وذهب بي أخوي إلى المستشفى، وخاط لي أحد الممرضين جرحي، بعد أن نظفه من الدم والبن وطهره بصبغة اليود المؤلمة والتي جعلت صرخاتي تشتد وتتضاعف، ثم لفه بشاش طبي وكان الجرح رغم الخياطة ما زال ينزف، وتحول لون الشاش الأبيض إلى الأحمر، و في وسط صرخاتي وألمي لاحظت فرحة شقيقي بباقي الخمسة جنيهات التي أعطاها لهما أدهم بك من أجلي، لم ينفحا الممرض الذي خاط جرحي، إلا نصف جنيه فقط وتقاسما الباقي أمامي ، ثم أعاداني إلى بيتنا و ذهبا ليكملا باقي سهرتهما في عشة ناعسة، حقا كما يقولون مصائب قوم عند قوم فوائد، أنا أفقد جزءا من جسدي وسلطان وصابر يربحان مالا بغير أن يفقدا شيئا، أصبح حزني مضاعفا الٱن مرة لقطع نصف أصبعي والمرة الأخرى لأن شقيقي لم يعطياني شئيا مما فازا به يا لهما من طماعين!
لم يبد أحد من سكان بيتنا تعاطفا أو شفقة تجاهي، لم ألمح في العيون غير سخرية ولا مبالاة بي أو لي، لم تسألني واحدة من زوجات أشقائي عما حدث ليدي، وإن كنت ما زلت أشعر بالألم أم لا؟ اعتقد أنهن تضجرن في البداية من صرخاتي التي أزعجتهن، ثم ما لبثن أن استرحن عندما هدني التعب والنزف والجوع والبرد الذي أصابني جراء ابتلال ثيابي وأنا أغسل الفرسة، فتكومت على نفسي في مكاني بجوار الباب، وخلفي الكنيف الذي يعبق المكان كله برائحته الخالدة والتي يبدو أنها ستظل ملازمتي مادمت حيا كأن الدنيا لم يكفها ما أصاب جسدي من عفن ونتن فضاعفت حمولها فوق كتفي الضعيفين، كم تمنيت في تلك اللحظة أن تتذكرني إحداهن ولو بكسرة من الخبز اليابس تسكت صوت معدتي الجائعة ولكنهن لم تفعلن.
هاجمت خياشيمي في تلك اللحظة رائحة الشواء الذي أعده أدهم بك لشمشون والذي كنت أمني نفسي أن أفوز ببعض مما يفيض عنهم من دهن وعظم مثلما حدث في ليلة الخميس الفائت ولكن فتوح اللعين وحصان شمشون المتوحش قد حرماني من ذلك.
تخيلت شقيقي صابر وسلطان ومعهما فتوح وباقي عمال العشة يلتهمون بنهم ما جادت به عليهم تلك الطغمة من الأشرار بما فاض من بطونهم الشرهة المتخمة، فكرت لحظتها أنه كما هناك من يموتون من الجوع مثلي فهناك ولابد أناس يموتون من التخمة، إذ جاء في خاطري في تلك اللحظة صورة ابن شقيقي سلطان ذلك السمين البدين القصير والذي تركته أمه يأكل في حلة الكرنب المحشي في الشتاء الماضي حتى أتى عليها كلها وقبل أن تفتك به أيادي الأسرة الجائعة، كانت صرخاته قد انطلقت ألما وقد انتفخ بطنه ونزف أنفه وخرج السر الإلهي قبل أن يلحقه طبيب أو مستشفى،وما زالت أمه ترتدي السواد وتتهم أعين سلائفها أنهن السبب في موت ابنها، وتدعو على أبنائهن أن ينلن نفس المصير.
هدني الألم والجوع والبرد وتكومت تحت ذلك الحرام الصوفي الممزق المهترئ المسكون بالبراغيث والبق والذي وإن كان يدفع عني بعضا من البرد إلا أنه يجلب لي أقسى اللذغات وأنتن الروائح، وإن كنت لا أعتقد أنني ما زلت أشم أو اميز بين النتن والطيب من من الروائح.
استغرقت في النوم مشتاقا إلى صباح جديد، يأتي بما يأتي فلم أعد أبالي، كل ما اتمناه الٱن أن يتلاشى الألم ويختفي الجوع، لا أحلام أخرى لي، وأنى لمثلي أن يحلم؟
ظللت على حالي تلك يومي الثلاثاء والأربعاء متحملا ٱلامي وتحرشات أبناء أشقائي الصغار وسخريتهم مني وضحكاتهم كلما صرخت وجعرت، أحدهم انتبه ليدي المصابة وفاجأني بضربة بعصا خضراء طويلة جعلت جرحي يعاود النزف وأنا أصرخ واتلوى ألما، واكتفت أمه اللعينة بإبعاده عني وهي تصرخ في وجهي قائلة:
..ما تبطل جعير يا أهبل إنت أمال لو ضربك بعيار كنت عملت إيه؟
ومشكورات زوجات أخي كن يقدمن إلي وجبتين متشابهين كل يوم إحداهما في الصباح والأخرى في الليل بعد أن ينتهين من إطعام أنفسهن وإطعام شياطينهن الصغار وأزواجهن، كن يقدمن لي كسرات من خبز يابس وقطعة جبن قديمة مملوءة بالدود الأبيض الشهي، نعم شهي، نفذت وصيتك يا نعيمة وأكلت بنهم الدود قبل أن يأكلني، عصافير معدتي الصارخة جوعا وألما تدفعني لأكل الثعابين وليس الدود، نعم نعم الثعابين، أليست أفضل من الطوب الذين يقولون أن الجائع يأكله؟
استيقظت يوم الخميس مستشعرا تحسنا في يدي، وتناولت إفطاري وخرجت اتسكع في الشوارع متحاشيا ضربة أخرى من صغير لئيم، وذهب من فوري إلى زريبة الحاج نعمان وجلست على عتبتها أمنا من مشاكسات أولاد الشوارع ورزالتهم.
وانتظرت حتى أتى المساء وذهبت إلى بيتنا منتظرا خروج أبي لأتبعه إلى عشة ناعسة.

لم يطل انتظاري طويلا، سرعان ما خرج أبي ساحبا حمارته العجوز الهزيلة شريكتي في السكنى خلف باب دارنا، أحمد لها أنها لم تدوسني أو ترفسني أو تعضني يوما مثلما يفعل بي شرار البشر، واتساءل هل لأنها عجوز ضعيفة لا تفعل ذلك، وهل لو أدركتها في فترة شبابها وعنفوانها كنت سألقى منها ما ألقاه ممن منحهم الله القوة وغلظة القلب؟
لم ينهكني السير خلف أبي وأنا أتبعه باتجاه عشة ناعسة، كنت سعيدا خفيفا أشعر وكأنني أطير، كانت الليلة من أجمل وأهم ليالي العشة، ففيها طعام وشراب ورقص وغناء، لن يطلب مني أحدهم أن أغسل حصانه، جرح يدي ما زال محاطا بالشاش وصبغة اليود، لن تبلغ بهم القسوة ذلك، سأستمتع بتلك الليلة بلا أية منغصات.
ووصلنا إلى عشة ناعسة، سمعت صهيلا بت أكرهه، صهيل حصان شمشون السبع، أدركت أنه وعصبته بالداخل، لم يأت أدهم بك بعد فلا فرسه ولا سيارته موجودان، دخلت بعد أن أختفى أبي خلف أحد الأبواب، استقبلني فتوح ساخرا وهو يقول:
…أهلا سي رجب..جرحك عامل إيه بيقولوا حصان المعلم شمشون قطع صابعك…هههههههه
كم أكرهك يا فتوح فأنت من اخترع لي تلك الوظيفة الجديدة، لولاك ما حدث لي ما حدث لولاك لما فقدت جزءا من جسدي لعنة الله عليك في كل كتاب.
انتبه شمشون لسخرية فتوح مني فنهره مؤنبا وهو يقول له:
..يا أخي متخلي عندك شوية رحمة وسيب المسكين في حاله
وطاطى فتوح رأسه، ولم ينطق بكلمه واحدة وانصرف إلى شؤونه
ثم نادى علي الريس شمشون، ذهبت إليه مرتعبا من فكرة أنه قد يأمرني بغسل حصانه مرة أخرى تحسست جرح يدي، سمعته يقول
..ألف سلامة عليك يا رجب ثم أدخل يده في جيبه وأخرج خمسة جنيهات كاملة، أعطاها لي وهو يقول:
…خد الخمسة جنيه دي يا رجب هاتلك حتة كبدة ترم عضمك وتعوض الدم اللي نزفته ده يا ولدي
في اللحظة التي تناولت فيها الخمسة جنيهات وأنا أسبح صامتا بحمد المعلم شمشون الذي أحببته كثيرا في تلك اللحظة وتمنيت أن أكون مثله يوما، دخل أدهم بك وشاهده وهو ينفحني تلك النفخة الثمينة، لم ينتظر حتى يجلس على مائدته ونادى علي هو الٱخر وسألني عن حالي وأخرج من جيبه عشرة جنيهات كاملة وهو يتعمد النظر ناحية شمشون وينظر أليه نظرت ذات مغزى، ثم نادى على فتوح وأمره أن يفتح صناديق البيرة لشمشون ولكل رواد العشة وشدد عليه أن يأتي لي بزجاجة بيرة كاملة.
يا فرحتك يا رجب خمسة عشر جنيها كاملة في ليلة واحدة، ستضيفها إلى كنزك، لقد اقتربت كثيرا من تحقيق حلمك، ستشتري أول عنز في قطيعك، يوما ما ستصبح مثل هؤلاء السادة، تجلس وتطلب، تشرب وتأكل ويخدمك فتوح وغير فتوح وهم صاغرين غير ساخرين ولا متفضلين، ستشعرك سوسن أنها ترقص لك وحدك، ستقوم ناعسة على مائدتك ترى طلباتك وتتحرى رضاك.
لم تطل فرحتي كثيرا بتلك العطية السماوية، إذ عن لي خاطر أرقني، فقد لاحظت نظرات شقيقي صابر وسلطان إلي، أحسست فيها طمعا فيما صرت أملكه من جنيهات، كذلك أرابني تودد فتوح إلي، فبعد أن جاءني بالبيرة التي طلبها لي أدهم بك، أتى لي بشيشة وقدمها لي وهو يقول:
…أحلى شيشة للباشا رجب
لابد أنه يطمع هو الٱخر في نقودي، أخواي أيضا لابد أنهما يفكران الٱن كيف يستوليان عليها مني، يظنني الجميع عبيطا، لا لست عبيطا، سأثبت لكم الٱن وبعد الٱن أنني لست عبيطا.

تظاهرت بأنني أريد قضاء حاجتي، بطريقة مضحكة أمسكت ببطني بيد و بيدي أخرى تصنعت الألم وأنا أرفعها للأعلى قريبا من أذني، وخرجت من باب العشة وسط سخرية وضحكات كل روادها وقد ظنوا أن البيرة وما أكلته من بواقي طعامهم من دهن وعظام قد فعلا بي مفعولهما.
وانتحيت متقرفصا خلف أحد جدران العشة غير المتاحة للأعين، متظاهرا أنني أقضي حاجتي ويدي تخمش الأرض صانعة حفرة شبه عميقة وأخرجت من جيبي الخمسة عشر جنيها ودفنتها، منتظرا على أحر من الجمر صباح يوم غد، وفي غفلة من الجميع أخرجها من مأمنها وأذهب بها إلى حيث أخفي كنزي الثمين، وعدت إلى العشة متابعا بشغف كل ما يحدث فيها.
ودخل من باب العشة رجل يجري لاهثا باتجاه ناعسة، وانتحى بها جنبا يحدثها من وسط لهاثه، لم يبد الرجل غريبا علي، تذكرته إنه أحد الرجال الذين كان يعملون في قسم الشرطه، اتذكره من أيام حادثة جرجس خادم الكنيسة، نفحته ناعسة مبلغا نقديا، وانصرف، بعدها انقلبت العشة رأسا على عقب وسمعت كلمة حكومة تتردد في أرجائها، وعلى عجل غادر شمشون وعصبته وادهم بك وصحبته وأخليت الغرف المغلقة من روادها الذين خرجوا للجلوس في الصالة، وارتدت الراقصات ثيابا محتشمة، واختفت أدوات التحشيش وزجاجات البيرة، وأصبح الشاي والقهوة والمعسل الحاف غير المحتوي على أية مخدرات، هم المسموح بهم لزبائن العشة، وأصبحت العشة نظيفة تماما من كل ما يمكن أن تؤاخذ عليه ناعسة قانونيا، وجلس عمي سعيد الراوي يدندن بربابته سيرة أبو زيد الهلالي، وكبست الحكومة على العشة بأربع عربات زرقاء ومجموعة من الضباط والعساكر والمخبرين، وفوجئوا بعدم وجود شمشون وعصابته، وجن جنونهم وثارت ثائرتهم وهم يسبون ناعسة وكل زبائن عشتها، وطالبوا الجميع بإظهار تحقيق شخصياتهم، وأخرج الجميع أوراقهم عداي، ولأن السادة الضباط لم يرغبوا أن يعودوا خاليي الوفاض فقد اصطحبوا الوحيد في العشة الذي اعتبروه مخالفا للقانون ولا يحمل أوراقا تدل على شخصيته، ولم يجرؤ أحد من الموجودين في العشة ولا حتى أبي أو إخوتي أن يخبر السادة الضباط أنني رجب العبيط.وذهبت مرة أخرى إلى قسم الشرطة، وللحق فإن وجهي وقفاي لم تمسسهما أيدي السادة الضباط، بالتأكيد أنفوا من ذلك فقد كان قذري ونتني باديان للعيان وتكفلت أقدامهم وأحذيتهم بإشباع جسدي ومقعدتي ضربا وركلا وهما يظنوني اتصنع الخرس والبله.
ومشكورا أبي ذهب إلى الحاج زيدان عضو مجلس الشعب الذي جاء إلى القسم وعبثا حاول إخراجي، إذ أصر السادة الضباط على السير في إجراءاتهم القانونية وسمعت كلمة تسنين والعرض على التجنيد وقضاء الخدمة العسكرية وحكاية كبيرة، وهنا قررت أن أكون عبيطا حقا ورفعت ثيابي وتبولت على أحد حوائط غرفة السيد رئيس المباحث وجلست متقرفصا وتبرزت وجن جنونهم وهم يأمرون عساكرهم أن يأخذونني ويلقون بي خارج القسم وقد اقتنعوا أخيرا أنني عبيط.
وخرجت من القسم، ويا للعجب شقيقي صابر وسلطان ينتظرانني في الخارج ويستقبلانني بترحاب شديد، تبسمت ساخرا، يا للغبيان يطمعان في الخمسة عشر جنيها، يقتربان مني، يفتشان ثيابي، ولا يجدان شيئا، يتركاني وينصرفا وهما يجران أذيال الخيبة وقد ظنا أن المخبرين والعساكر قد سبقوهم إلى سلب الغنيمة مني، وعدت إلى منزلنا وكل الذي يشغل تفكيري كيف أذهب في بأكورة الصباح واحصل على خبيئتي من عند عشة ناعسة وكيف ستكون عشة ناعسة يوم الأثنين، هل ستعود الحياة فيها إلى طبيعتها؟.

كنت بالكاد أرى عندما فتحت برفق باب دارنا المتهالك، لأجري لاهثا ناحية عشة ناعسة، لأحصل من جوار حائطها على غنيمتي، لم يعترض طريقي شئ، فلا صغار أراذل ولا كلاب تعوي، الشمس كانت مازالت تطل من عليائها في خجل، تعيقها غيوم الشتاء أن تخترق حجبها وتنشر أشعتها الذهبية على أرجاء ذلك الجانب من المعمورة.
الحمد لله وصلت هناك سالما، عشة ناعسة تغط في سكون عميق، كأن لا حياة فيها، أخرجت غنيمتي وانطلقت صوب مخبأ كنزي هناك قريبا من بيت جدتي نعيمة، بسرعة أحصيت ما جمعت وأعدته لمأمنه، حلمي يقترب، سأذهب إلى السوق وأعرف كم من الجنيهات تفصلني عن اقتناء أول عنز في قطيعي؟
ومن فوري عدت لدارنا، كان ما زال ساكنا، لم يكن أحد فيه قد استيقظ بعد، قبعت في فراشي المهترئ ملتمسا قليلا من الدفء منتظرا أن تضج دارنا بالحياة وأنال كسرات من الخبز واليابس وقطعة من الجبن القديم ثم أتبع أبي إلى زريبة الحاج نعمان، أبي بالتأكيد لن يذهب اليوم إلى عشة ناعسة، جميع الزبائن لن يذهبوا أيضا، يتخوفون من كبسة الحكومة مرة أخرى، هكذا فكرت ولكن هذا لن يمنعني أن أراقب أبي، ربما أخطأ فكري.
قضيت يومي كله على عتبة زريبة الحاج نعمان، في مواجهتها تماما باب الكنيسة الكبير وفي الجانب الأيسر منها باب المسجد الرئيسي، سمعت عظة الجمعة من الكنيسة، حفظتها تماما، تحدث القس عن حرمة اغتصاب الحقوق وظلم البشر وتحدث عن الصفح والتسامح، وأن الله محبة وأنه لا فضل لك إن أنت أحببت أحباءك، الفضل كل الفضل أن تحب أعداءك وأن تصلي من أجل من يسيؤون لك، تعجبت، كل الناس تخرج من الكنيسة مقتنعة بكلام الرب، ولكنها بعد قليل تستجيب لوساوس الشياطين وهمزاتهم، لا يحبون حتى الأهل والأقارب، فما بالك بالأعداء والمسيئين، أجدر بهم أن يحبوا أقرباءهم وجيرانهم، ثم بعد ذلك يحبوا أعداءهم إن بقي في قلوبهم مكان.
بعد ذلك بدأ قرٱن ظهر الجمعة، ثم خطبة الجمعة، تحدث الإمام عن السرقة وحرمتها وحدها، وعن الخمر ونجاستها وجلد من يعاقرها، خرج الناس أيضا بوجوه مضيئة مؤمنة مقتنعة، أعرف كثيرا منهم يسرقون ويعاقرون الخمر، تخيلت بعضهم مقطوعي اليد اليمنى، وبعضهم مجلودي الظهر.
كنت استمع وأحفظ وأفكر، وفي نفس الوقت أراقب أبي وهو يقوم على خدمة الحاج نعمان يشعل له النار للشيشة، ويقدم له بين الحين والحين الشاى الناضج على الراكية المشتعلة، ينالني نصيب من الشاي يتذكرني به أبي أحيانا وينساني في الغالب، كان الأمان يشملني طالما لم ابتعد عن الزريبة وأبي والحاج نعمان، فلا يجرؤ أحد على التعرض لي، جربت في مرات أن ابتعد فأجد الشياطين الصغار متربصين بي متحينين الفرصة للفتك بي ضربا وركلا وإلقاء القاذورات والروث على وجهي وثيابي، فٱثرت دائما المكوث بالقرب من أبي.
مر اليوم سريعا وركب أبي حمارته العجوز عائدا إلى الدار وتبعته صامتا.
لم يطل مكوث أبي في البيت كما توهمت إذا سرعان ما عاود ركوب حمارته وانطلق ناحية عشة ناعسة، وصلنا هناك كانت الأمور تبدو طبيعية وإن كان يشوب المكان بعضا من الحذر والخوف، غرف الأمزجة مغلقة، الراقصات جالسات بملابس محتشمة، غير مسموح بالخمور والحشيش، فقط شاي وقهوة وشيشة وعمي سعيد الراوي وربابته يحكون في السيرة الوحيدة التي يعرفانها سيرة أبي زيد الهلالي.
ومضى الوقت مملا بطيئا، ومثل تلك الليلة مرت ليلتي السبت والأحد وجاءت ليلة الإثنين وحدث فيه ما تمنيته وانتظرته بشوق وإن كان قد جاء عكس كل توقعاتي.

في يوم الإثنين وصلنا أنا وأبي إلى عشة ناعسة، كانت الحياة قد عادت إلى طبيعتها، الراقصات خلعن ملابس الحشمة وارتدين بدل الرقص والفرفشة، وجلسن إلى الزبائن، وعادت زجاجات البيرة تفتح من جديد وأنفاس الحشيش تعبق المكان وانزوى سعيد الراوي في ركنه صامتا هو وربابته، منتظرا أن تأمره ناعسة أن يواصل حكاياته إن احتاج الأمر ذلك ، توارى أبي مع أصحاب الكيوف خلف الغرف المغلقة، لم يكن سيدي أدهم بك قد حضر بعد، شمشون السبع وعصبته كانوا موجودين، لا حظت أن فتوحا كان واقفا أمام مائدة شمشون وعلامات الرعب تسيطر على كل ملامح وجهه، عرقه ينسال غزيرا وقدماه ترتعدان، رأيته يهمهم بكلمات لم أسمعها ولم أجرؤ على الاقتراب لأتبين ماذا يقول، ورأيت شمشونا ينادي ناعسة، و ويقول لها بعد أن أعاد عليها ما ذكره فتوح وبلهجة تحمل نبرة تهديد قاسية وبصوت عال سمعته أنا وكل من في العشة:
…بقى كل ده يحصل من ورايا يا ناعسة والله عال العال عيل زي سي أدهم ده يعمل اللي ميقدرش المعلم شمشون يعمله…طيب يا ناعسة
ثم وهو يشير إلى شاربه:
…طيب وحياة ده ولا يبقى على حرمة لأوريكي إنت وادهم بتاعك ده…يالا غوري من وشي إنتي وفتوح النتن ده
ويعود إلى جلسته مع رفقائه ومعهم الشيطان يتهامسون بما سيفعلونه والشر باد على وجوههم اللعينة، يفرطون في الشراب وتبادل أنفاس الحشيش والدخان الأزرق يملأ العشة صانعا شبورة كثيفة كما لم أره من قبل، حتى أن الرؤية أصبحت شبه معدومة والسكارى العميان يتصادمون ويسقطون وتتعالى ضحكاتهم الماجنة.
وأسمع صوت خطوات فرسة سيدي أدهم بك، صرت أميزها عن غيرها من الخيل.
وتسارعت ضربات قلبي في مزيج من الخوف والفرح، كنت خائفا أن يهزم شمشون سيدي أدهم ويكسره ويهينه في ذلك الماخور الذي جمع الساقطين والساقطات، كنت أغير على سيدي، سمعت أن العبيد في الأزمنة الغابرة كانوا يضحون بحيواتهم من أجل أسيادهم، حتى وإن كان هؤلاء الأسياد يسومونهم سوء العذاب، لم يكن أدهم ولا أبيه ولا عائلته رحماء بنا أنا وأبي وأخوتي وكل فقراء مدينتنا، لكنهم بالتأكيد كانوا عزوتنا وسندنا، نعم نحن مباحون لهم يفعلون بنا ما يشاءون ولكنهم حائط صد لنا من ضربات الٱخرين، لذلك كنت أخاف أن يهزم أدهم بك فيستبيحنا الجميع، أعلم أن تلك المشاعر التي تتملكني وتتملك كل من هم في مثل ظروفي هي نفسها أسباب مأساتنا وأننا من نصنع الطغاة والأوغاد، فهل اكتسبت أنا بغير إرادتي صفات العبيد، كيف ومتي؟ لست أدري
و كنت فرحا لأني كنت واثقا في قدرة سيدي أدهم، وأنه لن يهزم أبدا.
أعلم أن الخوف والثقة لا يجتمعان في هكذا مواقف ولكنها كانت حقيقة مشاعري في تلك اللحظة، ربما كنت واثقا في انتصار أدهم بنسبة تسعين في المئة مثلا وصنعت العشرة في المئة الباقية تلك، حيرتي التي سيطرت علي ولم تجعلني أقف على توقع يقيني لنتيجة المعركة التي انتظرها بشغف.
ودخل أدهم بك وصحبته إلى العشة متجهين إلى مكانهم المعتاد، وقبل أن يطلب أدهم بك البيرة لكل رواد العشة وعلى رأسهم شمشون كعادته، وقف شمشون وعصابته وقد أشهروا أسلحتهم في وجه أدهم بك ورصحبته، وتوتر المكان وران عليه الصمت لحظات قليلة قطعها صوت شمشون الهادر آمرا أدهم:
…خد شوية العيال اللي معاك وغور من هنا وإياك تعتب العشة دي تاني…والا قسما بالله أروحك لأبوك جثة وأهلي أمك تولول عليك يا واد أمك…..هههههههههه
كانت ضحكته شريرة ماجنة تمنيت لحظتها لو كان معي بندقية لأسكته بطلقاتها وكتمت ضحكته الماجنة تلك
وساد الصمت مرة أخرى ورأيت عيني أدهم بك جمرتين حمراوتين وانتفخت أوداجه غيظا، وانتظرته أن يخرج مسدسه من طيات ثيابه،وبالفعل مد بعض رفاقه أياديهم إلى ثيابهم يريدون إخراج أسلحتهم والشر والغيظ يملأن عيونهم من الأهانة التي تعرض لها زعيم شلتهم، وفيهم بعض من بني عمومته، ولكن أدهم أشار لهم بيده أن لا، ويبدو أنه قدر الموقف جيدا وقدر أنه مهزوم لا محالة، فأخذ أصحابه وانصرف من المكان، وما أن غادروا حتى انطلقت صرخاتي وجعيري، ظنني الجميع خائفا من الأسلحة التي أشهرت، ولكني في الحقيقة كنت مقهورا مكسورا من هزيمة سيدي أدهم ورحيله هكذا، دون أن يبدي أية ردة فعل تجاه شمشون الملعون، ولم ينطق حتى بكلمة، لقد انكسر سيدي وانكسرت معه، ومضت الليلة علي حزينة كئيبة.

في يوم الخميس تبعت أبي إلى عشة ناعسة، حزينا مهموما، وهناك كان شمشون اللعين يتصدر المشهد وهو طغمة الأشرار الذين يرافقونه، وتبدو وجوههم منتشية بالانتصار الذي حققوه على سيدي أدهم، وناعسة وفتوح وجميع العاملين في العشة يتوددون لهم ويقومون على خدمتهم، وأنا اتميز من الغيظ والقهر، ثم فجأة حدث ما حدث يوم كبسة البوليس، نفس الشخص جاء و همس لناعسة بكلمات ثم بعدها حدث ما حدث في المرة الماضية بنفس التفاصيل، وقام شمشون وعصابته من فورهم خائفين مرعوبين وغادروا المكان، وخلا المكان من الحشيش والبيرة وأخليت الغرف المغلقة من زبائنها، ودخلت الراقصات أوكارهن وخلعن بدل الرقص وتحشمن، وسمح فقط بشرب الشاي والقهوة والمعسل، ودندن عمي سعيد الراوي بربابته وهو يحكي السيرة الوحيدة التي يحفظها، وانتظرنا كبسة الحكومة وكنت خائفا من أن يحدث معي ما حدث المرة الماضية، وطال انتظارنا ولم تأت عربات الشرطة،ولكننا سمعنا ضرب نار كثيف لم أسمع مثله من قبل، ظل صوت الرصاص ساعة أو أكثر ونحن في قمة الرعب ولم يجرؤ أحد منا على مغادرة المكان كان الضرب قريبا منا جدا أو هكذا تخيلنا، شعرنا أنه خارج العشة، وكما بدأ الضرب فجأة توقف فجأة، وملأتنا الطمأنينة قليلا،بعدما توقف الضرب، ثم جاءتنا الأخبار تباعا، شمشون وعصابته قتلوا جميعا في كمين أعد لهم في الطريق الخلفية التي اعتادوا الهرب منها عند كبسات الحكومة، الحكومة الٱن هناك تعاين الجثث في انتظار حضور النياية، وملكنا شجاعتنا وغلب فضولنا خوفنا، وذهبنا جميعنا إلى هناك أعتقد أن بلدنا كلها ذهبت إلى هناك واحطنا بالطوق الأمني الذي صنعته الحكومة حول مكان الحادث، وجاءت عربات الإسعاف وحضرت النيابة التي عاينت الجثث وكتبت محضرها، وأمرت برفع الجثث إلى عربات الإسعاف والتوجه بها إلى المشرحة، وعلمنا أن المحاضر الرسمية أثبتت أن الشرطة هي التي أعدت ذلك الكمين لأولئك المجرمين المطلوبين للعدالة وقتلتهم، لكننا كنا نعلم الحقيقة، الحقيقة التي جعلتني سعيدا منتشيا لأنها كانت تقول إن ماحدث لشمشون وعصابته هو من فعل سيدي أدهم بك، الأقاويل تتحدث أنه استعان بأشقياء من بلدة تجاورنا وأنه قام بكرائهم ليخلصوه من عدوه اللدود شمشون، وقد كان.
أما حكومة بلدنا فقد تجاهلت الأمر ونسبت لنفسها القضاء على العصابة وحصل ضباطها على الأوسمة والنياشين وشهادات التقدير.
وكما كانت تلك الليلة هي ليلة شمشون الأخيرة في الحياة كانت ليلتي أنا الأخيرة في عشة ناعسة، فبعدها لم تطأ قدمي إلى هناك، فأبي لم يعد يذهب إلى هناك ولا أخوي صابر وسلطان، يبدو أن مدخرات موسم جني القطن قد نفدت، وعادت حياتنا إلى طبيعتها القاحلة، عاد أبي إلى زريبة الحاج نعمان وجماله وعدت أنا إلى بهدلة الشوارع والتسكع في الطرقات.
سمعت بعدها أنه حل محل شمشون السبع، بلطجي جديد، هو المعلم برعي أبو شنب، يبدو أنه هو من استعان به أدهم بك للتخلص من شمشون، ولكنني كنت سعيدا لما عرفت، أنه يدين بفروض الولاء والطاعة لسيدي أدهم، كم أشتاق لعشتك يا ناعسة لأرى سيدي أدهم مسيطرا عليها كلها وليس كما كان أيام شمشون الملعون.

ما زالت مشاهد مقتل شمشون السبع ورجاله عالقة بذهني، وأنا متكوم خلف باب بيتنا، أحاول النوم وتهاجمني الصور ومنظر الدماء والنقالات وعربات الإسعاف، كان الصعب علي التخلص من ٱثار ذلك الحادث، أدرك أنه سيمر وقت طويل حتى أنسي، أغفو وسرعان ما أهب مفزوعا اتلفت يمينا ويسارا، أهرب من خوفي إلى أفكاري،كثيرا ما تخدعنا المظاهر، كثيرا ما نبالغ في تقدير قوة البعض، ونبالغ أيضا في تحقير أنفسنا، كنت أظن أن شمشونا جبارا لا يقهر، تأكد ظني لما رأيته يفعل ما فعل بسيدي أدهم بك، الذي رأيت ضعيفا كسيرا ذليلا في هاته الموقف، لكن يبدو أن الليث الذي يبرز أنيابه ليس أقوى من الذئب الذي يظهر اللطف والوداعة، غرور شمشون جعله يباهي بقوته الوهمية، وتحكم أدهم في انفعالاته جعله يمتلك أقوى أسلحته، استخدم عقله وماله ففاز في الجولة الأخيرة وبضربة قاضية، ربما لو تهور في تلك الليلة وجارى شمشونا في غبائه لصار مقبورا الٱن ولكان عدوه مازال حيا يرزق، ويواصل غية ونزاواته، أدركت الٱن أن قوة العقل ستتغلب بلا ريب على قوة العضلات، وأن أصحاب الصوت العالي يهزمهم أصحاب الهمم العالية، وأن لحظة تفكير عاقلة تهزم ٱلاف الكلمات الطائشة، عرفت الٱن سر انتصار أدهم إنه ثباته الانفعالي الكبير.
أواصل التفكير ويواصل النوم تأبيه علي، ويقطع تفكيري صوت فأر أو قطة، لا أعرف بالضبط، المهم أنني سمعت صوتا ثم خمشا ثم كائنا يشرب بصوت واضح، قمت من نومي إلى الكنيف الذي أسفل السلم حيث مصدر الصوت، كان فأرا يشرب من دلو مملوء بالماء، فر الفأر مذعورا إلى سقف الكنيف بعيدا عن عصا أبي التي حاولت قتله بها، رأيت الماء فعاودني حلمي القديم في الاستحمام، شممت رائحة جسدي، اشمئززت منها، رغم برودة الجو وصقيع الماء في الدلو، فكرت أن أغسل جسدي بهذا الماء الشديد البرودة، وببقايا تلك الصابونة التي بلا رائحة، هممت بخلع ملابسي، تذكرت تحذيرات زوجات أشقائي من اقترابي من الكنيف وبالطبع من الماء، الماء في بيوتنا نحن الفقراء يعتبر ثروة، فهو شحيح شح كل ترف نراه في بيوت الأغنياء، ونتفرج عليه فقط، نساؤنا هن المسؤولات عن الماء الحفيظات عليه، لما لا وهن من يصبهن النصب وهن يملأنه من الحنفية العمومية أو حنفية زريبة الحاج نعمان، كن يقطعن شطرا طويلا من نهارهن في توفير الماء لبيوتهن، لذلك كن بخيلات جدا بالماء، بيوت الفقراء لا تعرف حنفيات الماء النقي، أما الحاج نعمان فقد وفرها في زريبته لبهائمه، نعم كان يتفضل على بعض رجاله فيسمح لنسائهن بالحصول على الماء منها، لكن لا يحدث ذلك في أغلب الأحيان، بل حسب مزاجه ورضاه عن هذا أو سخطه على ذاك.
عاودت تشمم رائحة جسدي، أنساني نتنها كل خوف وتحذير، خلعت ملابسي، صرت كما ولدتني أمي، أمسكت الكوز وصببت الماء قليلا قليلا حتى اعتاد برودته، وأمسكت الليفة والصابونة وبدأت أدعك جسدي من الأعلى إلى الأسفل، كان ظهري لباب الكنيف، التفت ناحيته، وجدت زوجة أخي واقفة تتأمل في صامتة.
دب الرعب في أوصالي متوقعا استدعاءها لأخي ولوجبة ساخنة من الإهانة والضرب، التفت إلى الناحية الأخرى مداريا سوأتي، مسلما أمري إلى الله، سيطر الصمت على المكان لحظات ورعبي يتضاعف وفرائصي ترتعد، ثم فوجئت بلمسات حانية على ظهري وأنفاس حارة تلفح جسدي، وصوت ناعم يقول لي:
…أدعك لك ضهرك يا رجب
شلت الصدمة تفكيري للحظات لم تطل، يا للملعونة، لقد أدركت غرضها، فهمت الٱن بعضا من تلميحاتها السابقة وحنانها في بعض المواقف و أدركت الٱن فقط خبث مقصدها، يا للعينة تريدني أن ارتكب أكبر الكبائر، نعم سمعت الشيخ يقول ذلك، وأن الرجم عقوبة المحصن والجلد عقوبة غير المحصن هذا في الدنيا أما في الٱخرة فالعاقبة أوخم وأوخم، ألا تدرك تلك الشيطانة ذلك؟
نعم لا أنكر أن غريزتي تتملكني في أحايين كثيرة، وأن مشاهدا بعينيها تشعل نارا في جسدي، وأن أحلامي ليست بريئة دائما، ولكن القلم مرفوع عن النائم ومرفوع أيضا عن المجنون، ورغم قناعة الجميع بسفهي وعتهي وجنوني وأنني وحدي الذي يعرف أنني عاقل، إلا أنني لن أستخدم تلك الرخصة التي منحوها لي لن استخدم جنوني كستار أفرغ من خلاله شهواتي، لن أحقق لك غرضك أيتها الحيزبون، لا أنكر أن تفكيرك في أشعرني برجولتي وأن هناك أنثى ولو كانت لعينة مثلك ترغبني إلا أنني لن أحقق لك غرضك.
واصلت الحية اقترابها مني وحاولت أنا الابتعاد حتى التصقت بالجدار، ولكنها لم تبتعد، وهنا لجأت إلى سلاحي الوحيد، صرخت وجعرت وخبطت بيدي على الجدران، ظننت أنها ستخاف وتتركني وتعود إلى غرفتها، ولكنني فوجئت بها تصوت بصوت عال، وتبكي وتجهش بالبكاء، وعلى صوتها صحا جميع من بالبيت، وأمامهم جميعا اتهمتني أنني تهجمت عليها عاريا وهي تستحم محاولا الاعتداء عليها، وبالطبع صدقها الجميع وانهالت ركلاتهم وضرباتهم على جسدي العاري، وأنا فقط أصرخ ويداي مشغولتان بمداراة سوأتي، ثم طردوني خارج البيت وألقوا بثيابي البالية فوق جسدي الذي لوثته من جديد أوساخ الأرض التي اختلطت بجراحي ودمائي ودموعي، ونهضت بصعوبة ووضعت ملابسي فوق جسدي، وانطلقت إلى حيث لا أدري، وحمدت الله أن الوقت كان ليلا والشوارع خالية والناس نيام، ولكن هل ستخفي تلك الشيطانة وهؤلاء الملاعين الذين صدقوها الخبر؟ دعوت الله أن يفعلوا.
أخذتني قدماي إلى حيث زريبة الحاج نعمان، كان الضوء قد بدأ يبدد عتمة الليل، تكومت على جسدي المرتعد من الضرب والخوف والبرد.
بالطبع لن استطيع النوم، ظللت متكوما على نفسي، حتى شعرت بدفء الشمس ونورها يغمران الدنيا، فجلست منتظرا قدوم أبي والحاج نعمان، ورغم أن أبي شاركهم جريمة الأمس إلا أن في وجوده الأمان، حتى وإن كان أمانا صوريا إلا أنني كنت متلهف لحضوره، وجاء أبي ونظر إلي نظرة معاتبة، وفتح باب الزريبة، وهو يشير إلي قائلا:
…يالا ادخل غور حط العلف للبهايم و اسقيهم قبل الحاج نعمان ما ييجي
وصامتا قمت انفذ ما أمرني به أبي وأنا سعيد أنه لم يتطرق لقصة الأمس، ٱه يا أبي لو كنت استطيع الكلام، ٱه يا أبي لو استطعت إيصال الحقيقة لك؟
لعنة الله على خرسي، ٱه من يتمي، ٱه من قسوة قلوب الناس!
ولم يكد النهار أن ينتصف، حتى نشر الملاعين الخبر: رجب حاول الاعتداء على زوجة أخيه، رجب العبيط يفكر في هذه الأمور، وما بين الاستهجان والسخرية صدق الجميع، لم يخرج واحد منهم يكذب الخبر ويبرئ رجب، الله وحده يعلم أن رجب برئ، أريد أن أصرخ أنا برئ، أنا يوسف عصركم أيها الملاعين، ارسل لي يا الله شاهد من أهلها، يظهر براءتي، ولكني رجب ولست يوسف، عصر النبوة قد ولى وليس عصرنا عصر المعجزات أين لي ببراءة تأتي من سابع سماء أين لي؟
وبالطبع لم تأت براءتي ولن تأتي وسأظل موصوما بتلك التهمة الظالمة ما حييت، وسيظل الجميع يسخرون مني ويهزأون بي، وسيظل الصبية يقذفونني بكل ما تناله أيديهم من أقذار وأوحال ويهتفون خلفي:
…العبيط أهه…. العبيط أهه.

بعد حادثة زوجة أخي والفضيحة التي نالتني، لم يعد لي مكان في بيت أبي، أصبح وجودي خطرا على كل حريم الدار وحتى على الأطفال، لم يحتر أبي كثيرا في حل مشكلة إقامتي، ففي زريبة الحاج نعمان رفقة بهائمه متسع لي وعلى رأيه: كلها سواد الليل. في نهاية يومه في الزريبة وبعد أن يعود الحاج نعمان إلى داره ممتطيا حماره حاملا دلاء الحليب الطازج من الوجبة المسائية كما كانوا يسمونها، أما وجبة الحليب الصباحية فكانت من مهام أبي، يذهب بها إلى دار الحاج نعمان ثم يعودان معا إلى الزريبة، كان أبي يغلق علي باب الزريبة كل مساء بعد أن يأتي لي أحد أبناء أشقائي، بعشائي الأبدي: قطعة جبن قديم وكسرات خبز يابس، كانت اصعب أيامي بالطبع هي أيامي الأولى في الزريبة، كنت مرعوبا من الوحدة ومن أصوات البهائم ومن عفاريت الفراعين حماة كنوزهم، طالما سمعت أن زريبة الحاج نعمان مشيدة على قبور الفراعنة وكنوزهم، وأن لتلك القبور وهذه الكنوز حراسا من الجن تفتك بكل من يحاول نبشها ما لم تتل عليها بعض العزائم السحرية بواسطة ساحر متمكن يقولون عليه شيخ مغربي أو سوداني، كان كل صوت يحدث كفيل بأن ترتعد له من الخوف كل ذرة في جسدي، كانت الزريبة واسعة جدا ربما مساحتها قدر مساحة مئة بيت أو تزيد من من بيوتنا نحن الفقراء.
كانت معظم الغرف تقريبا مشغولة بأصحابها من الحيوانات، هذه غرفة البقر وهذه للجاموس وهذه للحمير وهذه للغنم والماعز وهذه للجمال وهذه للبغال وهذه لتخزين التبن، اخترت الأخيرة، ربما أحسست بدفئها، كانت مملوءة بالفئران، ولكنني نمت مع الكلاب في الطل فهل تخيفني الفئران؟ سأصاحبها ولا ريب.
بجوار أحد الجدران وفوق كومة ناعمة من تبن القمح الناعم اخترت مرقدي، بعد أن افترشت جوالا فارغا من جوالات التبن وتدثرت بالٱخر، كان السقف فوقي به بعض الفتحات، التي كنت أرى من خلالها نجمات السماء، كنت أناجيها وتناجيني، أظنها كانت تريدني أن أطير إليها، أو أنني من كان يتطلع لذلك، لكن كيف؟ لست أدري.
كنت اطرد خوفي عني بالغرق في الأحلام أو الأوهام، كنت أيضا أحاول عد النجوم، أخطئ في العد ثم أحاول من جديد ثم أخطئ ثم أحاول وهكذا حتى يغلبني سلطان النوم فاستسلم له.
في واحدة من ليالي الطوال، برقت السماء وأرعدت ثم بكت، كان بكاؤها غزيرا عرمرما، وكانت الفتحة فوقي واسعة، غمرت المياه أجولتي وثيابي، وصرت ارتعد من الخوف والبرد وزاد البلل مأساتي، كان التبن محميا بغطاء من المشمع، يا لقسوة البشر!! ضمنوا الحماية للتبن من المطر ونسوا رجب المسكين.
حملت الجوالين المبتلين، وأخذت أبحث عن مكان في الغرفة سقفه خال من الفتحات الكبيرة، انتقيت أقل الأماكن ثقوبا وحاولت النوم، كانت تتساقط علي قطرات قليلة، ولكنها أفضل من ذلك الشلال الذي غمرني من قبل، لم أجرؤ أن استعين بالمشمع الذي يغطون به التبن، فيفسده الماء وأبوء أنا بالضرب والإهانة.
بالطبع لم يقهرني سلطان النوم في تلك الليلة المطيرة، واستغرقتني الأحلام والأفكار، ترى لو لم أكن يتيما فقيرا، كنت أنام تلك النومة، يفترسني فيها البرد والمطر…هل لو كانت أمي أو جدتي نعيمة على قيد الحياة كانتا تركتاني أعاني ما أعانيه؟
ٱه ٱه…..يتمني الموت من أمي وجدتي ويتمني الفقر والجهل من أبي وأخوتي.
أه من يتمي…. ٱه من خرسي…ٱه من فقري….فقري نعم نعم إنه فقري إنه سبب كل مأساة أصابتني وسبب كل مأساة ستصيبني، لو كنت أملك المال لحميت نفسي، لنمت في بيت، بيت لي وحدي لا يطردني منه أحد بيت له حوائط وجدران وباب أغلقه علي، ولكن من أين يأتيني المال، وأنا أخرس اجرب عبيط، لا أحد يأبه لي لا احد يهتم بي.
أخذتني أفكاري إلى حيث كنزي الدفين قروشي القليلة التي أطمح أن تكتمل فأشتري أول عنز في قطيعي، ولكن هل تكفي تلك الجنيهات القليلة أن تحقق لي الثراء، وهل تحقق لي العنز الأمان المفقود؟
عنز كم أنت عبيط يا رجب، إن الحاج نعمان يذبح كل يوم تقريبا جديا من قطيعه الذي لا ينضب أبدا وأنت كل حلمك عنز، مسكين أنت يا رجب مسكين.
إنك تحتاج إلى ٱلاف العنزات وٱلاف الجنيهات لتكون مثل الحاج نعمان أو حتى بعضا منه، المال أمانك يا رجب المال حمايتك، المال سينسيك يتمك، سيحررك من خرسك سيعيد إليك كل حقوقك المسلوبة، ألم يجعل المال أدهم بك ينتصر على شمشون ألم يجعل المال برعي أبو شنب وعصابته طوع بنان أدهم بك؟ نعم إنه المال يا رجب لا حل لك إلا في الثراء لا حل لك، لا تكن عبيطا وتصدق ما يقال إن المال أصل كل الشرور، الذين يقولون ذلك هم الأغبياء المتخاذلين، قصر ديل يعني، وأنت لن تستخدم المال في الشر، ستحمي به نفسك وتنتقم من ظالميك، تنتقم؟!!! ها أنت قلت تنتقم أليس الانتقام شر؟ أوه يا رجب تتحدث وكأنك ملكت المال وتفكر كيف تتصرف فيه وأنت ما زلت نائما تحت سقف مثقوب في زريبة بهائم وتتدثر بأجولة مهترئة، نم يا رجب نم.
يتوقف المطر ومع توقفه ينطلق ٱذان الفجر من المسجد المجاور يغمرني ذلك ببعض الأمان، يقترب قدوم أبي ومعه بعض النسوة لحليب البقر والجاموس، أحاول الإغفاء قليلا، يبدو أنني نجحت، إذ أفقت على صوت أبي يقول:
…اصحا يا رجب عشان تمرمت تحت السعي عشان النطرة يا ولدي غرقت الدنيا
أصبحت المرمتة إذا من مهامي ويا لها من مهمة، والمرمتة لمن لا يعرف هي فرش أرضية غرف البهائم المبتلة من روثها وبولها بالتراب الجاف، وكان الحاج نعمان يعمل حسابه لهذا الأمر فلا تخلو زريبته أبدا من أجولة التراب، قمت صامتا أنفذ أمر أبي، لم يتركني أبي أقوم بالعمل بمفردي بل تشاركنا العمل بينما النسوة يحلبن البقر والجاموس.

مضت أيامي الأولى في زريبة الحاج نعمان على نفس الوتيرة تقريبا، في الصباح يأتي أبي، نعلف البهائم أنا وهو ريثما تنتهي النسوة من الحليب، يحمله أبي إلى بيت الحاج نعمان، ثم يأتيان معا إلى الزريية، الحاج نعمان يقضي كل أيامه تقريبا في الزريبة، ما عدا أيام المواسم، أبي يأخذني كل يوم إلى الحقول، أركب الناقة خلفه، نصل إلى الحقل نجد الأنفار قد حشوا البرسيم نستفه فوق الجمال وقبل انتصاف النهار نكون قد عدنا محملين بغذاء البهائم من الخضرة بعد أن تناولوا في المساء وجبتهم من التبن والعلف.
في كل مرة نعود فنجد الحاج نعمان قد سبقنا وتناول غذاءه، نأكل ما فاض منه مما أرسلته له الحاجة أم أدهم، يقولون لنا متباهيا زمانا:
….اتغدوا اتغدوا…ستكم أم أدهم عامله حسابكم
لم يكن طعام الحاج نعمان رغم ثرائه يختلف كثيرا عن طعامنا إلا في شئ واحد تقريبا، البتاو الطري، أما الغموس فهو الجبن القديم ورفيقه الأزلي الدود الأبيض اللذيذ، نعلم أن الحاجة قد ترسل مع الجبن للحاج نعمان بعضا من البيض المقلي في الزبد الفلاحي أو الفول المدمس الغارق في السمن، لا يترك لنا الحاج نعمان منهما لنا شئا، فقط الجبن القديم، ولو تكرم علينا يكون معه بضع شطرات من اللفت المخلل، على كل نحمد له تلك الوجبة التي تصبرنا على شقاء النهار، الذي كنا أنا وأبي لا نرتاح فيه تقريبا، طالما بقيت هناك بقعة ضوء لم يغتالها الظلام بعد، فبعد أن ننتهي من غذاءنا، ونرتشف أكواب الشاي التي تنضج على منقد من الفخار به قوالح الذرة الشامية، نقوم فنقدم للبهائم المستمتعة بشمس الساحة الواسعة غير المسقوفة الملحقة بالزريبة، كانت تلك الساحة محاطة بأسوار عالية، وبجوار الأسوار عشرات من النخلات العجوز المثمرة، كان تمرها أشهى ما دخل جوفي من التمور، كنت ٱكلها خلسة عن عيني الحاج نعمان، أبي كان يفعل مثلي تماما،ليس أبي وحده،بل كل من يعملون في الزريبة يفعلون ذلك،وحتى النسوة اللاتي يحلبن البهائم يفعلن، أعتقد أن كل الفقراء المحرومين الجائعين أمثالنا لو أتيح لهم ذلك لفعلوا، جميعنا ندرك بخل الحاج نعمان وأمثاله حتى بما يتساقط من نخلاتهم، كثيرا ما يطلب منا الحاج أن نجمع له ما وقع على الأرض، يقول أن أشهى الثمر هو ما تسقطه النخلات دون تدخل منا نحن البشر، عندما أجمع له القليل الذي تركناه أنا وأبي وغيرنا شبعا أو خوفا، كان ينظر لنا نظرات تعني أنه يعلم ماذا نفعل نحن وكل من يعملون في زريبته، وفي وسط الساحة ساقية عتيقة، لم تعد تعمل الٱن، طالما حذرني أبي من السقوط في بئرها، سمعتهم يقولون أن شقيق الحاج نعمان الكبير قد لقي حتفه فيه ولم يستطع أحد أن يخرج جثته حتى الٱن.
نقدم أنا وأبي للبهائم وجبتها من الخضرة، تجترها باستمتاع وتلذذ، ثم تقيل مستمتعة بدفء الشمس، ثم نقوم أنا وأبي ونمرمت غرف البهائم، كنت بعد أن ننتهي أحاول تقليد البهائم، فأقيل بجوارها في الشمس، لا يطول استمتاعي كثيرا فسرعان ما تسافر الشمس إلى النصف الٱخر من العالم ويغتال الظلام والبرد كل دفء، وأصحى على صوت أبي يأمرني:
….يالا ندخل البهايم يا رجب الدنيا ليلت
وانفذ أمره بغير كلام، وتحضر النسوة ويحلبن الأبقار والجواميس، وتمتلىء الدلاء بالخير ويأخذ الحاج نعمان وجبة المساء من الحليب الطازج ويعود بحماره إلى بيته، ويكون أحد أبناء أخي قد جاء لي بوجبة عشائي التي لا تتغير أبدا، أظنكم عرفوتوها من الثرثرة أن أذكرها لكم مرة أخرى، ثم يتركني أبي أتناولها وحدي ويغلق على باب الزريبة ويعود إلى بيته ممتطيا حماره العجوز.
وجاء يوم الخميس، لا لا …لا تأخذكم الأفكار بعيدا، فلم تعد لعشة ناعسة وجود في يومي، فأنا حبيس الزريبة يغلقها علي أبي بإحكام كل مساء وأبي جيوبه خالية، وفقره يعجزه عن الذهاب، ماذا حدث يوم الخميس إذا، سأرضي فضولكم وسأخبركم لا تتعجلوا.
مر يوم الخميس كغيره من الأيام، وغادر الحاج نعمان ومعه وجبة الحليب المسائية، لم يأتني أحد بعشائي، كنت أشعر بالجوع الشديد، خفت أنهم نسوني الليلة…ماذا في ذلك؟ ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، حياتي كلها عشتها منسيا.
لكن كيف سأنام ومعدتي تصرخ؟
طمأنني بعض الشئ أن أبي ما زال معي في الزريبة، كنت أنظر إليه متأملا ملامحه الجامدة، استجديها أن تلين، أن تبتسم، أن تشعر بي، أبحث فيها عن شئ يشجع لساني على التحرر من خرسه، يطلقه من معقله، فيخبر أبي بحالي، ليس جوعي الٱني ما أعنيه بل أعني حالي كله، مأساتي كلها ، معاناتي كلها، أخبره بأحلامي، برغباتي، بطموحاتي، فمن غير أبي يكون مكمن سري ومستودع أماني والحضن الذي أبثه شكواي؟ لكن ملامح أبي كما هي جافة صلدة، تزيد من قيود لساني وتضاعف خرسي أكثر وأكثر، نعم أنا لا أخاف من أبي مثلما أخاف من بقية الناس، لكني أيضا لا ٱمنه تماما، ضربني منذ أيام بقسوة، بسبب كذبة زوجة أخي الحقيرة، لم يكلف نفسه عناء البحث عن حقيقة ما حدث، إنه مثل الجميع غير أنه لا يبادر إلى إيذائي من تلقاء نفسه، دائما هناك من يدفعه أن يفعل، لكن ألا تمنعه عاطفة الأبوة أليس من المفترض أنها أقوى من كل وشاية وأمنع لي من نكاية؟!
الٱباء يلتمسون الأعذار لأبنائهم يختلقون مبررات لأخطائهم، يوشكون أن يفترسوا من يقترب منهم، فهل أبي غير كل الٱباء؟ بالتأكيد هو غيرهم نعم غيرهم، ويبدو أن الحياة جعلته كذلك كي تزيد مأساتي.
يقوم أبي متأهبا للعودة إلى البيت، يفك قيد حمارته، ويسحبها باتجاه باب الزريبة، يتبدد شعور الأمان من داخلي ويبقى فقط شعوري بالجوع القاتل، وتتبدد في داخلي ٱخر ذرات الأمل أن أحدا من أبناء إخوتي قد يأتيني بطعامي، لكني أسمع صوت أبي يأمرني أن أتبعه إلى بيتنا، هل انتهى منفاي في الزريبة، هل عفى عني أبي؟ رغم كل ما أعانيه من قسوة في بيت أبي وما افتقده من أدنى متطلبات ٱدميتي المنهكة، إلا أنه خالجني الشعور بالسعادة، فبيت أبي مهما كان منه ومهما سيكون فيه، أكثر أمانا واطمئنانا من تلك الزريبة الموحشة خاصة في ساعات الليل القاسية.
نصل إلى بيتنا، يأمرني أبي بالبقاء في مكاني خلف الباب بجوار الكنيف، حتى تأتيني واحدة من الحريم بطعامي، ألاحظ أن فراشي ليس في مكانه، لا يهم سيأتون لي به بعد العشاء، أوه العشاء… ليتهم لا يتأخرون علي به، فأمعائي تصرخ وجسدي كله يتلوى جوعا وإنهاكا، ما أروع عشاء الليلة، إنها ليلة الخميس ليلة الزفر والدسم، نعم هم يأتونني بعظم ودهن ونسيرة لحم على الأكثر وما يفيض منهم من طبيخ، التهمه وحيدا، هم يأنفون أن اشاركهم الجلوس على الطبلية، طبلية أبي محرمة علي، ما أقسى ذلك على نفسي لو تعلمون؟
وتأتيني زوجة أخي، التي تسببت في طردي بما اعتدته وتوقعته فضلات ونفايات عشائهم، قدمته لي وهي تنظر إلي شامتة متشفية، التهمته على عجل وكأنني أخشى أن ينتزعه مني أحد، سرى الدفء في عروقي، وتوقفت معدتي عن صريخها، لم تكتف زوجة أخي بنظراتها، بل قالت وهي ترفع الصحن من أمامي:
…كلته طفحته كان حقنا حطينالك فيه سم
هل أنا من يستحق السم أيتها الملعونة، هل أنا من سعى للخطيئة، هل أنا من أراد تلويث شرف أخي وبيتنا كله؟ إن كان هناك من يستحق السم والذبح فإنه أنت، ٱه لو تحرر لساني؟ والله لجعلتك تتذوقين بعضا من كأس المرارة التي جعلني دنسك اتجرعه.
اتكوم على نفسي منزويا على أحزاني منتظرا أن يأتونني بفراشي، فقد داهم النعاس عيني، ولكني أفاجأ بأبي يسحب حماره ويردفني خلفه، اتوهم مثلما توهمتم أنه سيصحبني إلى عشة ناعسة، يا لسعادتي، سأرى سيدي أدهم بك متصدرا المشهد، برعي أبو شنب وناعسة وفتوح وسوسن، الجميع يقومون على خدمته يتوددون إليه، أنا أيضا سأكون ذا شأن كبير، لن يجرؤ فتوح أو غيره على إهانتي أو التحرش بي، لا يهم أن أغسل فرسة سيدي أدهم لا يهم أنا احبها كما أحب سيدي أدهم، سأشرب البيرة، وسأدخن الشيشة، وربما ذبح سيدي أدهم خروفا ونالني منه نصيب، لكن ما هذا؟
أبي لا يتحرك باتجاه العشة، إنه يتحرك باتجاه الزريبة، وصلنا، أدخلني أبي وأغلق علي الباب.
ٱه يا رجب يبدو أنه كتب عليك أن تقضي بقية حياتك هنا، بين البهائم والفئران، على التبن مرقدك وأجولة الخيش دثارك والوحدة رفيقتك.
وتنسال دموعي ولا تتوقف وأنا أخفي وجهي بجوال التبن محتميا من عفاريت الفراعنة الذين اتوهمهم متربصين بي من كل جانب، بل إني أراهم على الجدران يحدقون في، لا أجرؤ أن أفتح عيني، لا أترك ذرة من جسدي مكشوفة، رعب لا ينتهي إلا بانبلاج الصباح وصوت أبي يأمرني بالاستيقاظ، ونسوة الحليب تثرثرن وهن تحلبن الأبقار والجواميس.
لم يكد النعاس يغلبني حتى هببت من رقدتي مذعورا، صوت باب الزريبة يفتح، كان له دوي، زاد من وقعه علي سكون الليل والرعب المستشري في أوصالي، ليس أبي وليس الحاج نعمان فما زال الوقت مبكرا جدا فمن يكون ذلك القادم في جوف الليل من يكون؟.

أسمع جلبة وأصواتا تتحدث ليس همسا وليست خافتة، بل أصوات ٱمنة مطمئنة، الحمد لله ليسوا لصوصا، كما توهمت للوهلة الأولى، لم يقض ذلك على خوفي وحيرتي، لم أعرف حتى الٱن من هم ولماذا جاءوا في هذا التوقيت؟
أرفع الغطاء عن وجهي، أحاول التنصت على حديثهم، اتنفس الصعداء، لقد ميزت بين الأصوات صوت سيدي أدهم بك، هل ما أسمعه حقيقي، هل يناديني سيدي أدهم، هل يعلم أنني هنا؟
سمعت صوته يناديني:
…يا رجب…اصحا يا رجب فز قوم
نعم إنها حقيقة، كان على أن أدرك منذ البداية أن لا شئ يدور هنا بغير علم أدهم، وأنه يعلم كل شاردة وواردة تحدث في ملكه وفي ملك أبيه، ليس سهلا سيدي أدهم بك.
أقوم من نومي، أهرول ناحيته، أقف أمامه صامتا، منتظرا أوامره، لم يلقها علي بعد، ربما ترك لي فرصة التقط فيها أنفاسي، واتأمل ضيوفه، بعضهم يحمل مصابيحا كهربائية جعلت ساحة الزريبة نهارا، ليست الوجوه غريبة علي، معظمهم من رفقائه الذين رأيتهم صحبته في عشة ناعسة، فيهم بعض الوجوه الجديدة، رجل وسيم أبيض الوجه تشوب بياض وجهه حمرة، تنم هيئته رغم تواضعه عن عزة وثراء، يرتدي بذلة صوفية فاخرة، عرفت فيما بعد أن اسمه الخواجة جورج أكبر تاجر مجوهرات في بلدنا، ورجل ٱخر متوسط الطول يرتدي جلبابا صوفيا فاخرا، يحمل على كتفه بندقية ٱلية، يبدو معتزا كثيرا بنفسه، يفرض سيطرته على الجميع باستثناء سيدي أدهم بك، بدا أمامه خاضعا خانعا، عرفت أنه برعي أبو شنب الذي حل محل شمشون السبع في الجبل، وكان معهم أيضا الحاج زيدان نائب الشعب وضابط قريب لهم اسمه عادل بك وطبيب شهير في بلدنا اسمه هاني، ورجل غريب الهيئة والثياب يرتدي فوق رأسه عمامة عرفت فيما بعد أن اسمه الشيخ سند، لم أسمعه يتحدث أمامي أبدا حتى ظننته أخرسا مثلي.
تساءلت في نفسي والحيرة والفضول يوشكان أن يقتلاني، ماذا جمع بين كل هؤلاء وبين سيدي أدهم بك وهل يسهر أمثال هؤلاء الأغنياء في زريبة ماشية هل سيقضون ليلتهم هنا بين البائهم؟
إنهم يملكون من المال والنفوذ ما يجعلهم يستطيعون السهر والاستمتاع في أرقى الأماكن وأغلاها، فما الذي جاء بهم إلى هنا؟
لم أجد إجابات لتساؤلاتي، ما زال الفضول يملكني، ما زالت الحيرة تعصف برأسي، أفاقني من أفكاري وأخرجني من حيرتي مؤقتاً صوت سيدي أدهم يأمرني:
…يا رجب ولعلنا شوية فحم في المنقد وتعالى ورانا على فوق
وقفت صامتا كعادتي فأنا لا اتكلم، فقط أهمهم، وحتى الهمهمة لا أجرؤ عليها في حضرة أدهم، كنت أريد أن أسأله أي فوق يعني؟.

بالطبع لم أسأله ولم يضطرني هو إلى ذلك، إذ سرعان ما اتجه إلى البوابة الحديدية الضخمة، تلك التي أثارت فضولي أريد أن أعرف ماذا يدور خلفها، كانت الجزء الوحيد من الزريبة الذي لم تطأه قدمي، قبل أن يصعد سيدي أدهم إلى أعلى أمرني أن أغلق باب الزريبة الرئيسي بالمزلاج الخشبي الداخلي، قبل أن أغلق الباب، شئ في رأسي جعلني أنظر خارج الزريبة، لمحت صفا من السيارات الفخمة تقف أمام الزريبة، لمحت زيدان خفير الكنيسة وجرجس خادمها يشعلان نارا للتدفئة، على جمراتها ينضج الشاي المحبب إلي في كنكة كبيرة تركت النار ٱثارها عليها فحولتها إلى اللون الأسود، كانت الكنيسة في مواجهة الزريبة تماما، أصدرت همهمات عالية أريد أن اشعرهما بوجودي، أريد أن أقول لهما أنا هنا رجل من رجال أدهم بك وفي حمايته، أقول لهما أنني اتحداكما أن تسيئا إلي ولو حتى بكلمة، تحقق مرادي وسمعاني ورأياني، لست أدري لماذا ضحكا أغاظني ذلك، لكما يوم، همسا بها لنفسي، عادا إلى ما هما عليه يرتشفان الشاي ويستدفئان بالنار ولا يأبهان بي، أغلقت الباب، ووضعت الفحم في المنقد، وصببت عليه قليلا من الكيروسين وأشعلت فيه النار، نضج الفحم سريعا، كنت متشوقا للصعود، دفعت البوابة الكبيرة، تركها سيدي أدهم مواربة، كان خلفها بوابة أكبر منها وعليها قفلا أكبر من الذي كان في الخارج، وبجوارها سلم جرانيتي اخضر فخم لم أر مثله في حياتي، أسفل السلم كانت هناك ماكينة ضخمة تصدر صوتا متوسطا لا يسبب إزعاجا، علمت فيما بعد أنها ماكينة توليد الكهرباء متقدمة غالية الثمن وليست مثل التي كنت أراها في بعض الموالد، صعدت السلم حاملا منقد الفحم، وأخذت عيني الأضواء المبهرة، لم أكن معتادا على إضاءة الكهرباء، فحتى زريبة الحاجة نعمان كنا نستعين على العتمة فيها باللمبات الفلاحي ذات العويل القماشي، عندما يداهمنا الليل أثناء حلب البهائم، وتقديم علفتهم المسائية، لمبة واحدة كنا نتنقل بها بين الغرف، يحرص الحاج نعمان وأبي على إطفائها قبل أن يغادرا، لا يتركاني أستعين بها على الظلمة، خوفا من حريق تشعله رعونتي أو يتسبب فيه عبطي، وبالطبع لم أعرف في بيتنا ولا في بيت نعيمة الإضاءة الكهربائية، بيوت حارتنا وكل الحارات التي حولنا لا تعرفها أيضا، بعض البيوت لا تملك حتى اللمبة الفلاحي، لذا كان ذلك الضوء الساطع مرهقا جدا لعيني العمشاوتين ، بقيت لحظات حتى استوعب المشهد الذي أمامي، كان هناك باب خشبي فخم على كل ضلفة من ضلفتيه مجسما لرأس أسد،وكان الباب مفتوحا على مصراعيه على ساحة واسعة جدا مفروشة بأثاث فاخر جدا، لم أر له مثيلا في الواقع وإن كنت قد رأيته في أثاثات القصور التي تدور فيها أحداث المسلسلات التي كنت أشاهدها في تلفزيون مقهى غرام، وانبهر بها واتخيل أنه مجرد تمثيل لا وجود له في الحقيقة، ها أنا رأيتها الٱن رأي العين، أبهرني الأثاث الفاخر والإضاءة الباذخة، وكان ما زاد اندهاشي وضاعف انبهاري، تلك السفرة الطويلة والتي دارى من ضخامتها اتساع المكان، فلم تشغل منه حيزا يذكر منه، كان عليها ما لذ وطاب من صنوف الطعام وزجاجات البيرة والخمرة المستوردة وعصائر مختلفة الأشكال والألوان، علمت الٱن سر اللفافات الفضية والأكياس التي كان يحملها بعضهم، بالطبع أدرك أنه لا مكان لي على تلك السفرة، بين أولئك الأعيان والبكوات والفتوات، وضعت منقد الفحم على إحدى المواد، و و هممت بالنزول إلى الأسفل، منتظرا نداء ٱخر وأوامر جديدة، من سيدي أدهم، لكن قبل أن أنزل سمعته يقول:
…استنى يا رجب
وجاء إلي وأعطاني لفة متوسطة الحجم مغلفة بورقة فضية لامعة، وزجاجة بيرة وهو يقول لي:
…خد اتعشى يا رجب وروق كدا….بس اوعى تنام عشان يمكن نعوز ولعة تاني.
واحتضنت اللفافة التي أعطانيها أدهم بك، ونزلت مسرعا، وكأني أخشى أن يأخذها مني ثانية، كانت تلك اللحظة أسعد لحظات حياتي، فلأول مرة في حياتي أكل طعاماً لم تعبث به يد قبلي، غير يد الطاهي الذي أعده، شعرت أنه طهاه من أجلي، نعم هو لا يعرفني، ولكنه يعرف أنه يعد طعاماً لسيد من الأسياد، أنا ذلك السيد الذي شغل الطاهي بإعداد طعامه، ملأني ذلك بالبهجة، وجلست على المصطبة، والتهمت باستمتاع أهنأ وألذ وجبة في حياتي، رجب يأكل كبابا وكفتة ويبلع بالبيرة المثلجة، أتيت على الوجبة كلها، لم ٱبه لتلك القطط والفئران التي جذبتها الرائحة وحامت حولي، ألقيت لها بالعظم والذهن والخبز الذين فاضوا مني، نعم فاضوا مني، ألم تكن تلك البقايا أقصى أمانيا، أترون تقلب الأيام؟ أنا الٱن لدي من الطعام ما يفيض عني، يا لفرحتك رجب، كم أحبك يا أدهم، كم أحب كل أصدقائك، ليتكم تأتون كل يوم.
سرى الدفء والخدر في جسدي، أثر تلك الوجبة الهنية التي أتت بغير انتظار، وداعب النوم جفوني ولكني قاومته، حبا وكرامة لسيدي أدهم وانتظارا لندائه الذي صار أحب النداءات لقلبي، نادى علي سيدي أدهم ثلاث مرات لأشعل له النار هو ورفاقه، قضيت الليل في صعود وهبوط وطعام أعطاني سيدي أدهم من كل أنواع الفاكهة والعصائر، في كل صعود وهبوط نفحة جديدة وصنف جديد يتذوقه فمي وتخبتره معدتي للمرة الأولى، في المرة الثالثة أمرني سيدي أدهم قائلا:
لم اللي ع السفرة ده يا رجب…واللي تقدر تاكله كله، والباقي ارميه…أوعى أبويا يشوف حاجة، خصوصا قزازات الخمرة والبيرة.
وأجمع ما تبقي منهم، كان أضعاف أضعاف ما أكلته أنا، ٱه يا بطني لو فيك مكان؟
وضعته كله في كيس كبير ونزلت به إلى غرفة التبن حيث أنام، وانصرف سيدي أدهم ورفاقه وأغلقوا البوابة الكبيرة بقفلها النحاسي وباب الزريبة الرئيسي، وعادت الزريبة لسكونها ووحشتها، وبقيت الليل كله ٱكل وأطعم القطط والفئران، وأشرب ما في زجاجات الخمرة والبيرة من رشفات، وثملت، والعجيب أن ثمالتي لم تسلمني للنوم الذي ظننتني سأخضع لسلطانه بل أشعلت نيران الأفكار في رأسي، وعدت من جديد للتفكير في المال في الثروة في القوة، كيف أنالهم كيف أصنع أسطورتي الشخصية؟
ما زلت لا أقبل ذلك الدور الذي فرضته الحياة علي، ما زلت احتقر تلك الدرجة التي وضعتني قسوة البشر فيها، نعم أؤمن أن الله قد خلق البشر درجات، وأن من سنن الحياة أن يكون فيها الأعلى والأدنى، ولكني أؤمن أيضا أن الله لم يمنح من وضعهم في الدرجات الأعلى حق أن يمتهنوا الدرجات الأدنى، لم يعطهم الحق أن يسحقوا من هم دونهم، ويسومونهم سوء العذاب،
فلكل دوره الذي أعطاه الله له دون إهانة أو انتقاص، دون سلب واغتصاب للحقوق، من منطلق الرفعة أو القوة، أؤمن أيضا أن الله كرم بني ٱدم على سائر خلقه، لكن بني ٱدم لم يكرم بني ٱدم، بل احتقره وذله وأهانه، بني ٱدم كرم الحيوان والجماد والورق، ولم يكرم بني ٱدم، حيواناتهم المنزلية تضمن طعاما وشرابا وسكنا وسكينة يفتقر إليهم كثير من البشر، أنا واحد من هؤلاء، أحسد جواميس وبقر وخيل وجمال الحاج نعمان، كنت أحسد دجاجات جدتي نعيمة في عشتهن، يضمن غذاء وشرابا بل وحتى دواء إن مرضن، الإنسان كرم الجماد وحماه وأمنه في خزائن حديدية أليس الذهب والفضة وأوراق النقد جمادات؟ يوفر لها أصحابها أقصى درجات التأمين والحراسة، ونترك أنا وأمثالي مشردين جائعين في الشوارع يدغدغ البرد عظامنا ونبحث عن أقواتنا في صناديق الزبالة، ما اظلم الإنسان ما أكفره!!!.
بعد أن أخفيت بقايا سهرة الليلة أو حلم الليلة، في مكان لا تطاله يد مخلوق ريثما ألقيه خارج الزريبة أسلمني السهر والتخمة إلى سلطان النوم الذي لا يقهر، وأخر فكرة تسيطر علي أنني لابد أن أحصل على المال بكل طريقة وبكل وسيلة، وبالمال اشتري القوة والنفوذ، وابني قصرا مثل قصر أدهم الذي رأيته ودخلته، ومن يدري ربما يصبح أدهم تابعا لي في يوم من الأيام….من يدري؟.

كنت لم أشبع نوما بعد، عندما شعرت بلكزات شديدة في ظهري، يبدو أنني كنت غارقا في النوم حد أني لم أصح على صوت باب الزريبة وهو يفتح ككل صباح محدثا ذلك الضجيج الذي كان بمثابة منبها بالنسبة لي، ويبدو أن أبي قد مل من كثرة النداء علي فاستخدم عصاته لإيقاظي، كنت ما زلت متلذذا منتشيا بوجبة الأمس وسهرة الأمس، لم ٱبه لوخزات عصا أبي، ما زال الخدر يسري في أوصالي، تقلبت على الجانب الٱخر محاولا الاستمرار في النوم، فاجأني أبي بضربة بعصاته على قورتي، قمت فزعا اتحسس ذلك الورم الخفيف الذي أحدثته عصا أبي بجبهتي، لم أصرخ ولم أجعر، فلم أشعر بألم، ربما من أثر الخمر التي شربت بقاياها في الزجاجات بالأمس وربما بسبب أنفاس الحشيش التي ما زالت تحدث دوارا في رأسي، ثم إنه أبي، ومنذ متى كان ضرب الٱباء للأبناء يؤلم؟
مشيت صامتا خلف أبي، أسمع النساء تثرثرن كعادتهن وهن يحلبن البهائم، أعرف مهامي جيدا، أمرمت تحت البهائم، اقدم لها علفتها الصباحية، ثم أطلقها في الساحة الواسعة بمجرد أن تملأها أشعة الشمس الذهبية، ثم نذهب أنا وأبي والجمال إلى الحقول لنأتي لها بوجبة الظهيرة الخضراء، قبل ذلك سيذهب أبي بوجبة الحليب الصباحية، ويأتي بالحاج نعمان، الذي ينتظرنا في الزريبة ريثما نعود.
في ذلك اليوم عدنا أنا وأبي بالبرسيم، كان في انتظاري مفاجأة سعيدة جدا، إذ رأيت فتاة تقوم بسقي البهائم من حوض الزريبة، تلك المهمة التي كنت أقوم بها أنا، تفك البهيمة من ساحة الشمس الواسعة وتسقيها ثم تعود بها إلى مربضها، لم يكن مبعث سعادتي أن عبئا رفع عني، لا …بل فرحت لأنها نرجس رفيقة طفولتي، ابنة فكيهة صاحبة أمي تلك التي كنت أشاركها حليب أمها لبضعة أيام، شاركتها إكمال مهمة سقاية البهائم سعيدا، حتى أنني لم اهتم أن أشارك أبي بقايا فطور الحاج نعمان، أنستني الفرحة جوعي، تشاركنا أنا ونرجس في توزيع البرسيم على البهائم، ثم جلسنا نستمتع بالشمس ونحن نراقب البهائم وهي تجتر، كنا نتبادل نظرات، لست أدري طبيعتها بالنسبة لها، وإن كنت أعرف ماذا تعني بالنسبة لي. كان مستحيلا بالنسبة لي أن أضع أنثى أملا لي، كنت أعرف أن ذلك عبث لا طائل من ورائه وأنه أمل محكوم عليه بالموت في مهده، كنت على يقين أنه لا يمكن أن تكون هناك أنثى في العالم تقبل برجب، كنت قد نسيت نرجس، نسيتها تماما، ففي خضم مأساتي كيف اتذكرها؟ وحتى لو كنت قد تذكرتها في بعض من حالات خيالاتي التي تتسع للإحلام ولا وعيي الذي أعيش فيه أغلب الوقت، فهل كنت افكر أنها قد تقبل بي؟
إنها مهما كانت شبيهتي في الفقر والحرمان، إلا أن لها أب كاد أن يطلق أمها، عندما جعلتني أشاركها حليب ابنته، ولها أم تتمنى لها الستر، وهل مع رجب ستر؟
نعم إن نرجس مولودة بوجه شبه ذكوري، وبجسد نحيل طويل أقرب إلى جسد الصبية الذكور منه إلى الفتيات، فلا مرتفعات ولا منخفضات، تضاريسها ذكورية بحتة، وحتى عينيها عمشاء مثلي، هل تتخيلون نظراتنا؟ نظرات عيون أصابها العمش والغماص ماذا عساها أن تقول؟
رغم كل ذلك التشابه بيننا، لن تفكر نرجس ولن تقبل أبدا أن يكون رجب فارس أحلامها أو زوجها المستقبلي، لكن ماذا تعنيه نظراتها، ماذا؟
كان الذي تتميز به نرجس عني أنها تستطيع أن تستحم في أمان، ربما لذلك فإن وجهها كان أكثر نظافة من وجهي، أكسبه الماء بعضا من بياض افتقده وجهي، هي تعاني من النمش ولكن ليس بالدرجة التي أعانيها، ملابسها رغم أنها أنظف من ثيابي إلا أنها مجرد أثمال بالية، تستر بالكاد ما لابد أن يستر، شعرها أكرد مثل شعري وربما أكثر، يسكنه القمل والصبئان من ذات الفصيلة التي تجعلني أقطع رأسي هرشا، لكنها رغم ذلك من المستحيل أن تقبلني.
فاجأتني نرجس ونحن جالسان مستمتعان بدفء الشمس، نتبادل النظرات التي ما زال كلانا يجهل طبيعتها، وقدمت لي نصف رغيف يابس وقطعة جبن قديمة وشطيرة لفت، تقاسمت معي غذاءها، يا فرحتي إنها تهتم بي، كنت جائعا جدا، أكلت ما قدمته لي بنهم واستمتاع ربما أكثر من استمتاعي بوجبة الأمس من الكباب والكفتة، أتيت على الطعام سريعا وبنهم، سمعتها تقول:
…بالهنا والشفا…اسم الله عليك يا رجب باين عليك كنت جعان قوي، يا ريت كان معاي أكل أكتر
كان قلبي يصرخ من السعادة، نرجس تهتم بي، يشغلها جوعي وشبعي، تشفق علي، الله أرسل لي أنثى جديدة يشغلها أمري بعد جدتي نعيمة، كنت من فرط سعادتي أريد أن اقدم شيئا لنرجس، أي شئ يظهر اهتمامي بها مثلما فعلت هي، قمت صامتا افتش عن ما فاض من أبي والحاج نعمان من الطعام الذي ترسله أم سيدي أدهم، أدرك أبي ما أبحث عنه، قدم لي الطعام وهو يقول:
…متخافش يا مفجوع أنا عامل حسابك…خد
اختطفته منه فرحا وأسرعت ناحية نرجس، وشاركتها فيه، التهمناه في شره ونحن سعيدين، ظللنا نتبادل النظرات في صمت، حتى أوشكت الشمس على المغيب، قمنا وتشاركنا في وضع العلفة المسائية للبهائم وأدخلناها غرفها، حتى ونحن نفعل ذلك كانت عيوننا لا تتفارق، وهي تعود إلى بيتها في نهاية اليوم أحسست أن روحي تفارق جسدي.

بعد أن أغلق علي أبي الباب في نهاية اليوم، وجلست أتناول كسرات الخبز اليابس وقطعة الجبن الذين أتى بهم ابن أخي، كنت ازدرد الطعام ازدرادا بلا شهية، لم تكن تلك عادتي، كنت شرها على الدوام حتى لو كنت شبعا، كنت أتناول كسرة ثم أسرح مع نرجس في عوالم يصنعها خيالي، نعم كان خيالي خصبا جدا، تركت معظم الطعام للقطط والفئران، وتكومت في ركني في غرفة التبن، وغطيت رأسي بالجوال، لا أريد أن أرى تلك الخيالات التي تفزعني على جدران الغرفة السوداء، ولا أريد أن أرى تلك الفئران الضخمة تتنطط على السقف والحوائط، تلهو هي وصغارها، كنت أريد فقط أن أعيش مع خيال نرجس، نرجس وحدها، صورتها لم تفارق عيني، وصوتها وهي تكلمني يأبى إلا أن يرن في أذني، كنت مكدود الجسد منذ سهرة الأمس الطويلة وشقاء النهار المضني، كنت أتصور أن النوم سيأخذني سريعا لعوالمه السحرية، لكن ذلك لم يحدث، كنت أعتقد أن الهم الشديد طارد للكرى، جوعي أيضا كان يسلبني القدرة على النوم في ليالي الشتاء القاسية، لكني اكتشفت الليلة، أن الفرحة الشديدة أيضا تسلب النوم من العيون، فرحتي ونشوتي جعلتاني أرى تحت دثاري البالي عالما جميلا صنعته خيالاتي، عالم لم أحلم يوما أن ارتاده، رأيت غرفة التبن الحقيرة التي أنام فيها، تشاركني الفئران واليرابيع ومخلوقات أخرى أحس بها ولا أراها، رأيتها غرفة نوم واسعة في قصر كبير مثل ذلك الذي أراه في التلفزيون، وأنا ونرجس فيها عروسان نقضي أجمل أيام حياتنا، وخدم يدخلون ويخرجون، يأتون بالفطور والغذاء والعشاء، ما أجمل نرجس!!
لقد اختفى النمش من وجهها، سيماء النعمة ظهرت عليها، كل تضاريسها التي كانت مخفية ظهرت لي، الفتنة كلها نرجس الجمال كله نرجس، نرجس حبيبتي إنها الٱن ملك لي، ملك لي وحدي، أخيرا وجد رحب أنثاه، عيناها اتسعتا، اختفى النمش والغماص، بدت زرقتهما واضحة، يا الله لقد غرقت في بحر عينيك الأزرق يا نرجس.
أنا أيضا لم أعد رجب، ذلك اليتيم البائس المحروم، أنظر في المرٱة الضخمة، فأجد شابا وسيما أبيض الوجه، كنت أكثر بياضا من الخواجة جورج، شعري أصفر ناعم، عيناي عسليتان، مثلما أخبرتني بذلك جدتي نعيمة، قبل أن تختفي زرقتهما خلف عمشي وغماصي، لا أثر للقذر والوحل على جسدي، ما أجملنا من عروسين أنا ونرجس!
يعيدني إلى الواقع شئ ثقيل سقط على غطائي، يبدو أنه فأر كبير اختل توازنه وهو يلهو فوقي على السقف، لم أجرؤ أن أزيل الغطاء من على وجهي لأراه، سرعان ما مضى عن فراشي وعاد إلى مكمنه، عبثا حاولت العودة للصورة التي كانت تداعب خيالي، لكن كان ذلك محالا، اكتفيت بسؤال طرحته على نفسي:
…ترى هل يمكن أن يوافق الحاج نعمان أن نتزوج أنا ونرجس هنا في الزريبة، وإن وافق هو هل توافق زوجته الحاجة صفية وابنها سيدي أدهم بك؟
لم أجد إجابة لسؤالي، إذ بفرض أن الإجابة كانت نعم وأن الجميع سيوافقون على ذلك، فمن ذا الذي سيطرح الموضوع للمناقشة أصلا ولاحتمالات القبول أو الرفض، وصاحب الموضوع أخرس لا يتكلم، فحتى في خيالي الذي كنت أعيش فيه منذ لحظات،ورغم كل الجمال الذي كان فيه، لا أذكر أنني تحررت من خرسي، لا أذكر كلمة واحدة كلمتها لنرجس،حتى في خيالي كان الكلام لنفسي ومع نفسي، كم أنت عبيط يا رجب، هب حتى أنك تحررت من خرسك وعرضت طلبك فهل تقبل نرجس، وإن قبلت هي فهل يقبل أبوها وأمها؟
نم يا رجب نم، عد لواقعك، أنت بالأمس فقط حققت حلمك في وجبة تشبعك، تكون يدك هي أول يد تمتد لها، ليست من بقايا طعام هذا أو ذاك، كفاك طمعا يا رجب، أحلم بوجبة أخرى من يد سيدك أدهم بك، هذا أقصى ما يمكنه أن يتحقق لك أحلام، فلا تبالغ يا رجب…لا تبالغ.
في هذه اللحظة تذكرت ما كان في ليلة الأمس وما كان من سيدي أدهم بك ورفاقه، ترى هل سيأتون الليلة؟ رغم إرهاقي الجسدي تمنيت ذلك، ويبدو أن النوم خطفني أخيرا من أفكاري، واستفقت على صوت باب الزريبة يفتح، ظننته في البداية سيدي أدهم، منيت نفسي بسهرة ووجبة جميلتين، وانتظرت نداءه علي، ولكن صوت أبي هو الذي ناداني و أدركت أن يوما جديدا من أيامي في الزريبة قد بدأ.
كانت الأيام التالية هي أسعد أيامي في الزريبة، بل في حياتي كلها، كنا نتقاسم أنا و نرجس اللقمة والعمل، كنت أعد الدقائق حتى نعود أنا وأبي من الحقل ومعنا البرسيم، كانت أمتع تلك اللحظات، هي التي نجلس فيها في الشمس نراقب البهائم وهي تجتر، ونجلس نحن لتناول غذائنا، نرجس تخرج ما صرته له أمها، وأنا ٱتيها بما فاض من أبي والحاج نعمان، كنا نأكل بشهية، نأتي على كل ما وقع تحت أيدينا من عيش وغموس، في مرات قليلة كنا نتحصل على قليل من الشاي، نجده باردا في الكنكة، نشربه باردا… لايهم، المهم أننا كنا نسرق قليلا من السكر لنحليه به، من غير أن نستأذن أحد، كانت أول جريمة ترتكبها معا، أعرف مكانه، يدسه الحاج نعمان في كوة في أحد جدران الزريبة، كنا ننتهز فرصة انشغاله هو وأبي في الحديث، ونفعل ذلك، لم نكتف بتبادل النظرات، بل بدأت نرجس تحكي وتفضفض، وكما أنني وجدت أخيرا أنثى يشغلها أمري، يبدو أنها أيضا قد وجدت من تحكي معه بحرية، وتبوح له.
يبدو أنها اطمأنت إلي، ربما لأنها تعلم أنني أخرس لا اتكلم، ومهما حكت وباحت فلن يخرج ما درا بيننا عن كلينا، وحتى لو كنت اتكلم فأنا عبيط ومن يسمع لعبيط ولو سمع له فهل يصدقه؟
أو ربما أحست نرجس أنها تفضفض لنفسها تهمس لها بأوجاعها، وبدلا من أن تحكي بصوت خافت، جعلها ذلك الكائن الصامت أبدا أمامها، تحكي بصوت مسموع، كثيرا ما يكون في إخراج المكنون في الصدر راحة لأصحاب النفوس المعذبة والتي طالما أرهقها كثرة ما تدفنه بين ضلوعها من ٱلام وهموم، تبحث عن أحد تبوح له أي أحد، حتى ولو كان جمادا أو حتى حيوانا، أنا كنت أحكي مع الماعز ومع الكلاب وحتى مع الفئران عن حياتي عن عذاباتي عن مأساتي عن أحلامي، كنت ضامنا لسكوتها ولاحتفاظها بسري فكنت أبوح وأبوح، لم يزعجني خاطر أن تعتبرني نرجس جمادا أو كائنا أو حتى حيوانا صامتا، لا يخيفها البوح له، بل زعمت لنفسي أن نرجس ربما تعتبرني جزء من كيانها هي، وبالغت في تقديري لنفسي وأوهمتها، ولماذا لا تكون نرجس قد اعتبرتني كيانها كله، نفسها كلها؟ أنا كيانها أنا نفسها أنا حياتها، أسرني ما توهمته، وعشت معها في عوالمنا السحرية الرائعة، حكت لي نرجس أول ما حكت، كيف أتت بها خطاها إلى حيث التقينا أنا وهي، نرجس نديدتي في العمر، وأنا تخطيت العشرين بقليل، في مجتمعنا لا يهم أن يتخطى الرجل الثلاثين ويكون عازبا، أما الأنثى فإن تخطت العشرين بقليل ولم تكن قد جرت في يديها طفل أو أثنين، فيا ويلها ويا سواد ليلها، كل النظرات والغمزات واللمزات وفي خناقات الحارات وما أكثرها تكون أيضا الكلمات، تذبحها وتقول لها: يا عانس.
وتخطت نرجس المسكينة تلك السن، وأدركت أمها فكيهة خطورة المرحلة التي تمر بها ابنتها المسكينة، هي تعلم تماما أن ابنتها ليست جميلة وأن فرصها في وجود رجل يقبل بها زوجة شبه معدومة، ولكنها تعلم أيضا أن ابنتها أنثى وأن لكل أنثى رغبات ورغبات، ربما جعلتها خبرتها تدرك ذلك أو ربما سمعتها أو رأتها تحدث نفسها به، خافت عليها، تفتق ذهنها أن تجد لها ما يشغلها عن أحلامها وٱمالها وغرائزها الطبيعية، وتكون في نفس الوقت تحت حماية رجل قوي مثل الحاج نعمان، اختارت لها أن تعمل وتشقى، وهل بغير الشقاء الذي بلا طائل، تنهك الأحلام ثم تقتل، بعد أن يفقد صاحبها كل أمل في تحقيقها، كان عمل نرجس في الزريبة بلا اجر تقريبا، أبعدتها به أمها حسب تفكيرها المحدود عن أحلامها عن تطلعاتها عن غريزتها، توهمت المرأة الجاهلة ذلك، فليس من المعقول أن تكون قد جاءت بها إلى هنا من أجل حزمة من البرسيم لا تشبع عنزا يعطيها لها الحاج نعمان البخيل كل يوم متأففا، باحت لي نرجس بذلك ليس بكلماتها فحسب بل نظراتها قالت أكثر وأكثر.
حكت لي نرجس أيضا عن تحرشات لداتها من الفتيات بها، همزاتهن غمزاتهن كلماتهن إشاراتهن، يعيرنها بهيئتها،جسدها الذكوري، نمشها عمش عينيها، شعرها المجعد والحشرات التي تسكنه، بعنوستها، مزقنها بكلماتهن قطعنها بإيحاءاتهن التي تذبح بغير سكين، كانت تحبس نفسها في البيت، هربا من كل ذلك، ثم ها هي أمها نفتها هنا النهار كله، ياه يا نرجس، أنت مثلي تماما،كلانا يعذب بلا ذنب، مأساتنا واحدة كل تفاصيلنا مشتركة، ما نمر به يصل حد التطابق يا نرجس، مسكينة أنت ومسكين أنا.
هكذا مضت أيامنا أنا ونرجس، كنا تقريبا لا نتفارق إلا عندما تغيب الشمس، كرهت المغيب، لأنه كان يؤذن بعودة نرجس لبيتها.
كنت ما زلت أحلم كل يوم بزيارة ليلية جديدة لسيدي أدهم بك، انعم فيها بمثلما نعمت في السابقة، بطعام وشراب لذيذ، قررت هذه المرة أن احتفظ لنرجس بنصيبها منه، وفي ليلة سمعت الباب يفتح، واستيقظت من نومي، لم أسمع جلبة وحديثا مثل المرة الاولى، سمعت شخصين فقط يتكلمان همسا، ميزت صوت سيدي أدهم، اطمئننت، وانتظرت أن يناديني، لكنه لم يفعل، لم أطق صبرا، نظرت من فتحة بالباب، واكتشفت سرا جديدا.

أضف تعليقاً