إنه لا يصلي، فهل يدرك هو وكل هؤلاء المتطوحين معنى التخلي والتحلي والتجلي الذي يؤمن به شيوخ الصوفية؟ هل تخلو عن القبيح وتحلوا بالجميل الصحيح حتى تجلى الله في قلوبهم فصارت رحيمة؟ لا لا إنهم بالتأكيد يتصنعون تلك الإغماءات الزائفة، إنهم مشغولون بالدنيا وبالمال وبالولد، إنهم مدعون، ليسوا جميعا بالطبع، بالتأكيد فيهم مخلصون، ولكن كيف لي أن أميز بين المخلص والفاسد، وجود الشيخ لطفي وإمام المسجد الذي يسب الصوفية على منبره وأيضا وجود الحاج صالحين الذي يسوم الفلاحين في الخلاء سوء العذاب ويرفع عليهم أسعار المساقي والحراسة، يجعلني أشك في الجميع، أتراهم يتخلصون من ذنوبهم بذلك التطوح والتمايل مع الصوت والنغمات؟ إنهم يضحكون على انفسهم ستبقى جرائمهم عالقة برقابهم يوم الحشر لا يستطيعون منها فكاكا، أبي أيضا يشككني في الأمر، نعم هو لا يأبه بولد والدليل أنا وحالي، ولكن المال في قلبه والقسوة من صفاته وإلا ما تركني كل هذا العمر بلا عناية، إنه أكثر من أصابته إغماءات التجلي التي يزعمونها، لو تجلى الله لكم لمنعكم عن جرائمكم السرمدية، والتي لا تقطعها سوى رقصاتكم تلك التي تزعمونها تخل وتحل وتجل وما أنتم إلا مخادعون فاسدون والله مطلع على سرائركم.
أحاول أن أفعل مثلهم، أنا أجدر منهم جميعا، دنياهم لا تشغلني إلا بما يضمن استمرار حياتي، لو توفر لدي ذلك، لتخليت ولتحليت ولتجلى الله في قلبي، بل إني أزعم ان الله متجل في قلبي منذ ولدت، فلم اسع يوما لشر، بل دائما أحاول أن لا يؤذيني شر هؤلاء المتطوحين وأولهم أبي، كلما وقفت في صف أزاحوني إلى الصف الذي يليه، هل هم متخلون متحلون حقا، فكيف يزعجهم منظري وتقرفهم رائحتي، أليسوا في ملكوت آخر كما يزعمون؟ وجدتني أنشئء صفا وحدي بعيدا عنهم لا سجاد تحتي، فقط طين الأرض، شدتني الكلمات أنت شمس أنت قمر يا حبيبي يا محمد، وجدتني أرددها أحسن مما يفعلون وسمعت صوتي كان أجمل من صوت الشيخ نفسه، آه لو أستطيع أن أفعلها على الملأ آه لو تحرر لساني؟! أخذتني الحماسة في التفقير حتى وجدتني أسقط على الوحل الذي اختلط بعرقي، لم يأبه أحد بي ولا لي حتى انتهت الليلة، وأفقت وأبي ورفاقه يسكبون الماء على وجهي ويعودون بي إلى دار أبي حيث أبيت حتى تنتهي الأربعين ليلة عزاء نعيمة.
نصف نائما عدت مع أبي واضعا فوق رأسي عمامة سيدي الشيخ حسانين الورقية الخضراء والتي كسا الطين أطرافها فاختلط السواد بالخضار، شاهرا سيفه الخشبي، وأحلام الفروسية والبطولة تملك رأسي الصغير، ولكن الخدر الساري في جسدي، أثر التفقير سرعان ما يخذل يدي فيكاد السيف، يلامس الأرض، أرى أبي وأصحابه يحملقون في ثم يضحكون جميعهم، على ماذا؟ لست أدري.
أسمع أحدهم يقول:
..رجب باينه اتسطل على ريحة الحشيش أمال لو شد له نفسين؟
يظنون أنني لا أعرف ما هو الحشيش؟ لا يعرفون أنني أعرف أنهم جميعهم بما فيهم أبي يوشكون أن يدمنوه لو فراغ جيوبهم من ثمنه، لا يعرفونه إلا في المواسم وأيام رخائهم الضنينة، ترى هل يدركون هم أنني على موعد كل يوم مع رائحة الحشيش وأنفاسه، وأن أوكاره مباحة لي، لا يمنعني عنها مانع، فهل يخاف الحشاشون من أخرس يعتقدون أنه أصم أيضا؟
أنا استمتع بالأنفاس دون ثمن، أشعل لهم الفحم وأنقل لهم النار بالماسك، خادم قعدة كما يطلقون على أمثالي، لكنني اتميز عنهم أنني أخدم لقاء مجرد أنفاس، كما أنني لا أشي أبدا بأسرار القعدة
كم أنتم سذج يا أبي أنت وأصحابك، أنا لم تسطلني أنفاسكم الرخيصة تلك، أنا في هذا اليوم سطلني ذكر الله تخليت وتحليت وتجليت، وليس حشيشكم المضروب بالحناء، فمليون نفس مما تستنشقون في رئاتكم لا يحدثون في أثرا، ولكنه التوحد مع الدعوات والصلوات تلك التي تؤدونها بأفواهكم وليس بقلوبكم مثلي.
آه يا رجب سيف خشبي هزيل يعجزك أن تجعله مشهرا في طريق عودتك، كيف ستصنع إذا بسيف حقيقي مثل سيف سيدك الشيخ حسانين كيف تحلم اذا أن تكون عاشور الناجي الذي سمعت سيرته في الراديو وشاهدتها في تلفزيون مقهى غرام؟
أنت تحلم أيضا أنت تعيش ولو يوم من أيام منصور الجبار فتوة مدينتكم ابن عائلة الجيارة القوية الغنية، تريد أن تكون فتوة مثله يا رجب؟ تثير الرعب والخوف أينما حللت، اختر يا رجب هل تريد أن تكون عاشور أم منصور؟ فتوة طيب أم فتوة شرير
أنت لا تستطيع أن تكون لا هذا ولا ذاك، فليس لك ظهر عائلي مثل منصور، ولست تملك قوة و هيبة عاشور، ثم أنك لم تر عاشور ولم تعش عصره، عصر عاشور لم يعرف النار والبارود، سطوة الجبناء يقتلون بهما على البعد، لا ينتصران إلا للظلم والبلطجة، الحكم فيها كان للنبوت والنبوت لا ينصر إلا الحق، الحق والعدل صنعا أسطورة عاشور، أما أسطورة منصور فلم يصنعها إلا الجهل والخيال المريض، منصور ضرب بغدارته أقدام بعض الضعفاء منعهم الجبن وسطوة عائلته عن مجرد شكواه إلى أولي الأمر فاستفحلت في خيالات الضعفاء قوته الوهمية ونفوذه المزعوم، هم أنفسهم حاكوا حوله الحكايات واخترعوها، اخترعوها وصدقوها وأخافوا به الجميع، حتى من يعرف أنه مجرد بطل من ورق، خاف أن يهمس بها حتى لنفسه، وبقي الجميع مغيبون حتى سقطت أسطورته صدفة كما بدأت صدفة، نطحة من رأس المعلم طه العربجي المسالم، أطاحت به شجت رأسه نصفين، لم تمهله أن يخرج غدارته ويفتك بطه، تعجب الناس يومها، ما الذي دفع فورة الغضب تلك أن تصل إلى ذروتها برأس طه فيصدر عقله أمره إليها بتلك الضربة التي كانت قاضية، طه يقتل منصور؟
لطالما رأينا منصور يبصق على طه ويضربه على قفاه دون أن يحرك طه ساكنا فماذا حدث؟ كثرت الحكايات والحواديت، ولكنك وحدك يا رجب تعرف الحقيقة، سمعتها بأذنيك وأنت تلعب، بجوار عربة طه الكارو، سمعت منصور الجبار وهو يطلب من طه أن يبعث له بزوجته نعمات، جميلة منطقتنا وفاتنة كل رجالها، كان طلبا خبيثا لئيما، أدرك طه معناه، فمنصور يعيش وحيدا في بيته، فماذا يعني طلبه ذهاب نعمات لتنظيفه، إلا غاية رخيصة دنيئة في نفس منصور، لم تتحمل رجولة طه وحميته مثل هذا الطلب الرخيص فأطاح في لحظة غضب بخصمه الضعيف، نعم كان منصور ضعيفا جبانا يستتر وراء عائلته وغدارته لم نره يوما يستخدم يده العارية في الفتك بخصم، أو يرفع وزنا ثقيلا أو يخلع شجرة ضخمة من جذورها، مثل طه الذي كان عملاقا قويا يدير رحا الطاحون بيد واحدة ويخرج العجل العالق في الماء منفردا، قضى طه على أسطورة منصور وظل السر في ذلك دفينا في صدرينا أنا ومنصور، بعد توسد ثالثنا التراب.
توقع الجميع أن طه هو فتوتنا الجديد، عاشور الناجي عصرنا، ذاق ظلم منصور وعائلته، لن يقبل أن نظلم من جديد، تأهبنا لصنع أيقونة العدل خاصتنا، كنا على يقين من صدق حدسنا، رغم أننا لم نجرب فتوة عادلا من قبل، لم نتخيل لحظة أن يخالف طه حسن ظننا فيه، وينقلب منصورا آخر، كانت هناك عقبة وحيدة، ليرفعه رجال حارتنا على أعناقهم ويهتفون مثلما نرى في الأفلام:
…طه الحر اسم عليه…فتوتنا الغالي اسم عليه
نعم أسميناه طه الحر، رغم أنه في السجن منذ لحظة تحرره من عبودية منصور وبطشه، كانت تلك هي العقبة، السنوات التي سيقضيها طه خلف القضبان، و رغم أنه تم طمأنتنا من المحامي الشاب الذي تطوع للدفاع عن طه بأنها مجرد قضية ضرب أفضى إلى موت، وأن قرار إحالتها لمحكمة الجنايات كان خطأ في القيد والوصف، فلم يتربص طه بمنصور ويقتله بل كانت مجرد مشاجرة، أقصاها سبع سنوات ويخرج فتوتنا من سجنه ليحقق لنا العدل الذي نحلم به، واستبقنا الفرحة وزغردت النساء خلف جدران بيوتهن فما زلنا لا نجرؤ أن نجاهر بفرحتنا، وسيف عائلة منصور مسلط على رقابنا، وحتى ما قاله لنا المحامي، أعني لرجال منطقتنا، سامحوني كثيرا ما أنسى أنني رجب العبيط وأخالني مشارك في الأحداث وضالع فيها، المهم أن ما قاله المحامي ظل حبيس صدور كل من سمعوه، وكان اسم المحامي أعظم أسرارهم التي سيفاجئون بها الجيارة في المحكمة ويغمدون في صدورهم أولى الطعنات، تمهيدا لطعنات طه القاضية عليهم، بعد خروجه من زنزانته بل وربما يقضي على سلسالهم كله، صار طه بطلنا الشعبي، نؤلف من أجله الأغاني، التي كانت سرية أيضا.
لا ندري ما الذي حدث بعدها، تحريات المباحث أثبتت تربص طه بمنصور، لم تذكر شيئا عن أخلاق منصور وسوء سلوكه، لم يتعدل القيد والوصف، أحيلت القضية لفضيلة المفتي بعدها بشهور أعدم طه، حتى جنازته كانت سرية ، وئد حلمنا في مهده، لم يولد عاشورنا أبدا، خلف شلبي اخاه منصور ما زالت عائلته تبطش بنا، ما زلت أنا لا أدري هل اريد أن أكون مثل منصور ومن بعده شلبي، الفتوة الظالم، أم أكون مثل عاشور الناجي الفتوة العادل؟
لست وحدي الذي لا يستطيع تحديد أي فتوة يريد أن يكون، كلنا لا نستطيع الوصل للشعرة الفاصلة بين الاتجاهين، فنقطعها ويسهل علينا الاختيار.
رأيت عشرات بل مئات الرجال والنساء، يكونوا أويكن أطيب ما يكون فاذا ما طريت حياتهم بمال أو نعموا بسلطة أو نفوذ كانوا أو كن على نقيض ما كانوا أ كن عليه قبل أن تحلو مرارة عيشهم.
أراكم تضحكون، من أحلام رجب العبيط الأخرس والذي تظنونه أصما أيضا، والذي انتقل خرس لسانه إلى يديه فشلا، يحلم أن يكون فتوة.
طيب أو شرير لا يهم، اسمعكم تقولون حتى أنت يا رجب تريد أن تكون فتوة، وأنا أجيبكم بصوت يصم آذانكم: نعم أريد.
نمت في بيت أبي محتضنا سيف الشيخ حسانين وعمامته، نومتي في بيت أبي لا تختلف كثيرا عن نومة الماشية في الزريبة، بل هي كذلك بالفعل، فأنا أنام من دخل البيت، خلف الباب مباشرة، من يفتح الباب لابد أن يخبطني بأسفله، بجواري غرفة صغيرة جدا تنام فيها حمارة أبي ووليدها الصغير، لا يكفان عن الحركة طوال الليل، متى أعود إلى بيت نعيمة؟ كان هذا الحلم الذي يراودني طيلة الأربعين يوما الفائتة، في الغد سينفض العزاء وسأعود إلى بيتي الذي أصبح الآن لي وحدي.
استيقظت مع الشمس، ابن أخي الصغير يحاول أخذ السيف والعمامة اللذان احتضنهما بيدي، كنت متشبثا بهما، فليس كل يوم سأنال مثلهما، ليس كل يوم ليلة كبيرة ومولد كبير، ليس كل يوم سيكون معي قروشا تكفي لتحقيق متعي البسيطة، ولن اقترب من كنزي الذي سيحقق لي كل أحلامي، يحاول ابن أخي جذبهما بقوة، اتشبث أنا الآخر بهما، يضربني فوق يدي بحطبة خضراء لسوعة يدي وتركت علامات حمراء رغم الألم لا أتركهما له، يواصل ضربي وأواصل تشبثي، استطيع سحقه بضربة واحدة ولكن يمنعني الخوف من أبيه وأمه أن أفعل ذلك، كان قزما بالنسبة لجسدي الفارع، صرصارا استطيع سحقه ولكن آه من قهري آه من عجزي آه من خوفي وخرسي ويتمي، يواصل ضربي بعصاته القاسية تجبرني لسعاتها على التخلي شيئا فشيئا عن السيف والعمامة، تتمزق العمامة، أتركها له عله يترك لي السيف، يلقي بالعمامة بعد أن صارت قطعا ورقية لا قيمة لها، ينكسر نصل السيف، يستحوز عليه مازالت يد السيف وجزء منه في حوزتي، استخدم سلاحي الوحيد، أصرخ وأجعر، على صوتي تأتي أم ذلك الصبي اللعين، الذي ما أن رأها حتى شرع هو الآخر في البكاء، كانت يده ملتهبة أثر صراعنا على السيف والعمامة، أشار بها لأمه، التي ثار جنونها بمجرد أن رأت حز السيف الخشبي وقد أدمى يده، يداي مقشفتان لا يؤثر فيهما سيف خشبي رقيق، وحتى لو أثر فلن تظهر خشانة يدي تلك الآثار، صرت جانيا في لحظة، وانهالت علي زوجة أخي بجسدها الضخم صفعا وركلا وصراخا، جاء أخي وأبي على الصوت وشاركاها الحفلة، والصبي الملعون يضحك متشفيا، بالكاد أفلت منهما وأنا أجعر وأصخر وأهمهم بشتائم غير مفهومة، كنت ما زلت ممسكا بيدي بنصف سيف الشيخ حسانين وجريت في الشارع لا ألوي على شئ تتبعني الشتائم واللعنات، وينهكني الضرب والجوع، نعم الجوع فقد أشبعوني ضربا وركلا، ثم جلسوا يتناولون فطورهم.
لعنة الله عليك يا ابن أخي الصغير، قتلت حلمي أن أكون فتوة حارتنا، مستخدما سيف وعمامة الشيخ حسانين، مزقت عمامتي وكسرت سيفي وجعلت جسدي المنهك وجبة دسمة لأكف وأرجل أمك وأبي وأبيك، تراك أدركت بعفويتك وطفولتك، أنني لن أكون ذلك الفتوة الطيب؟ لن أكون طه، بل سأكون منصورا آخر غاشما ظالما، مفتقدا للعقل والحكمة اللذان يطوعان تلك القوة التي حزتها للخير، أم تراها يد الله هي التي دفعتك لتفعل ما تفعل وتجتث جذور فتوتي في مهدها؟
ما زلت أملك نصف السيف، سأخيف به أبانوب وجورج ومينا أولا ثم اجرب مع محمود وأحمد وشعبان، سأصبح فتوة أولئك الصبية الماكرين كلهم، سأصبح زعيمهم، سأجلس في صدر كل ملعب ومجلس لهم، آمرا ناهيا فيهم بعد أن أذيقهم ضربات سيفي، قوتي التي سأفرضها عليهم ستحرر خرس لساني، ستطلقه من معقله، مصدرا لهم أوامري وتحكماتي، نعم القوة ستحررني من قهري ويتمي.
سرت باتجاه الكنيسة باحثا عن أول ضحايا سيفي، لمحت مينا يلعب بجوار الكنيسة وحيدا، يبدو أن الأقدار تسهل أولى خطواتي نحو فتوتي وسلطاني، مينا أضعف صبيان حارتنا، بنية وقوة، ذا جسد نحيل بالكاد يقوى على المشي، يتيما مثلي، وحيدا بلا أخ أو أخت، ضحية مثالية لأولى معاركي، فمن يخيفني أو ينتقم له، بالتأكيد ستكون العلقة التي سأعطيها له جرس إنذار لكل صبية حارتنا، نعم سأبدأ بمينا.
اقترب منه وبهمهماتي الغامضة أصرخ فيه محاولا بث الرعب في أوصاله قبل أن أفاجئه بأولى ضربات سيفي، يقف مينا ثابتا رابط الجأش غير آبه بي، حتى ظننته لا يراني ولا يسمعني، يدي ما زالت بجواري، كأنها مقيدة بسلاسل من حديد، أحاول رفعها وضرب مينا على رأسه، القيد أقوى مني، عجزي أمضى من سيفي، يتمي وجبني حطما كل إرادة في.
بهدوء يقترب مينا مني وببساطة ينتزع سيفي من يدي، ويلقي به في نار أشعلها حارس الكنيسة طلبا للدفء من زمهرير شتاء قاس، سيفي ومعه حلمي في الفتونة أصبحا رمادا في ثوان معدودة، وعدت إلى نفسي إلى رجب العبيط مرة أخرى وانطلق جعيري وصراخي ومعهما هرولت ناحية بيت نعيمة الذي أصبح لي وحدي.
قبل أن أصل إلى بيت نعيمة، فكرت أن أعرج إلى الخرابة التي أخفي فيها كنزي، فالبيت الآن لي وحدي لا يشاركني فيه أحد، سأعثر فيه على مخبأ لكنزي، حتى الجن الأزرق لا يصل إليه، كنت أخاف عليه من نعيمة، وها هي نعيمة قد تركت الدنيا كلها، ليتها بقيت لي وليتني أعطيتها كنزي نستمتع به معا في أخريات أيامها، وصلت إلى الخرابة، تلفت يمينا ويسارا كما اعتدت كلما جئت للاطمئنان على كنزي، مع أنها المرة الأخيرة التي سآتي فيها إلى هذا المكان العفن، فقد اصبح لي اربعة جدران، أحفر الأرض، استخرج كيسي الأسود المهترئ أفتحه بتؤده وحنان، جنيهاتي الثلاثين فيه كاملة، بقيت عشرون جنيها فقط وأبدأ تحقيق أولى خطوات حلمي في أن يكون لي قطيع كبير من الماعز ثم من الأغنام ثم ألأبقار والجاموس وأخيرا قطيع ملكي من الإبل سأكون صاحب علقات من الأبل وليس مجرد جمال عليها بالأجر، سآتي بأقربائي الفقراء يكونون جمالين عندي، نعم إنه حنين لمهنة أجدادي رغم أني لم أمارسها من قبل، ورغم أني أخاف من الإبل. احتضن كنزي في صدري واتجه نحو داري، اقترب من الوصول إليها، ألمح شخصا جالسا على المصطبة التي كنت أنام أسفلها ونعيمة فوقها في ليالي أغسطس شديدة الحرارة، لم نكن نتحمل كتمة جدران بيتنا الضيق، أحاول التحقق من الجالس يحتسي الشاي بهدوء، لا يساعدني عمش عيني، اقترب أكثر وأكثر تتضح لي الرؤيا يهدأ قلبي قليلا، إنه أخي صابر أقرب أشقائي إلي وأحنهم علي، إنه يجلس في بيت أخيه ماذا في ذلك؟
اطمئن أن كنزي مخبأ بإحكام في طياتي ثيابي المهلهلة، فلا آمن حتى أخي من أن يطمع فيه، ولكن ماهذا الذي أراه، أثاث بيت نعيمة كله مكوما بجوار المصطبة وفراشي وعمال يدخلون ويطلعون؟
هل أخي يرمم البيت لي هل هو حنون إلى هذه الدرجة؟ سيتحول بيتي إلى جنة، أحاول الدخول لأرى، يمسك بي أخي قبل أن اخطو خطوة واحدة داخل البيت ويدفع بي خارجه بكل شراسة وعنف وهو يقول:
…امشي من هنا يا بتاع يا عبيط انت هيا ناقصة عبط
لا أفهم في البداية ما يقول ولا مايفعل ولكنه أتبع كلماته بركلة ألقت بي بعيدا عن بيت نعيمة بأمتار وأنا استخدم سلاحي الوحيد أصرخ وأجعر ولا أحد يأبه بي أو لي.
سمعت من الصبية والنساء والرجال في الحارة أن أخي صابر وبموافقة أبي وأشقائي وشقيقاتي سيتزوج ويقيم أسرة في بيت نعيمة بعد أن عجز أن يجد في بيت أبي الضيق مكانا يتزوج فيه، بالطبع لم يفكر احد في، لم يستشرني أو يأخذ رأيي أحد فما أنا إلا عبيطا يتيما مسكينا، لم يفكر أحد أين سأنام لم يفكر في ذلك إلا أنا.
وأنا أبكي متكوما على الأرض تحسست جنبي الذي فيه أخبئ كنزي، لم يصبح في أمان الآن، عدت إلى الخرابة وجلا، الليل يوشك على الولوج، تلفت يمينا ويسارا، أعدت كنزي إلى مخبأه، ثم نمت فوقه، يبدو أنها ستكون نومتي في هذه الليلة وفي غيرها من الليالي وسأبحث عن خرابات أخرى أكثر أمانا، لا سامحك الله يأخي أنت وكل عائلتي.
أصبحت الخرابات مأواي، أبحث عن أكثرها أمنا بعيدا عن هوام الليل وحشراته، وكلابه التي ألفتني وألفتها وما زلت أخشى غدرها، أظنها يفتك بها الجوع ليلا فتمزقني بأنيابها الحادة، كم قمت مفزوعا ليلا متخيلا أن قطيعا منها ينهش لحمي، شاهدت الأسود تفعل ذلك مع غزال صغير مسكين في برنامج عالم الحيوان في تلفزيون مقهى غرام، أقوم فأجدها تزوم بالقرب مني ولا تلمسني، أراها تتقاسم دجاجة ميتة ولا تأبه لي، أعلم أنني لم أصر جيفة بعد، هذه الكلاب الجبانة لا تأكل إلا الجيف وما يلقيه إليها البشر من فضلاتهم، يسعدني الشعور أنني ما زلت حيا وأن الكلاب لن تأكلني إلا عندما أموت، لا يحفزني ذلك على الاقتراب منها، فهي وإن كانت لن تأكلني إلا جيفة فإنه لا يوجد ما يمنعها من عضي إن اقتربت منها وناوشتها، أعاود نومي وتعاودني كوابيسي، استيقظ والشمس تضرب جبهتي بحنان، لم تقس بعد، لدغات الذباب أكثر قسوة منها، تجبرني على النهوض، تفاجئني قذائف من طين ووحل، أدرك أن الشياطين الصغار قد استيقظوا مع الشمس وبدأوا معي حفلة مبكرة من التحرش والإهانة، فعلوا بي ما خفت أن تفعله الكلاب، جريت بعيدا عنهم محاولا الاحتماء بالحوائط والجدران.
ذات ليلة احتميت بجدران بيت نعيمة الذي أصبح بيت أخي صابر، عل رائحة نعيمة تشعرني بأماني المفقود منذ موتها، ولكن هيهات فالبرد القارس وناموس الليل المتوحش طردا عني الكرى وأنى لنفس مرتعبة أن يعرف النوم إليها طريقا، تلمحني متقلبا على جانبي من الزمهرير جارة نعيمة ورفيقتها مرزوقة وهي طالة من شرفة منزلها، تلقي إلي ببطانية مهترئة ممزقة، وتقول بلهجة حانية:
…اتغطى بيها يا رجب اسم الله عليك يا وليدي
واتدثر بها، كنز ثمين أخر جادت علي الحياة به، سأضعها في مكان أمين ونمت مستشعرا بعضا من الدفء، سويعات قليلة وشعرت بمن يرفع الغطاء عني، شياطين الإنس، من جعلوا مني وجبتهم اليومية، تشبثت ببطانيتي، تكاثروا علي، أصبحت البطانية البالية قطعا بين أياديهم، تبقت في يدي قطعة صغيرة، القوا ما في يدهم واستبدلوه بأقذار الشارع وطوبه واتبعوني يهتفون وأنا أجري منهم لا الوي على شئ أسمعهم فقط:
…العبيط أهه العبيط أهه
وما زال أمهاتهم وأباءهم يضحكون من خلف الشبابيك وأمام الأبواب فوق المصاطب وهم يرون أبناءهم يلهون بلعبتهم النادرة التي قلما تمتع بها صبية غيرهم وما زلت أنا أجعر وأصرخ ولا أحد يسمعني، ما زلت أنام في الطل بين الحوائط وفي الخرابات عاريا بلا غطاء ولا سقف اتطلع ألى السماء متسائلا: متى تنتهي عذاباتي؟
مرزوقة من شرفتها شاهدت ما حل بي وببطانيتها التي أهدتني إياها، لم تضحك وتسخر مثل الآخرين ولكنها أجهشت بالبكاء ومن توها غادرت إلى حيث منزل أبي مصرة أن تلحق به قبل ذهابه إلى عمله في زريبة الحاج نعمان، ولحقت به وقبل أن يسألها ما الذي جاء بها، جابهته بسيل من الشتائم والاتهامات:
…انت راجل لا عندك دين ولا ضمير، قلبك حجر كيف تسيب ولدك لكلاب السكك تقطع فيه؟
ثم سردت له كل ما حدث معي بالتفصيل من أول الليل وحتى ألقت الشمس اولى أشعتها على البرية، فطأطأ أبي رأسه قليلا ولم ينطق بحرف واحد ثم ركب حماره ومضى به وقد أزمع أمرا.
وجدني أبي متكوما على نفسي في إحدى الخرابات انتفض من البرد، كانت الشمس لم تنشر دفئها بعد، من غير كلام كعادته، أردفني خلفي على حمارته، كنت احتضنه بقوة مستجلبا أمانا وقوة طالما حلمت بهما، كان يفك يدي من حول وسطه بحركة عنيفة بعض الشئ، ولكني سرعان ما أعاود تطويق ظهره بيدي، وصلنا لزريبة الحاج نعمان، كانت ما زالت مغلقة، فتحها أبي، ومن فوره جهز علقة الجمال ليوم عمل شاق جديد، كنا في موسم القطن، وهو من أهم المواسم عند الجمالين، فغير نقل القطن لأصحاب الزراعات وأصحاب الجمال مثل الحاج نعمان وغيره، كان يترك لأبي مهمة توزيع الحطب، على الأقارب والجيران أغنياءهم وفقراءهم، لم يكن للحطب ثمن محدد، كان البديل عن توزيعه أن يحرق في الحقول، وكن كيف يحرق وقود الفقراء خزين ستة أشهر كاملة، حتى يدخل بوص الذرة، كان أبي في هذا الموسم محط أنظار الجميع، كل من يقابله يقول له:
…اوعى تنسانا يا أبو سلطان عايزين جملين السنادي
ويكتفي أبي بإمالة رأسه في صمت وهو يعني:
..حاضر
شعرت في هذا اليوم وما تلاه من أيام ان أبي هو أهم رجل في العالم ملأني ذلك إحساسا بالزهو والفخر والقوة، كنت اذهب معه إلى الحقل نحمل الجمال حطبا وننطلق بها إلى حيث نوزعها على كل من طلبها من أبي أو من الحاج نعمان، الحاج نعمان نفسه أخذ منا عمل يوم كامل، ثلاث علقات كاملة من الحطب والتي بالكاد يكفيها النهار، حيث ملأنا حديقة بيته الكبير بالحطب، فرنه لا يتوقف عن الخبيز طوال العام، كنت تلك أسعد أيام حياتي وأنا مع أبي تخلصت تماما من تحرشات الصبية فلم يجرؤ أحدهم على التعرض لي وأنا معه، كنا نتناول طعامنا في كل بيت نذهب إليه بالحطب، مرة جبن طري ومرة بيض مقلي وفي بيوت الذين أصابهم بعض من يسار كنا نأكل الدجاج أو اللحم أو السمك، كان هؤلاء يجودون علي أيضا بقروش قليلة، في هذا الموسم جمعت خمسة جنيهات كاملة أضفتها إلى كنزي في مخبأه أظن أن أبي جمع ايضا في نهاية الموسم مبلغا لا بأس به ، كنت أراه يبتسم في تلك الأيام على غير عادته، لم نكن نذهب إلى بيتنا إلا في ليلة الخميس من كل أسبوع لتناول الزفر مع أهل بيتنا، كنا نبيت مع الجمال في كنيفهم، وكنت اتجول مع أبي قبل النوم نرتب مع الناس توزيع الحطب في الغد، جلست مع أبي على المصاطب، حول راكية النار التي يشعلها الجميع طلبا للدفء ولصنع الشاي، ما أجمل شاي الراكية، نعم كانوا يخصصون لي كوبا، لأول مرة اشعر بكياني في تلك الأيام، تمنيت أن تكون السنة كلها موسما للجني، رائحة المعسل الجميلة التي كنت استنشقها بلا إذن أو طلب، ما زالت في خياشيمي، آه لو كملت سعادتي وسمحوا لي بتدخينه معهم، ولكن الحمد لله فأنا استمتع بجزء من متعتهم الجميلة.
وبعد أن تم موسم جني القطن على خير ووزعنا الحطب، لم ينفض الموسم بعد، سلم الفلاحون القطن للجمعية وقبضوا ثمنه، وانتشرت أغاني الأفراح في كل البيوت، كان الموسم ناجحا وأخرجت الأرض كنوزها، وبدأ الناس يجهزون لأعراس أبنائهم المؤجلة، كل يوم تقريبا فرح أو أكثر.
أفراح تتمايز فيما بينها فأفراح الفقراء غير أفراح الأغنياء، أفراح الفقراء تكون ذبائحهم من الطيور حتى الماعز أما أفراح الأغنياء فتنحر فيها الأبقار والجاموس، لكن في كل الأفراح الناس يأكلون ويشربون ويغنون ويرقصون، حتى كان مسكها فرح لم أر له مثيلا قبلها، فرح واحد من أبناء عائلة الجيارة، بدأ الفرح بليلة الحنة ونصب فيه سرادق كبير ونحرت فيه خمسة عجول، وشاهدت البيرة والحشيش والأفيون يتم توزيعهم علنا على الضيوف، أعطوني بيرة وحشيشا وأفرطت فيهما وأخذت أرقص بحركات عشوائية مسطولة والجميع يضحكون، أكلت لحما وأرزا حتي امتلأء بطني ولم أعد استطيع أكل المزيد، كنت فكاهة ليلة الحنة وتكرر الأمر في ليلة الزفاف، وجاء الشيخ التوني كبير مداحي الرسول في جهتنا وتكررت ليلة مولد سيدي حسانين الكبيرة وفقرت وتمايلت معهم حتى سقطت مغشيا علي كانوا نفس الأشخاص تقريبا ومعهم أبي وصحبته، وأفقت على مياه سكبها أبي فوق رأسي وأخذني عائدا بي إلى بيتنا بعد أن انتهت أروع أيام قضيتها في حياتي.
حزنت جدا بعد انتهاء موسم جني القطن، أبي لم يعد يصطحبني معه، لم يعد هناك أعمالا كثيرة، تشغله، يذهب إلى زريبة الحاج نعمان مرتين في اليوم، يطعم الجمال ويسقيها، في فترة راحتها من شقاء الموسم، لم يكن يعود إلى البيت إلا في ساعة متأخرة من الليل، اليوم كله يتركني مع زوجات أشقائي وأبنائهن، ما يفعلونه بي يفوق ما كان يفعله بي صبية الشوارع، زوجات أشقائي قطط متوحشة متنمرة لمن يقترب من أطفالهن ومن أقواتهن، يعاملنني باشمئزاز وقرف وسخرية، يشعرنني أنني حملا ثقيلا عليهن، لقمتي يستكثرنها علي، رغم أنهن لا يعطينني سوى فضلاتهن وفضلات أزواجهن وأبنائهن، يخبرن أزواجهن أنني أضرب الأطفال الصغار في المنزل، كيف ويدي مقيدة إلى جانبي مشلولة ككل شىء في؟ يصدقهن أشقائي يضربونني ضربا مبرحا، كنت أخرج هائما في الشوارع هربا من سوء العذاب، يقابلني الأسوأ، صبية متربصون، يفعلون بي كل ما يجعلهم يستشعرون رجولتهم، رجولتهم كانت تعني ضربي وإهانتي، وضحكات أبائهم وأمهاتهم وصمت أبي وأشقائي.
عن لي يوما أن أراقب أبي وأتبعه كظله، أريد أن ألتمس في قربي منه الحماية والأمن، تبعته، وأخيرا عرفت أين يذهب، وعرفت أيضا لماذا كتب على أبي وأمثاله الفقر طيلة أعمارهم؟
علمت أن أبي يفعل ذلك في كل موسم يصيب فيه بعضا من يسار الحال، يذهب إلى عشة ناعسة، ناعسة، سمعتهم يقولون أن كانت غازية ترقص في الموالد وأنها كانت جميلة بل جميلة جدا، مطمع كل الرجال وذلك قبل أن تكبر في السن ويزهد فيها الغاوون، و استقرت في بلدنا بين الحقول والجبابين، في قطعة أرض اشترتها بما تبقى من ثروة الرقص، وأنشأت فيها تلك العشة متخذة منها بيتا ومقهى وعلمت ان لها فيها مآربا أخرى، كانت عشتها كبيرة مقسمة إلى غرف كثيرة تحيط بساحة المقهى الواسعة، كانت تستجلب الراقصات والمغنيات والساقطات من كل مكان.
في بلدة فقيرة كبلدتنا كان لها ولهن مثل أبي مواسما للرزق، يشقى الرجال طوال الموسم، ويأتون لناعسة ورفيقاتها بما جمعوا يريقونه تحت أقدامهن كل حسب مزاجه وغوايته، كنت أعلم أن أبي يغوى الحشيش ويشربه متى سمح له حاله بشربه، و لم اكن أعلم غواياته الأخرى وليتني ما علمت.
مشيت وراء أبي حتى وصل عشة ناعسة، لم أجعله يشعر بتتبعي له، دخل العشة دخلت وراءه، لم أجده جالسا في ساحتها، وجدت الكثير من الرجال يتحلقون حول إحدى الراقصات يتمايلون معها يحتسون البيرة، يدخنون الشيشة المغمسة بقطع الحشيش، أعرفهم جميعا فكلهم من الشقيانين في المواسم المتسكعين فيما عداها، رفقاء أبي وشركاء خموله وفشله وكسله، استنشق أنفاس الحشيش دون أن أجرؤ على التقاط مبسم شيشة أو حتى الاقتراب من الشاربين، أحافظ على مسافة بيني وبينهم أخشى أن يشمئزوا مني ومن رائحتي فيضربونني ويطردونني، ولكنهم كانوا في واد آخر لم يشعروا حتى بوجودي، ناعسة هي الوحيدة التي انتبهت لي، وفوجئت بها تمسك بي من جلبابي المهترئ وهي تصرخ بصوتها الأجش:
…مين المعفن ده…أوعو يكون مخبر يا عيال يودينا في طوكر
وعلى صوتها ينتبه الغافلون ويبحلقون في لحظات أطبق فيها الصمت على المكان ثم ينفجرون جميعا في الضحك ويشير أحدهم إلي وهو يقول ساخرا:
…ما تخافيش يا ست ناعسة دا رجب العبيط ههههه قال مخبر قال.. مخبر أخرس…جديدة دي يا ست الكل
ثم يخبرونها من أنا ومن أبي وطبعا أبي في هذه الأيام كان زبونا مميزا عندها، فتتركني في عشتها ولا تطردني بعد ان تشترط علي ألا اقترب من شيشة أو كوب أو زجاجة مشروب، وأن أجلس بجوار باب العشة صامتا وأطيع الأوامر، وأبقى فقط متفرجا ومستمعا لحكايات العشة وروادها، ويا لها من حكايات.
ما زال خرسي رغم أنه يقهرني إلا أنه ينفعني، يتحدث الجميع أمامي بحرية فهم واثقون أنني لا اتكلم، كل أسرار عشة ناعسة عرفتها منذ ليلتي الأولى فيها، لن تتصوروا ماذا يحدث في تلك العشة الضخمة التي شيد بناؤها من بوص الذرة الرفيعة، المربط بالحبال الليف وفي أركانها الأربعة عوضا عن العمدان الأسمنتية وضعوا جذوع الأشجار المشطورة نصفين ونسميها الأفلاق والمفرد فلق، كانت عشة ناعسة مقسمة لغرف كثيرة، كل غرفة خاصة بمزاج معين من أمزجة الساهرين والغاوين.
عرفت أين تذهب نقود أبي القليلة والتي يجمعها بعرقه كل موسم من مواسم الزراعة، كان أبي قابعا كما سمعت من رواد العشة في غرفة الكوتشينة، يمارس القمار ويدخن الحشيش ويحتسي البيرة، علمت أيضا أنه في آخر الليل سيختلي بزوبة إحدى راقصات العشة، أدركت الآن لماذا أبي ليس حريصا على الزواج بعد أمي، وعلمت أيضا من أين ورث سلطان وصابر وباقي أشقائي أخلاقهم، وفهمت حكمة الله في فقرنا، اعتقد أننا لو كنا من الأعيان لكانت سقطاتنا أكثر وخطايانا أعظم، المال في جيب أبي نقمة عليه والفقر يلزمه داره من العشاء ويجعله طيلة النهار في شقاء، ماذا لو أن جيب أبي لم يخل من النقود طيلة أيام السنة؟ بالتأكيد كان سيظل قابعا في عشة ناعسة غارقا في ملذاته وخطاياه.
دخل العشة شقيقي سلطان وتبعه صابر، لما يباليا لوجودي، كأني والعدم سواء، هم يعلمان أن ابي هنا ويعلمان في أي غرفة هو الآن، وأبي يعلم أنهما يأتيان وينصرفان بغير أن يرياه أو يراهما، والجميع يتظاهر أنه لا يعلم شيئا عن الآخر،يتواجه الجميع بتلك الفضائح عند وقوع الخلافات فينشر الواحد لخصمه كل غسيله القذر، لا اتحدث عن أبي واشقائي فحسب بل كل رواد عشة ناعسة تقريبا على هذه الشاكلة، بل اعتقد ان بني طبقتنا كلهم كذلك.
وأنا في مكاني بجوار باب العشة أسمع صهيل حصان، ينقلب حال العشة رأسا على عقب، يقوم الجميع من على كراسيهم تتوقف الراقصات عن الرقص يخفت صوت المغنيات ، تقف ناعسة على باب العشة لمقابلة الزائر المهم، ويتقدم أحد رجال ناعسة ويمسك بالفرس بعد أن ترجل فارسه عن صهوته، إنه أدهم ابن الحاج نعمان الذي يعمل عنده أبي، أغنى رجل في البر كله، الخادم يربط الفرس في شجرة خارج العشة وبقية الخدم يجهزون أحسن مكان في العشة لأدهم بك وصحبته الذي جاءوا خلفه على جيادهم، هم أيضا من أبناء علية القوم، كان أدهم بك سخيا بل سخيا جدا على عكس ما يشاع عن بخل أبيه، يقولون أن أمه تعطيه بسخاء من إرثها من أبيها، لا يستطيع الحاج نعمان أن يمنعها من تدليل ولدها، يقيده العشرة أفدنة التي ورثتها وأصبح هو الآن من يزرعها بعد أن أضافها إلى أرضه، تهدده أن تأخذها منه وتعطيها لأدهم ليزرعها، يرضخ الرجل ويلتزم الصمت، فليصرف أدهم ما يشاء طالما أنه لا يقترب من جيبه.
ينادي أدهم فتوحا نادل العشة يطلب منه أن يوزع كأسا من البيرة على حسابه لكل رواد العشة، أدهم الآن هو محط أنظار الجميع ومحور اهتمام ناعسة وكل العاملين معها، يوزع قطع الحشيش على رفقائه وكل من يطلب منه نفحة من الزبائن الآخرين، لا يمنع خيره أو بالأحرى شره عن أحد، وهل في الحشيش خير؟
يلمحني أدهم بك قابعا في مكاني فيقول لي بلهجة ساخرة
.. أبه رجب العبيط، ازيك يا رجب…حتى انت عرفت عشة ناعسة؟
رغم نبرة السخرية في كلام وصوت أدهم بك إلا أنني أشعر بالفخر والأمان ولم لا وأنا وأبي وأخوتي من رجال هذا الرجل القوي.
وفتحت زجاجات البيرة، وصب فتوح فى كؤوس زبائن العشة، الجالسين في صالتها وخلف أبواب الغرف المغلقة، وشرب الجميع حتى ثملوا وسط سحب من الدخان الازرق الذي عبقت رائحته المكان وأطاحت برؤوسهم وأجسادهم، وعادوا من جديد يحلقون متمايلين مع هزات جسد سوسن، التي عادت للرقص بعد انتهت مراسم استقبال أدهم بك، صندوق كامل من البيرة فتحه فتوح تحية من أدهم العشة وروادها.
في هذه الليلة عرفت تعابير الحشاشين ومفردات لغتهم، (عويل وكارتيلا وكوباية و تخميس وصاروخ وحشيش مغربي وهبو وبسكوتةوطير يا معلم) وعرفت كيف الملوك الأفيون وأشياء كثيرة جدا، تعجبت أن عقلي قد استوعب كل ذلك في ليلة واحدة.
مرة أخرى علا صهيل خيل قادم وصوبت العيون تجاه باب العشة، كان الصهيل عاليا وكثيفا، ورأى الجميع أكثر من عشرة خيول تحمل فرسانها وخلفها رجال يجرون ويحملون فوق أكتافهم أسلحتهم النارية، وعرف الجميع أنها عصابة شمشون السبع، كان معتادا أن تنزل تلك العصبة من الجبل بين الحين والٱخر تسهر وتسكر وتمارس غواياتها في عشة ناعسة، تعين الناضورجية طوال الطريق من القرية إلى العشة تحسبا لهجمات البوليس المتوقعة في كل لحظة للقبض على شمشون وعصابته، يقولون أن شمشون قتل أكثر من ثلاثين رجلا بيديه العاريتين، لا يستخدم سلاحا في ذلك، يقول خسارة ثمن الرصاص في هؤلاء الجبناء الذين يقتلهم، لم يره أحد يفعل ذلك ولكن الجميع يصدق ذلك ويقتنع به، جسد شمشون الضخم وعضلاته المفتولة التي طالما حكوا عنها تجعلهم يصنعون منه وحشا كاسرا، أنا لا أرى أية عضلات مفتولة، لا أرى غير جسد مترهل ضخم يختفي خلف تلال من الملابس الانيقة، نعم كان شمشون يلبس ثيابا فخمة، تبدو غالية الثمن، هو بالطبع لا يدفع مليما واحدا لا في لقمة ولا في هدمة، يرسل له الأعيان أفخم الأقمشة مع موريس الخياط إلى الجبل يأخذ مقاسه وخلال يومين على الأكثر تكون أفخم الجلابيب عنده، أسمع أن موريس هذا تذهب إليه بالقماش في بدايات الشتاء فتلبسهم في الشتاء القادم أو الذي بعده، طبعا يفعل ذلك مع البسطاء اما شمشون وأدهم ورجالهم فلهم معاملة خاصة.
كان في ذمرة القادمين مع شمشون السيد شلبي فتوة بلدنا ابن عائلة الجيارة، كانت تجمع بينهما الصداقة والمواخير، ويتعاونان معا في عالم الليل والجريمة، طبعا كانت يد شمشون فوق يد شلبي حتى بدا كتابع له أو فردا من أفراد عصابته، كانت مراسم استقبال شمشون أكثر حفاوة من استقبال أدهم بك، أدهم بك استقبلوه ذلك الاستقبال تقديرا لثرائه وكرمه معهم ولصيت عائلته الكبيرة، أما شمشون فقد كان يبدوا عليهم الرعب والخوف وهم يستقبلونه بتلك الحفاوة المفرطة، حتى بدوا وكأن أرواحهم معلقة بإشارة منه عينه أو يده، عرفت أن الغابة التي نعيش فيها، فيها أنواع متفاوتة من القوى والنفوذ وأن الغلبة للبلطجي ومن بعده صاحب المال ومن قبلهما صاحب المنصب، فأنا لم تفاجئني تبعية شلبي لشمشون ولا جلسته معه بمذلة ومسكنة ولكنني فوجئت بحفاوة استقبال أدهم بك أغنى أغنياء بلدنا وابن عين أعيانها بذلك الشمشون، فقد قام مرحبا به مقبلا كتفيه ثم أمر أحد رجاله أن يأتي بخروف ليقيم حفل شواء على شرف الريس شمشون ورجاله وفي خلال ساعة واحدة كانت مائدة شمشون عامرة بما لذ وطاب وصندوق أخر من البيرة أراقه فتوح في كؤوس شمشون وعصابته تحية من أدهم بك.
من مكاني بجوار الباب جالسا، ملتزما بتعليمات ناعسة أن لا تلمس يداي القذرتان شيئا من أدوات العشة خاصة الأكواب والشيش والبواري، عيناي كانتا مركزتان تماما على المكان الذي يجلس فيه أدهم بك، أراقب كل حركة وسكنة يقوم بها، وكأن تلك النظرات تعطيني شيئا من الحماية والأمان، في داخلي كنت أشعر بالفخر أن أبي من رجال أبيه، فلابد أنني أيضا من رجاله، قوي ذلك الشعور لدي لما وجدت أدهم بك يطلب من فتوح أن يعطيني نصيبي من البيرة، بالطبع لبى فتوح الأمر صاغرا وجاء لي مسرعا وهو يحمل لي كوزا من الألومنيوم له يد، مملوء نصفه بالبيرة، بالطبع لم يقدم لي البيرة في كأس من تلك الكؤوس الزجاجية الأنيقة التي قدمت لشمشون وصحبته، قدمه لي وهو ينظر إلي شذرا، لابد أنه كان يتأفف مني في سره لم يجرؤ أن يواجهني بذلك لا بلفظة ولا بحركة، تأكدت ساعتها أنني في حماية أدهم بك، وأنني مثل أبي من رجالهما هو وأبيه، لا شعوريا وضعت قدما على أخرى.
سمعت كثيرا عن طيش أدهم بك ونزقه، ولكني لاحظت أنه منذ قدم إلى العشة لم يمارس أيا من تلك الموبقات التي سمعت أنه من أقطابها، اللهم إلا نظراته الشبقة لجسد سوسن المتمايل على نغمات ذلك العواد العجوز الجالس خلفها يدندن بأعذب الألحان، لم يشرب أدهم بك البيرة لم يدخن الحشيش لم أره يمضغ الأفيون، اكتفى فقط بتدخين سجائره العادية يخرجها من علبتها الذهبية واحدة تلو الأخرى كان مدخنا شرها واكتفى أيضا بشرب القهوة السادة أو الشاي المر، علمت أن كييفة الأفيون يشربون القهوة والشاي بدون سكر وأدركت أن ادهم بك كان يستنكف أن يشارك هولاء الأسافل في نظره ما يقومون به هكذا على الملأ وأنه كان يخشى أن يخبر أحد أباه بذلك أو أنه كان يخشى كبسات البوليس المتوقعة في كل لحظة، فكان حريصا أن يكون نظيفا تماما هو والمائدة التي يجلس عليها من كل ما يمكن أن يؤخذ عليه اجتماعيا أو قانونيا.
كان لأدهم بك كما علمت بعدها، مأخورا ٱخرا خاصا به وحده هو وخلصائه يطلقون عليه استراحة شيدها أدهم بك في أعلى زريبة المواشي الخاصة بأبيه الحاج نعمان، الذي تقيده بالطبع العشرة أفدنة التي تملكها ام ادهم فلم يقوى على الاعتراض.
يمارسون في تلك الاستراحة نزواتهم بعيدا عن العيون، ما الذي يأتي بأدهم بك إذا إلى عشة ناعسة؟
لاحظت أن سوسن وهي تهتز بجسدها تنظر إلى أدهم بك نظرات أكثر شبقا من نظراته إليها، تأكدت أن هناك شيئا ما بينهما، فكرت أن ادهم يأتي فقط من أجل سوسن.
كانت نظراته تتحول إلى جمرات من الغضب كلما اقتربت سوسن في رقصها من المائدة التي يجلس إليها شمشون وعصبته، يبدو أن شمشون هو الٱخر يعشق سوسن ويريدها، نظرات سوسن تؤكد أنها تخافه وتحتقره وتكرهه وأنها تعشق أدهم بكل جوارحها ، يبدو أن شمشون سيكون عقبة كؤود بين العاشقين، فلمن تكون الغلبة للقوة والبلطجة أم للمال والشباب والحب؟
رغم ترحيب أدهم بشمشون وعصابته، إلا أن نظراته إليه كانت تحمل مزيجا من الكره والاحتقار وبعضا من الخوف، نظرات شمشون أيضا لم تكن طيبة لأدهم وإن اختلفت في مضمونها وفي ذلك الخليط الذي تحمله أيضا فهي نظرات ساخرة مستهترة حاقدة وخائفة أيضا، فشمشون في طبيعته جبان حاقد يتخفى وراء قوة مزعومة وأسطورة وهمية صنعها جهل وغباء هؤلاء الأهالي الذين يتقنون صناعة الفراعين، نعم كان شمشون فرعونا صنعه جهل الناس وخوفهم.
انتهت وصلة رقص سوسن، ولكن لم ينفض زحام المتحلقون حولها من السكارى المنتشين بالكؤوس والأنفاس الزرقاء.
أخرج ذوو الجلابيب المهلهلة والمرقعة بعشرات الرقع قروشهم القليلة المغموسة بعرقهم في أيام موسم جني القطن، وألقوها بين يدي الراقصة اللولبية كما سماها ذلك الخلبوص المتهتك الذي يقدم فقرتها بلهجته النسوية الخالصة، هو أيضا كان يجمع النقوط من تحت قدميها ويقول بين الفينة والفنية:
…الله عليكي يا أبلتي
يعود الفلاحون إلى مقاعدهم وشيشهم ينتظرون بعض الوقت حتى تظهر راقصة أخرى، و ينيب أدهم بك أحد رجاله ليقدم لسوسن رزمة من الأوراق النقدية مستنكفا أن يقدمها لها بنفسه، يرى وضعه الاجتماعي لا يسمح له بذلك رغم عشقه لسوسن وجسد سوسن درجة الجنون
أما شمشون السبع فيخرج رزمة أكبر من تلك التي أخرجها أدهم بك ويقوم ليقدمها لسوسن ورقة ورقة وهو ينظر ناحية أدهم بك محاولا إثارة غيرته، خاصة عندما تتلمس يده بوقاحة أجزاء من جسد سوسن شبه العاري، ويبدو أنه نجح في ذلك فلقد كانت عينا أدهم تقدحان شرارا، ظننت أن المعركة ستقوم بين الطرفين، بل تمنيتها لأرى سيدي أدهم وهو يلقن ذلك الساخر الهازئ علقة ساخنة، لكن يبدو أنه كان موقفا متكررا، وسيمر مرور الكرام كما مر غيره من المواقف، فالرجلان يبدو أن كليهما يحمل في نفسه خوفا كبيرا من الٱخر، لا أستطيع تحديد نوعه عند كل منهما، لكنه بالتأكيد موجود، نظراتهما المتبادلة تؤكد ذلك، أما الشئ الوحيد المشترك في نظراتهما هو ما تشي به عن كراهيتهما بعضهما للٱخر، نظرات أدهم تحمل فوق الكراهية والخوف، نظرات ازدراء واحتقار، أما نظرات شمشون فتحمل قدرا كبيرا من السخرية والحقد والحسد، نعم فقد كان شمشون ينقم على أدهم ثرائه ووسامته وصيت عائلته ونفوذها ويقول في قرارة نفسه لولا ما تملكه من مال وعائلة ونفوذ لدهستك بحذائي كما أدهس صرصارا حقيرا.
وبعد أن انتهى شمشون من إلقاء نقوده بين يدي سوسن أشار إلى رجاله ليتبعوه خارج العشة عائدين إلى وكرهم، ثم ما لبث أدهم بك أن تبعهم مصطحبا رجاله هو الٱخر، وخلت العشة إلا من أمثال أبي ورفقاء فقره وفاقته منتظرين وصلة رقص أخرى من راقصة أقل جمالا وبراعة من سوسن يريقون بين يديها ما بقي في جيوبهم من قروش.
لست أدري لماذا شعرت بالوحشة بمجرد مغادرة أدهم بك لعشة ناعسة رغم وجود شقيقي سلطان وصابر ورغم وجود أبي خلف باب إحدى الغرف المغلقة يمارس غواياته ونزواته، ربما كان شعوري ذلك مبعثه فقداني لتلك الحماية الوهمية التي أسبغتها بنفسي على نفسي بوجود أدهم بك وبظني أنني أحد رجاله، نعم أنا رجل، رجل مثل كل هؤلاء الجالسين يشربون ويدخنون، سيأتي يوم وأفعل بهم ما يفعله أدهم وشمشون وسيخضعون لي.
وخرجت سميحة تلك الراقصة المترهلة التي تتكسب بعريها أكثر ما تتكسب بفنها، وسرعان ما انتهت وصلتها وأراق المغفلون قروشهم بين يديها وبدأت وصلة فصال على صاحب الحظ الذي سيقضي ليلته معها، طلبت جنيهت كاملا ممن يريد أن يقضي ليلته معها، لم يكن هناك حياء أو مواربة بل الاتفاق علنيا وأمام الجميع وبلهجة متهتكة سمعتها:
…اللي ممعوش ميلزموش يا أخويا انت وهو
وأحصى الأغبياء ما في جيوبهم ولم يكن يملك الجنيه إلا سمعة بتاع المراشح والمراشح جمع مرشحة وهي ما يضعه الفقراء على ظهور حميرهم أما الأغنياء فيضعون البرادع، وفاز سمعة بالرزيلة وبالوليمةوالمسمومة، فاز بليلة مع سميحة.
وانفضت الليلة وعاد كل إلى بيته وخرج أبي من الغرفة متعسرا في خطواته حتى كاد أن يسقط أكثر من مرة لولا أن سنده من جانبيه شقيقي سلطان وصابر، يبدو أنهما قد اعتادا ذلك وأسنداه حتى اركباه حماره وما زالا يسندانه وهو راكب وانطلقوا عائدين إلى دارنا وانا أتبعهم في صمت.
استيقظ مع أول تباشير الصباح على ضجيج أبناء أشقائي وزوجاتهن، تداعب خياشيمي رائحة البيض المقلي في الزبدة الفلاحي، الذي لن أتناوله فلن تبقي تلك الأفواه النهمة شئ منه لي، وبالتأكيد لن تفكر واحدة من تلك النسوة القاسية قلوبهن أن تعد لي طبقا منه، يكفي أن تمد لي إحداهن يدها بقطعة من باقي خبز الأمس الشهي ومعها قطعة جبن خضراء طرية، ما زلنا في أيام رخاء موسم القطن العظيم، في الأيام القادمة سأبحث عن كسرة بتاو يابسة اتغلب على مرارها وصلابتها بقليل من الماء وأغمسها بقطعة من مش يرتع فيها ذلك الدود الأبيض، قالت لي نعيمة يوما عندما رأتني أخاف وأقرف منه ، كل الدود يا رجب قبل أن يأكلك….ترى هل اكلك الدود يا نعيمة…هل صارت رائحتك مثل رائحة المش؟
لم أشم رائحة ميت من البشر من قبل، يقولون أنها أكثر عفنا من رائحة جيفة بهيم ميت، يعرفون ذلك ويتكبرون على بعضهم بعضا، هل سيأكل الدود جسد أدهم بك وشمشون وسوسن والحاج زيدان والحاج نعمان، هل ستتحلل جثثهم وتصدر عنها روائح عفنة؟
ما أعجب هؤلاء البشر!
يعلمون ذلك ويتكبرون ويتصارعون ويقتل بعضهم بعضا وهم يعلمون أن مٱلهم إلى جيفة نتنة تأكلها الأرض ولا تبقي منها غير رفات وعظام نخرة، سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أخرج إلى الشارع قبل أن ينتبه لي الشياطين أبناء إخوتي ويبدأون في مشاكستي والتلذذ بصرخاتي، كان اليوم هو يوم الجمعة العظيم، أشم في هذا اليوم رائحة رمضان، قليلا ما اتعرض لأذى فيه وبالذات قبل ٱذان ظهر الجمعة، أشعر أن الناس قد انقلبوا فيه فجأة إلى مؤمنين صالحين نظيفي الثياب متطهرين، تفوح منهم روائح العطر وهم ذاهبون إلى المساجد مسرعين و قبل أن يرتقي الخطباء المنابر، ٱه لو كانت الأيام كلها أيام جمع وٱه لو طالت فترة ظهر الجمعة هذا ولم يأت العصر ولا المغرب ولا العشاء، يقولون أن في هذا اليوم ساعة إجابة من الصباح وحتى صلاة ظهر الجمعة، يدعون الله فيها بأحلامهم وأمنياتهم، وبالطبع لن يظلموا أو يسرقوا أو يشتموا أو يضربوا وهم ينتظرون أن تلبي السموات دعواتهم، وبالطبع يجد أمثالي من الضعفاء المغلوبين أمانا في تلك الساعات القليلة.
المسيحيون أيضا كانوا يذهبون بكثرة إلى كنائسهم في هذا اليوم رغم أن يومهم العظيم هو يوم الاحد، إلا أن الكنائس تمتلئ بهم يوم الجمعة يسمعون العظات ويقيمون الصلوات ويقدمون النذور والعشور.
وتنتهي صلاة الجمعة وينتشر هؤلاء في الأرض خلقا ٱخر غير الذي كانوه قبل الظهر، ويعودون إلى سابق موبقاتهم وخطاياهم، ويعود الشياطين الذين جاءوا من أصلابهم إلى معاكستي ومشاكستي وهم يضحكون ويقهقون.
في هذا اليوم أيضا ترى النسوة متسكعات أمام دورهن بعد دلقهن ماء اغتسالهن من مغامرات ليلة الخميس، ونشرن على حبال الغسيل ثيابهن التي شهدت ما دار بينهن وبين أزواجهن، حتى التي خذلها رجلها تفعل مثلهن حتي لا تشمت بها الشامتات ويدور الحديث بينهن عن ما كان وكان غير ٱبهات لٱذان لها ذاكرات لاقطات الحصى، تسمع وتخزن.
أقضي يومي متسكعا، بين الشوارع والأزقة هاربا من عبث الصبية، محتميا بعتبة دارنا حينا وبعتبة زريبة الحاج نعمان أغلب الوقت فلن يجرؤ أحد أن يتعرض لي وأنا هناك.
وينقضي الوقت سريعا وتسافر الشمس إلى الناحية الأخرى من العالم وأقبع أمام دارنا منتظرا خروج أبي على حمارتنا متجها إلى عشة ناعسة، فاتبعه إليها.
ولا يتأخر علي أبي،و أسير خلفه وهو لا يشعر بي، ونصل إلى عشة ناعسة ويربط أبي حماره في الشجرة كعادته، ويدخل مسرعا وأدخل وراءه ولا أجده في الصالة ، ذهب إلى غرفة القمار بالتأكيد، أدهم بك لم يكن قد حضر بعد، ولا شمشون السبع أيضا، أشعر بالضيق فلن تحدث المواجهة التي اتمناها، اصبر نفسي أننا ربما جئنا مبكرين وأنهما سيأتيان بعدقليل، كانت العشة قد ازدحمت بالكثيرين من روادها، أغلب تلك الوجوه رأيتها في الظهر تغادر المسجد والكنيسة وعلى وجوهها سيماء الطهر والإيمان، مالي أشعر الٱن أنها فقدت ذلك البريق المبهج الذي كانت عليه في الصباح وحتى الظهر، هل هي نفس النفوس؟ ولو كانت هي مالي أشعر أنها قد تشيطنت وسكنتها أرواحا شريرة غير التي كانت عليها؟
تخرج إحدى الراقصات من عينة سميحة، تقدم وصلة رقصة فجة بوقاحة لا تجد منها حرجا، تقيم مزادا هي الأخرى، يفوز به سلومة المراكيبي هذه المرة، وسلومة هو صانع المراكيب وهي نوع من الأحذية التي تصنع من جلود الحيوانات بنعل خشبي يصنعها سلومة لكل أهل بلدنا أغنيائها وفقرائها تختلف من حيث جودتها ونوعية الجلد المستخدم فيها كل حسب سعته ويساره للفقراء نوع واحد وللأغنياء أنواع وأنواع.
ويمضي الوقت ولا يأتي أدهم بك ولا شمشون ولا تخرج سوسن لتقديم وصلتها وتبدو ناعسة حزينة عابسة، فالرزق هذه الليلة قليل، أعلم بعد ذلك من حديث السكارى أن سوسن لا ترقص غير يومين في الأسبوع هما يومي الأثنين والخميس، بالأمس كان الخميس، فلن يأتي أدهم ولا شمشون إلا يوم الإثنين القادم.
أشعر بالخوف والكٱبة، بعد أن فقدت ذلك الشعور بالأمان الذي أعطاه لي وجود أدهم بك بالأمس وفقدت أيضا نصف كوب البيرة التي كنت أمني نفسي أن يأمر لي به أدهم بك مثل الأمس و اتلذذ بخضوع فتوح وهو يقدمه لي، وأحزنني أيضا أن فرصة المواجهة بين أدهم بك وشمشون والتي حلمت بها قد ضاعت علي الليلة وأن على الانتظار إلى يوم الإثنين.
فكرت أن أغادر العشة وأن أعود إلى بيتنا فقد فقدت السهرة لذتها بالنسبة لي، منعني الخوف والليل أن أعود وحيدا لم أجد بدا من انتظار أبي وأخوتي بعد أن ينهوا سهرتهم وأرجع معهم محتميا بهم.
وأنا في انتظاري القلق الحزين انتبهت على صوت سيارة قادمة باتجاه العشة، نظرت إلى الباب ولمحت أضواءها تقترب، يا لسعادتي إنها سيارة أدهم بك، الحمد لله أن جبني قد أجبرني على الانتظار، فها هو سيدي أدهم بك قد أتى، لا إراديا وضعت قدما على قدم ونظرت ناحية فتوح متشفيا فبعد قليل سيأتي إلي خاضعا ومعه كوز البيرة والشيشة، نعم بالتأكيد سيأمره أدهم بك بذلك.
ودخل أدهم بك و كان وحيدا بلا صحبة، أعاد ذلك القلق لنفسي مرة اخرى، لم ينتبه أدهم بك لوجودي ولم يأمر لي بشئ مما تقت إليه ولم يأمر فتوحا بشئ لرواد العشة مثلما حدث بالأمس، فقط استقبلته ناعسة بترحاب وهمست في أذنه ببضع كلمات وأمرت له بفنجان القهوة السادة، لاحظت أنه يشربه على عجل وعيناه تراقبان باب إحدى الغرف، ولم يكن قد انتهى من شربها حين خرج من تلك الغرفة رجل يرتدي جلبابا فاخراً ويغطي معظم وجهه شال صوفي لا يظهر منه سوى عينيه، يبدو أن الأمر معتاد لرواد المقهى فلم يثر لا فضول ولا تساؤلات أي من رواد العشة، لم يثر فضول أحد سواي، وزاد فضولي وكاد أن يقتلني وأنا أرى أدهم بك يصطحب ذلك الرجل الذي لا اعرفه، ويركبان معا السيارة ويغادران المكان.
وعدت إلى حالتي من الخوف والكٱبة منتظرا أبي وأخوتي وقدمت سميحة وصلتها وتكرر ما حدث بالأمس حرفيا وفاز بها من فاز وانتهت الليلة وخرج أبي وأخوتي وتبعتهم وعدنا إلى البيت.
نازعتني نفسي في اليومين التاليين ألا أذهب خلف أبي إلى عشة ناعسة، كان ملل ليلتي الأخيرة وعدم وجود أدهم بك ولا شمشون السبع وشلتيهما وعدم رقص سوسن، كلها أمور تدفعني دفعا نحو هذا الخاطر، نعم فقد فقدت شغفي للذهاب إلى هناك، وبالفعل أزمعت على ذلك، لولا أنني تذكرت أنني سأكون مضطرا للبقاء في دارنا معرضا نفسي لتحرش أبناء إخوتي وزوجاتهن بي وتعرضي للإهانة والسخرية والضرب، أو اختار بديلا عن ذلك التسكع في الشوارع حتى يعود أبي فأكون وجبة للشياطين الصغار ومشاكساتهم لي في أول الليل قبل أن يعودوا لديارهم يحكون لٱبائهم وأمهاتهم ما فعلوه بي ويسمعون لهم وهم يضحكون، ثم تتسلمني الكلاب الضالة في ٱخر الليل قبل أن يعود أبي من عشة ناعسة.
دفعني ذلك التفكير أن أتبع أبي إلى هناك مستجلبا لنفسي الأمان في وجوده هو وشقيقي صابر وسلطان.
وبالفعل ذهبت معهم وقضيت ليلتي السبت والأحد هناك ومضت الليلتان كسابقتهما مملتان بلا أية أحداث تذكر إلا تكرار حضور سيدي أدهم بك وتناوله قهوته على عجل و اصطحابه ذلك الرجل الذي لا أعرفه، أمر وحيد مختلف حدث وهو أنني شاهدت سيدي أدهم يعطي ناعسة رزمة أوراق نقدية ولمحت في عينيه نظرة غضب شديد لما طالبته ناعسة بالمزيد، و أعطاها رغم غضبه كمية أخرى من الأوراق النقدية.
وجاء يوم الإثنين ومر نهاره الشتوي رغم قصره طويلا مملا، وجعله استعجالي قدوم الغروب كأنه سنة أو تزيد، فهي ليلتي المرتقبة، سيطول بقائي في حماية سيدي أدهم بك وسيأمر لي بكوز البيرة وسيأتي لي فتوح به وبالشيشة رغم أنفه سيأتي ناحيتي وهو متذمر دون أن يستطيع مواجهتي بتذمره هذا، وسأشرب وأدخن وأملي عيني من هزات جسد سوسن الفاتن ولن يجرؤ أحد على إهانتي، وقد تحدث المواجهة التي اتمناها بين أدهم وشمشون، وأفرح بسيدي وهو يكسر أنف شمشون وعصابته، لست أدري لماذا كنت أكره شمشونا هذا؟
وذهبت خلف أبي وبعد وصولنا بدقائق وصل أخوي سلطان وصابر ثم جاء سيدي أدهم وصحبته، و أول ما وصل وقبل أن يجلس أمر فتوحا أن يفتح البيرة لكل رواد العشة ولم ينسني أنا أيضا بل سلم علي وضحك في وجهي ثم ذهب إلى مائدته، ووضعت مرة أخرى قدما على قدم منتظرا قدوم فتوح بما أمره به سيدي أدهم وقد كان.
ولمحت وأنا منتش نظرات الغيظ في عيني فتوح ولمحت فيها شيئا ٱخر لم أفهمه وقتها، ورأيته و هو يميل ناحية أدهم بك ويهمس في أذنيه ببضع كلمات، لم أكن مطمئنا وهو ينظر ناحيتي بغل، بعد أن بخ سمه في أذن أدهم، خفت أن يأمر بطردي من العشة، وأنا اتساءل في حيرة ماذا قال له هذا اللعين عني؟
ثم اختفى فتوح قليلا و عاد وهو يحمل سطلا مملوءا بالماء ولوفة وقطعة صابون بيضاء، ويتجه ناحيتي، ماذا يريد ذلك الوغد؟ هل أخبر أدهم بك عن قذارتي ورائحتي النتنة و أخبره أنني يجب أن أستحم، هل يريد أن يسخر بي ويجعلني اتعرى أمام الجميع وأكون أضحوكتهم وتسليتهم في تلك الليلة؟
ربما تكون نيته طيبة فيجعلني استحم في غرفة من تلك الغرف فأشكر له تحقيق حلمي القديم الجديد الذي لن يفارقني أبدا، لكنه لم يأت لي بثياب جديدة غير تلك البالية التي تداري سوأتي، ربما جهزها لي بالداخل، ربما.
ولم يتركني فتوح في حيرتي كثيرا، وسمعته يقول لي بسخرية وتشف: قوم يا رجب اغسل الفرسه بتاعت سيدك أدهم
تظاهرت بعدم السمع أو الفهم وأنا أهمهم همهماتي المعتادة الغامضة فأعاد علي كلماته بصوت مرتفع وهو ينظر ناحية أدهم بك الذي أشار إلي بيده بما يعني أن أفعل ما أمرني به فتوح.
ووقفت مترددا، وفي داخلي خليط من مشاعر متناقضة، كنت مغتاظا من فتوح الذي منعني من الوجود بجوار أدهم وسعيدا بأدائي خدمة لسيدي مما يجعل إحساسي أنني واحد من رجاله ليس وهما وكنت في نفس الوقت خائفا من فرسة أدهم بك فلم يسبق لي أن قمت بهذه المهمة من قبل، فمن أدراني ألا تعضني أو ترفسني رفسة تقضي علي، ثم إن الجو بارد أليس في ذلك خطر علي وعلى الفرسة؟
لم يتركني فتوح لتساؤلاتي كثيرا وأعطاني السطل، وتحسست الماء فيه، كان ساخنا، يا اللعين ها قد أجاب على إحدى تساؤلاتي، ثم مضى بي إلى حيث الفرسة مربوطة في عشة مسقوفة دافئة وأمرني أن أضع عليها السرج والجلال بمجرد انتهائي، ٱه نسيت أن أخبركم أن الجلال بكسر الجيم هو كساء من الخيش نضعه على ظهر البقر والخيل في أيام الشتاء، تقدمت من الفرسة مترددا خائفا و ملست بهدوء على وجهها وشعر رقبتها والحمد لله وجدتها هادئة وديعة، أنجزت مهمتي سريعا وبإتقان لم أترك جزءا من جسدها إلا ونظفته بالماء والصابون، كنت أحسدها على نظافتها، كنت اتمنى أن أكون مكانها حتى وإن امتطاني أدهم، المهم أن أجد من ينظفني، كنت اتعمد أن تأتي رغوات الصابون وبعض من الماء الدافئ على جسدي، ربما أزالت قليلا من أقذاري وعفني، وتبللت ثيابي كلها وبرد الماء على جسدي وبدأ البرد يضرب عظامي بشدة، وأنا أغسل الفرسة جاء شمشون وعصابته ودخلوا العشة وتعجلت إنهاء مهمتي لكي لا يفوتني مشهد واحد مما يدور، ودخلت حاملا السطل الفاضي وأنا ارتعش من البرد وجلست في مكاني اتفرج على سوسن التي كانت قد بدأت وصلتها بعد أن أمر أدهم بك بصندوق البيرة لشمشون وعصابته، وأمر لهم أيضا بالخروف المشوي.
ويا لفتوح اللعين الذي ما أن لمحني أجلس في مكاني حتى ذهب ناحية شمشون وأسر له ببضع كلمات ثم جاء ناحيتي وهو يحمل السطل واللوفة وقطعة الصابون ويقول لي: قوم اغسل حصان المعلم شمشون يا رجب وبعد متخلص ليك كوز بيرة.
قمت مغتاظا، لم يتدخل أدهم بك في الأمر كنت أظنه سينهر فتوحا وشمشونا ويخبرهم أنني رجله هو وأن خدماتي له هو ووووو ولكنه لم يفعل.
و ذهبت صاغرا إلى حيث حصان شمشون، لم أكن خائفا هذه المرة فالخيل أليف وحنون وليس قاسيا كالأنسان، وتقدمت ناحية الحصان واقتربت منه وما أن وضعت يدي على رقبته حتى صهل بقوة وفتح فمه على ٱخره ثم أطبقه على إبهامي قاطعا منه عقلتين كاملتين، يا اللعين إنه قاس كصاحبه، وظللت أصرخ واجعر ويدي تنزف وتنزف ورواد المقهى الذي التفوا حولي يضحكون ويضحكون، و فتوح اللعين أتى ببعض من البن وكبس لي به الجرح وهو يضحك أيضا، ثم أمر أدهم بك أخوي سلطان وصابر أن يأخدانني إلى المستشفى بعد أن أعطاهما خمسة جنيهات وكان يبدو عليه الضجر من بكائي وجعيري اللذان يوشكان أن يفسدا عليه ليلته.

