عندما نظرت من فتحة الباب، رأيت سيدي أدهم، يمسك في يده مصباحا كهربائيا شديد الإضاءة، جعل مدخل الزريبة الواسع ظهرا، في يده الأخرى كان يمسك بيد ذلك الرجل الذي كان يغادر معه في سيارته من عشة ناعسة، مخفيا كل معالم وجهه، وكان الفضول يقتلني، أريد أن أعرف من هو؟
يبدو أن هذه اللحظة قد حانت، سمعت صوتا يتحدث غير صوت سيدي أدهم، لكن ما هذا؟ إنه صوت أنثوي، سمعته يقول:
…خايفة يا سي أدهم
وحاول أدهم طمأنتها قائلا:
…وهيا أول مرة نيجي هنا يا سوسن..انتي كل مرة بتبقي خايفة…قلتلك ميت مرة طول ما أدهم معاكي متخافيش من حاجة أبدا….دا أنا موت شمشون عشان خاطرك…يا إلا نطلع فوق.
ثم سمعت صوت البوابة الحديدية الكبيرة تفتح ثم تغلق وبعدها ساد الصمت، وعادت الظلمة تلف المكان كله، رغم الطمأنينة التي بعثها قرب أدهم مني ووجوده في المكان الذي أبيت فيه، إلا أنني كنت حزينا، فلن يناديني بالتأكيد وليس هناك طعام ولا شراب، فهل من المعقول أن يفضح نفسه أمامي ويجعلني أرى عشيقته الفاتنة، التي قتل من أجلها؟
يا الله، نعم كنت متأكدا أن سيدي أدهم هو من كان وراء قتل شمشون، لكن كوني لم أره بنفسي يقتل أو حتى أسمعه يتفق على القتل، كان يترك في نفسي شكا أنه قد يكون بريئا، وتكون رواية الحكومة عن قتل شمشون حقيقية، ولكن ها أنا قد سمعته بنفسي يقول أنه قتل شمشون من أجل سوسن، كنت أظنه قد قتله من أجل إهانته له وطرده من عشة ناعسة، وليس من أجل سوسن، ولكن ها هي الحقيقة قد انكشفت لي.
للحظات ظننت أنني الوحيد في العالم الذي يعرف الحقيقة كلها، لكنني تذكرت ما دار بين شمشون وناعسة وفتوح ليلة طرد شمشون لأدهم، وتأكدت أنهم بالتأكيد يعلمون الحقيقة.
ولكن هل لهذه الدرجة يمكن أن يصل عشق امرأة بإنسان، هل يدفعه ذلك العشق البهيمي للقتل؟ بالتأكيد إن ما بين أدهم وسوسن ليس حبا عذريا أفلاطونيا، فلم يهم أدهم عشقا بروح سوسن ولا بأخلاقها الرائعة، كل الذي شغف به هو جسدها وتضاريسه، شبقه هو الذي جذبه إليها، هي مثله بالتأكيد، إضافة إلى كونها وبالتأكيد أيضا قد شدها إليه غير شبابه ووسامته، أمواله الكثيرة ونفوذه، إضافة إلى طمعها في حمايته وحماية عائلته الكبيرة.
ولكن هل الغريزة البهيمية وحدها هي من كانت دافع أدهم للقتل؟
بالتأكيد ليست وحدها بل كان بجوارها بالطبع، الرغبة في التملك، الظهور بمظهر القوي أمام المعشوقة، وأمام أصدقائه الذين شهدوا إهانة شمشون له، عدم الرغبة في الانكسار أمام كل هؤلاء، هي بالتأكيد من العوامل التي جعلت أدهم لا يتوانى لحظة عن التعجيل بقتل شمشون.
لم أشعر بأدهم وسوسن وهما يغادران الزريبة، يبدو أنني قد غرقت في الأفكار حتى سرق النوم يقظتي، استيقظت على صوت باب الزريبة يفتحه أبي، وقبل أن أخرج مجيبا ندائه، طار قلبي من الفرح، إذ وجدت بجوار فراشي كيسا كبيرا، به بقايا طعام وشراب سهرة سيدي أدهم وسوسن، ضاعف فرحتي أن سيدي أدهم لم ينسني وأنني سأشارك حبيبتي نرجس في التهام تلك الوجبة الرائعة، حتى ولو كان الكباب والكفتة باردين، بالطبع لن أشاركها شرب البيرة، فحبيبة رجب لا تقرب من تلك النجاسات، أنا أيضا لن أشرب بيرة مجددا لأكون مستحقا لحب نرجس، سأسكبها على الأرض، بعد أن فعلت ما أزمعت عليه، قمت ملبيا نداء أبي وبدأ يوم جديد.
في فترة قيلولتنا نحن والبهائم، تناولنا أنا ونرجس طعامنا بشهية كبيرة، كم كانت فرحتي وأنا أرى نظرات السعادة في عينيها و على شفتيها وكل ملامح وجهها، وهي تتناول للمرة الأولى هذا الطعام اللذيذ، الذي تركه لي أدهم بالأمس، كباب وكفتة، أين لنرجس أن تأكلهما ما لم يأت لها بهما حبيبها رجب؟
ملأني ذلك بالفخر والفرحة، حتى أنني توقفت عن الأكل، على غير عادتي النهمة، واكتفيت بالتحديق في نرجس وهي تأكل، تاركا لها متعة التلذذ بالباقي كله وحدها، لم يشغلني أنها لم تلتفت لتوقفي عن الأكل من أجلها، وظلت تأكل وتأكل حتى نفد جميع ما أمامها من طعام، وأنا شبعت بشبعها، كنا سعيدين منتشيين، ونمنا في مكاننا مستمتعين بدفء الشمس، حتى أيقظتنا تلك البرودة التي تسللت إلى جسدينا معلنة غياب الشمس، وصوت البهائم كأنها تنادينا أن ندخلها غرفها الدافئة ونقدم لها علفتها المسائية، ومضى يوم ٱخر.
وهكذا كانت أيامنا في الزريبة، بين شدة ورخاء، راحة وشقاء، ضحكة وبكاء.
وجاء خميس جديد، في نهايته اصطحبني أبي إلى دارنا، عرفت يومها أنه أصبح من حقي زيارة بيت أبي في كل خميس من كل أسبوع، أمكث فيه ساعة أو أقل، أتناول فيها عشائي من الزفر والطبيخ والعيش الطري، ثم يعيدني أبي إلى الزريبة ويغلق علي، كنت على غير عادتي زاهد في طعام دارنا، بعد أن تذوقت طعام سيدي أدهم، أصبحت نفسي تقزع من طعام زوجات أشقائي، الذي يقدمنه لي عن غير رضا نفس، من بواقي أكلهن هن وأزواجهن وأبنائهن، كنت في الماضي اشتهيه لأنني لم اتذوق أفضل منه أما الٱن فلا، تركت الصحن تقريبا كما هو حتى أن زوجة أخي قالت لي وهي ترفعه من أمامي:
…يسد نفسك تاني وتاني..مش عادتك يعني…دا انت كنت بتلحس الصحن.
كنت جائعا جدا ولكنني لم استطع أن ابتلع الطعام في بيت أبي، وفي حقيقة الأمر كنت شديد الأمل واللهفة، أن سيدي أدهم سيأتي إلى الزريبة الليلة، كنت أريد أن أترك في بطني مكانا لطعامه وشرابه اللذيذين، ولتذهبي بفضلاتك إلى الجحيم يا زوجة أخي الظالمة.
عدت إلى الزريبة، حاولت اختطاف ساعات أنام فيها قبل مجيء سيدي أدهم، وبالفعل نمت سريعا في تلك الليلة، وصحيت على صوت الباب يفتح، وسمعت الجلبة التي تمنيتها، ضجيج سيدي أدهم وصحبته، وسمعت أحب نداء إلى قلبي:
…يا واد يا رجب…فز قوم اصحى…ولعلنا الفحم، وتعالى ورانا على فوق.
كان العدد أكثر من المرة الفائتة، يبدو أن برعي أبو شنب قد اصطحب عددا من رجاله، وجدتهم جالسين على المصاطب في ساحة الزريبة، مجموعة أخرى من الرجال يبدو أنهم عمال أو فلاحين يجلسون على الأرض، جرجس خادم الكنيسة وزيدان الغفير كانا متواجدين أيضا، وزع برعي لفات الطعام وزجاجات البيرة على الجميع، قبل أن يصعد لأعلى عند السادة، أعطاني أنا الٱخر لفة طعام وزجاجة بيرة،أخذت الطعام ورفضت البيرة وفيا لتعهدي بعدم شربها من أجل نرجس، نضج الفحم في المنقد وصعدت به لأعلى، كان الجميع ملتفين حول مائدة مستديرة وأمامهم أوراق، وكان واضحا للعيان أن ذلك الرجل غريب الأطوار الذي لا يتكلم واسمه الشيخ سند هو الذي يتصدر المشهد، جلست في ركن أتناول طعامي بالأعلى، كنت قد قررت البقاء لاتلقى الأوامر من سيدي أدهم ولم يمانع أحد ذلك أو ربما لم يلتفت أحد أو يأبه لوجودي، وبقيت أكل وأسمع.
سمعتهم يتحدثون بكلمات، أسمع بعضها لأول مرة في حياتي، مجسة وماكينة شفط مياه وأخرى تجففها و بخور هندي ومغربي وأشياء أخرى كثيرة، كان معهم هذه المرة رجلا أجنبيا، عرفت فيما بعد أن اسمه الخواجة هنري، كان يجلس بجوار الدكتور هاني متلاصقين، يتحدثان همسا بلغة أجنبية، ثم رأيت الجميع يقومون فجأة ويهبطون السلم، تبعتهم في صمت، وقفوا أمام البوابة الداخلية الضحمة، وأخرج الدكتور هاني من جيبه جهازا وضغط عليه، فتحت البوابة بغير صوت، استغربت أن هاني هو الذي معه جهاز فتح البوابة وليس سيدي أدهم، السيطرة الٱن واضحة جدا للثلاثي الغامض الشيخ سند والدكتور هاني والخواجة هنري، دخل الجميع ودخلت معهم.
قلت لكم أن خرسي وبؤسي، قد أتاح لي ما لم يتح لغيري من الاطلاع على الأسرار، فالجميع يعتبرني جمادا لا ينفع ولا يضر أو بالأحرى يعتبرونني لا شئ.
كان ما وراء البوابة ساحة واسعة باتساع المبنى كله، فارغة تماما من كل أثاث، لا يشغل فراغها غير خمسة أعمدة ضخمة، يستند عليها المبني العلوي، كانت الأرضية مكسوة ببلاط رخيص لا يتناسب مع فخامة ما رأيته في أرضيات الدور العلوي التي كانت تلمع كالزجاج، بل أعتقد أنها من الزجاج فعلا.
بدأ الشيخ ينحني عند بقعة معينة في الساحة ويرسم خطوطا طولية وعرضية ورسومات غريبة،ويتمتم بلغة غير مفهومة لي وبالتأكيد لجميع من كان متواجدا في المكان، ثم يكتب على ورقة، يعطيها للدكتور هاني، والذي بدوره يترجمها للخواجة هنري، الذي يتمتم له ببضعة كلمات، يعيدها الدكتور هاني على مسامع الشيخ باللغة العربية، كان سيدي أدهم والخواجة جورج ينتحيان جانبا ويستندان إلى أحد الحوائط يراقبان المشهد في صمت، تأكدت أن الخواجة جورج هو أقرب الموجودين لسيدي أدهم، بعد انتهى الشيخ من عمله، وقف الدكتور هاني وتحلق حوله الجميع وقال:
…خلاص يا جماعة الشيخ حدد مكان الحفر، إن شاء الله ها ننزل على السقف بالظبط بعد عشرة متر تقريبا، وبكرة هانجيب المجسة ونتأكد وإن شاء الله زي النهاردة نبدأ الحفر
وتدخل سيدي أدهم في الحديث قائلا:
…زي النهاردة؟ أنا كنت عامل حسابي على النهاردة والعمال اللي برة دي قابضة أجرتها وجاية تحفر الليلة، وأنا مأمن الدنيا برة واشتريت زيدان غفير الكنيسة وجرجس وكمان الجيران مراضيهم…المصاريف دي كلها خسارة إيه ميخليناش نحفر النهاردة. ونستفيد بالوقت؟
فيرد الدكتور هاني:
…دا رأي الشيخ سند بيقول إن المكان علىه حارس مش سهل ولازم يشوف أنسب وسيلة للتعامل معاه، ها يبدأ معاه بتعزيمات وبعدين بخور وبعدين حاجات تانية وبيقول ادعوا ربنا إننا نبدأ يوم الخميس الجاي دا ممكن كمان نأجل، والخواجة هنري مصمم إننا نسمع كلام الشيخ سند، دي مش أول مرة يشتغلوا مع بعض، ثم انت ليه يا أدهم بيه بتتكلم على مصاريف…هو انت دفعت مليم من جيبك لغاية دلوقت؟
ثم يدخل يده في جيبه ويخرج دفتر شيكات ويكتب شيكا ويعطيه لأدهم، ويبدأ الجميع في مغادرة المكان، ويأمرني أدهم بك بالصعود إلى أعلى لجمع بقايا الطعام والشراب مثل المرة السابقة، وهو الأمر الذي كنت انتظره.
بعد أن غادر الجميع الزريبة وأغلقوا علي بابها، حاولت أن ٱكل لقمة واحدة من هذا الطعام الشهي، لكن نفسي لم تطاوعني أن أكل منه شيئا من غير أن تشاركني فيه نرجس ، ٱه كم أحبها، لم يعد يهنأ لي شئ بدونها، ملأت صورة نرجس كل خيالي، حتى أنني لم أفكر فيما دار في تلك الليلة رغم كل ما فيها من إثارة وغموض، بل أنني لم أخف حتى من سيرة ذلك الجني الخطير الذي يحمي مكانا تفصلني عنه أمتار قليلة، تراني تنازلت عن حلمي الشخصي في اقتناء المال وتحقيق أسطورتي الشخصية في الثراء والسيطرة، ترى هل تنازلت عن كل ذلك من أجل حلم بسيط؟ نعم لا يسيطر علي الٱن غير حلم أن يوافق أبي وأبو نرجس والحاج نعمان وسيدي أدهم بك أن نتزوج أنا وهي ونقيم في غرفة التبن الحقيرة تلك، ونظل خادمين لهم ولبهائمهم طول العمر، ترى هل يحققون لنا ذلك الحلم؟.
مضت أيامي التالية، كسابقتها، أقضي نهاري كله مع نرجس، تتهامس عيوننا بغير كلام، نتناول كل ما أتيح لنا من شراب وطعام، نشارك البهائم كل يوم قيلولتها ومتعتها في الشمس، في الليل أبقى بجوار عمال الحفر الذي بدأ، كان يبدأون وينتهون في مواعيد محددة ومضبوطة بالثانية، يتوقفون عن الحفر قبل قرٱن الفجر تماما، قبل أن يحين موعد قدوم أبي ونساء الحلب وبعدهم الحاج نعمان، ويغادرون المكان ويغلقونه، وأبقى أنا وحيدا، كنت أظن أن الحفر لن يستغرق يوما وليلة، لكنه طال أكثر مما اتصور، كثيرا ما غفوت فلا استطيع الدخول، كان مستحيلا أن يفتح الباب أثناء الحفر، كان الفضول يقتلني ساعتها، أخشى أن يصلوا إلى الكنز في غيابي.
في الأيام التي أحضر فيها الحفر مع العمال، كثيرا ما كنت أغفو بجوار أحد الحوائط وأحلم بالكنز.
مضى شهران وربما أكثر والحفر ما زال مستمرا، كانت أياما سعيدة جدا بالنسبة لي، طعام وشراب وشغف يتزايد بما يحدث كل يوم في الليل.
كان الدكتور هاني سخيا جدا في الصرف وأدهم لا يبخل أبدا، هو لا يدفع من جيبه، المبالغة في المصاريف والإكراميات للعمال ولبرعي أبو شنب ورجاله، جعلتني أتساءل هل يستحق ذلك الكنز الذي يبحثون عنه كل هذا البذخ؟
رجال برعي أبو شنب كانوا يقفون بأسلحتهم على رؤوس عمال الحفر لا تفارقهم عيونهم لحظة واحدة، يقولون أن لتلك الكنوز فتنة تذهب بالعقول، وربما طمع هؤلاء العمال في ما قد يجدونه، في أحد الأيام أحس أحد العمال بشئ تحت قدميه، ظن أن العيون مشغولة عنه فدسه بين طيات ملابسه، عين أحد رجال برعي التقطته، أبرحوه ضربا وأخرجوا التمثال الصغير من ثيابه، أعطوه لرئيسهم برعي أبو شنب الذي صعد به مهللا إلى سيدي أدهم بك والذي بدوره أعطاه للدكتور هاني، وعرضوه على الخواجة، أخبرهم الخواجة أنه تمثال أوشابتي فرعوني لا قيمة له بمفرده، وإن كان العثور عليه يدل على أنهم في الطريق الصحيح، ما أثار فزعي تلك الليلة هو ما حدث مع ذلك العامل الذي حاول إخفاء ذلك التمثال، فقد أمر الدكتور هاني بقتله ليكون عبرة لمن يحاول أن يقلده من العمال، ونفذ برعي الأمر بطلقة في رأس الرجل المسكين، وسط صمت ورعب كل زملائه، الغريب أنني لاحظت دموع حزن حقيقية في عيني إثنين فقط وهما سيدي أدهم بك والخواجة جورج وهما ينظران إلى جثة العامل المقتول، ما حدث جعلني، أسأل نفسي وماذا لو طمع برعي ورجاله في الغنيمة؟
من فرط رعبي مما جرى أمام عيني، يتوقف تفكيري ولا أجد إجابة، أمني نفسي، أنني ربما أعرفها في يوم ما، فلأدع الأيام تمضي بي كما تشاء.
في ذات صباح، وبعد أن انتهت النسوة من حلب البهائم فوجئت بأبي يأمرني برفع دلوين من دلاء الحليب ويأمرني بأن أتبعه إلى حيث بيت الحاج نعمان ويقول لي:
…تعالى ورايا يا رجب عشان تعرف طريق البيت وتودي اللبن انت كل يوم….انت ما بقتش صغير وأديك زي البغل أهه
وهرولت خلف أبي وحمارته، إلى البيت الذي ذهبت إليه أكثر من مرة أيام موسم الحطب، يبدو أن أبي نسى ذلك ولكنني لم أنسه، يعرف أبي طريقه جيدا داخل بيت الحاج نعمان، يدخل بغير استئذان، يعتبر نفسه واحدا من أهل البيت، ندخل الجانب الخلفي من حديقة البيت، الحاجة صفية أم أدهم تجلس على مقعد خشبي متهالك تأمر وتنهي لبناتها ولبعض النسوة اللاتي يخدمنها، قربة اللبن معلقة على ثلاث جريدات نخل عفية نسميها ( جحش القربة) والشندة معلقة على أحد الحوائط ما زالت ٱثار المهلة بادية عليها، الشندة هي عبارة عن أداة تشبه الحصير مصنوعة من الحلفاء أيضا، يوضع فيها اللبن ليتخثر بعد نزع الزبدة منه والمهلة بكسر الميم هي ذلك الماء الأبيض الرقراق، الذي يصفى من اللبن أثناء عملية التخثر.
يفرغ أبي الحليب في القربة، تصر الحاجة صفية أن تنفخ القربة بنفسها فهي تقرف وتشمئز أن تقوم غيرها بذلك، تبدو مسيطرة ومتحكمة في البيت تماما، يا لها من امرأة قوية!! أدركت ذلك للوهلة الأولى.
تنظر ناحية واحدة من النسوة، جالسة أمام الكانون، تقمر كمية من البتاو على رقعة سوداء وتقول لها بغلظة:
…ما تخلصي يا شربات انتي ها تقعدي سنة تقمري في كام بتاوة
ثم تقوم وتعطي أبي بتاوة من تلك التي لم تقمر وقطعة جبن قديمة، يملأها الدود، ألعنها في سري، لماذا لم تعط أبي واحدة من تلك التي انضجتها النار وطرتها وجعلتها شهية للناظرين، لماذا لم تعطه قطعة خضراء طازجة؟ يا لها من امرأة متجبرة، نأكل أنا وأبي البتاوة وقطعة الجبن، يكون الحاج نعمان قد انتهى من طعامه في الداخل، بالطبع لا ندري ماذا أكل، ثم يصحبنا ونمضي إلى الزريبة.
دخلنا موسم القيظ، أو القيضي كما كنا نسميه، بدأ النهار يطول والليل يقصر، واشتدت حرارة الشمس، وتغير النظام في الزريبة، بدأنا نخرج البهائم من غرفها، بعد العصر بعد أن تنكسر حرارة الشمس، وتظل هكذا في الساحة الواسعة حتى تزعجها شمس الظهيرة الحامية، فندخلها إلى غرفها الظليلة، ما زلنا أنا ونرجس نتبادل النظرات الصامتة.
عندما بدأ موسم الحصاد الصيفي، كنت أخشى أن ذهابي إلى الحقول سيمنعني لذة مرافقة نرجس طيلة أيام الموسم، ولكن سعادتي كانت كبيرة لما عرفت أنها ستكون رفيقتي إلى الحقول أيضا، كنت أنا وهي نحسب نفرين ونقبض يومية، عمي عبد العظيم الخولي كان رجلا طيبا وليس مثل مقاول الدودة الذي كان يبخسني حقي، قد تظنون أنني كنت أذهب إلى حيث مخبأ كنزي فاضيف إليه ما اتحصل عليه في هذا الموسم من جنيهات، لا لم أكن أفعل، لقد فقدت شغفي بكنزي التافه هذا، أي عنز تلك التي ستحقق أحلامي؟ شغلت عنه بكنز سيدي أدهم ورفاقه، بالتأكيد سأنال نصيبا كبيرا منه أحقق به كل احلامي، هكذا كنت أمني نفسي وأحلم.
لعلكم تتساءلون أين كنت أذهب بأجري إذا؟
لا أيضا لم أكن أعطيه لأبي، كنت في هذه الأيام أعطي كل ما أحصل عليه من نقود لحبيبتي نرجس، ليس أجرتي كنفر أيام الموسم وحسب، لا بل كل ما كنت أحصل عليه من نفحات سيدي أدهم ورفاقه، نسيت أن أخبركم، أنهم كانوا اسخياء جدا معي، الخواجة جورج كان أكرمهم، أعطاني مرة خمسين جنيها كاملة، كنت أعطي النقود لنرجس، لتحتفظ بها لنا، نستعين بها عندما تحين لحظة تحقق حلمنا، يوم زواجنا، أنا بالطبع لم أخبرها لماذا أعطيها النقود، ما زلت أخرسا، لكنها بالتأكيد تفهم وتحلم مثلي، هكذا كنت أقول لنفسي، لم أسأل نفسي مرة واحدة ماذا لو كانت نرجس لا تبادلك نفس مشاعرك، ماذا لو كانت لا تحلم حلمك؟
اكتشفت سرا جديدا هذه الأيام، فرغم زعمي أنني ذكي، إلا أنني أدركت متأخرا جدا أن عمال الحفر الذي يستعين بهم أدهم ورفاقه في بحثهم عن الكنز، كانوا لا يغادرون مكان الحفر أبدا وأنهم محبوسين حتى انتهاء العملية، كان أدهم وصحبته يخشون غدر أحدهم وإفشائهم بالسر، كان الوحيد المسموح له بالمغادرة هو أنا حتى لا يفتقدني أبي والحاج نعمان، ثم هل مثلي يخشى خطره؟
واكتشفت أيضا أن جدران مكان الحفر والبوابة التي عليه كانوا عازلين للصوت تماما، ومن المستحيل أن يسمع من بالخارج، أي شيء مما يحدث خلف تلك البوابة.
في أخر موسم الصيف، كان أبي متصدرا المشهد مرة أخرى، يوزع جمال البوص على البيوت وينال النفحات من هنا ومن هناك، وطبعا كنت معه، كل ما كنت اناله أعطيه لنرجس، ذهبنا بجمال البوص إلى بيت الحاج نعمان، خصصنا له يوما كاملا مثل موسم جني القطن، ثم كان علينا مهمة أخرى، فبعد أن تابعنا عمليات تقليم النخيل في كل حقول الحاج نعمان، جمعنا له نواتج التقليم من جريد وأخشاب وجمال النخيل، وحملناها على الجمال وذهبنا بها إلى منزله، عرفت بعد ذلك أن هذه الأخشاب ومعها ما تبقى من حطب الموسم القديم، تستخدم في سلق القمح، لأن موسم الكشك قد اقترب.
وبدأ أيضا موسم جديد لعشة ناعسة هو ليس كالموسم الشتوي بطبيعة الحال، فقروش الفلاحين فيه أقل كثيرا من موسم القطن، بالطبع كان أبي يذهب كل ليلة إلى هناك، أما أنا فشغفي بما كان يحدث في الزريبة أفقدني كل شغف سواه، لم أعد أتبع أبي إلى هناك.
اعتقد أن أدهم أيضا، لم يعد شغوفا بذلك، سوسن يأتي بها متى أراد ثم أنه بكل تأكيد مشغول بالكنز وأحلام الثراء.
أي ثراء تبحث عنه يا أدهم ألا يكفيك مال أبيك وامك؟
اترك لنا نحن يا أخي الأحلام وعش واقعك، أو اترك لنا واقعك وهنيئا لك الأحلام…اترك لنا شيئا بالله عليك.
في أحد الأيام وبينما كنت نائما بجوار أحد الحوائط في مكان الحفر سمعت تهليلا وفرحا وأحد العمال يقول:
…وصلنا للسقف…وصلنا للسقف
وأسرع برعي بالصعود مناديا أدهم ورفاقه، الذين هبطوا مسرعين، عاون الجميع الخواجة هنري والشيخ سند وهما ينزلان إلى حيث مكان الحفر باستخدام أحد السلالم الخشبية، ٱه كم تمنيت أن أنزل لأرى!!
أخذ الخواجة يتفحص ما أسفر عنه الحفر ثم صعد السلم هو والشيخ سند، وقد بدأ على وجهيهما بعضا من القلق والحيرة، يبدو أن صعوبة ما قد بدت لهما.
بالفعل سمعت الدكتور عادل والخواجة يتحدثان بلغتهما الأجنبية، ثم تحدث الدكتور هاني قائلا:
…الخواجة بيقول إن احنا محتاجين أجهزة خاصة جدا…مادة السقف صعب خالص نقدر نفتحها بالأدوات العادية…الأجهزة دي ها نجيبها من برة بإذن الله….بس الموضوع هياخد شهر تقريبا على الأجهزة ما توصل
بدأ الحزن والفزع على وجه الجميع خاصة عمال الحفر الذين سيطول حبسهم شهرا أخر وربما أكثر، أنا كنت أكثر الجميع حزنا.
في أحد الأيام الصيفية الحارة، مشيت خلف أبي حاملا دلاء الحليب إلى بيت الحاج نعمان، أخبرني أبي قائلا:
…اعمل حسابك يا رجب…إحنا هنقضي اليوم كله في بيت الحاج النهاردة.
ووصلنا بيت الحاج نعمان، وبمجرد دخولنا تسلل إلى خياشيمي، مزيج من روائح مختلفة، كلهن طيبة شهية، سأل لها لعابي.
كان البيت ضاجا بالزحام، رجالا ونساء، الجميع موجودون في حديقة البيت الخلفية الواسعة، وكالعادة كانت الحاجة صفية تتصدر المشهد ومعها بناتها الأربع روحية وهانم و سليمة ورقية يساعدنها في السيطرة والرقابة على الموجودين من رجال وسيدات جاءوا للخدمة في هذا اليوم الكبير السعيد، يوم سلق القمح، أولى خطوات عمل الكشك، كانت بناتها شبيهات بها في كل شئ الشكل والطباع وحب السيطرة وبعض من القسوة والبخل، يفرضن معها سيطرتهن على كل ما يدور في البيت في هذا اليوم، لا يحظى بحنانهن وتدليلهن، غير مجموعة الأحفاد والحفيدات.
كان الرجال منذ الأمس قد أقاموا عشرة كوانين ضخمة على كل كانون حلة نحاسية كبيرة جدا لم أر مثلها في حياتي، يقولون أن لا أحد في عائلة الحاج نعمان ولا حتى في البلدة كلها يملك حللا مثل تلك التي تمتلكها الحاجة صفية، جاءت بها في جهازها الذي جهزها به أبوها الحاج عبد الستار من بني عمومة الحاج نعمان وأغنى أغنياء العائلة، لم ينجب غيرها لا رجالا ولا نساء، ورثته صفية وفرضت سيطرتها بإرثها على الحاج نعمان.
كانت النار مشتعلة تحت الحلل النحاسية لتحول القمح بالسلق إلى بليلة، وكان الرجال يقسمون العمل بينهم، فهناك من يأتي بالأخشاب ويلقيها في الكانون، وهناك من يمسك بالباشكور ويقلب النار وأخرون يزودون الماء في الحلل، والبعض يأخذون ما نضج من القمح في مقاطف من سعف النخيل وحبالها، ويسلمونها للنسوة اللاتي جاء دورهن في تصفيتها من الماء، ثم نقلها إلى السطح وفرشها على الحصر في شمس يوليو الحامية.
انضممت أنا وأبي إلى الرجال، كان دوري أن ٱتي بالأخشاب، رفض الجميع أن امسك باشكورا أقلب به النار، خافوا من عبطي، النار لا يلعب بها، هكذا قالوا لي.
غرفة الخبيز الكبيرة كانت أيضا، مزدحمة بالنساء، فرنان كبيران وكانون، نارهم جميعا مشتعلة، تخبز النساء العيش الشمسي في الفرنين وعلى الكانون كن يقمرن البتاو وأخريات تعجن عجينة الفطير المشلتت، في منتصف العمل تناولنا إفطارا شهيا الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، تكرمت علينا الحاج صفية ببتاو مقمر ودحي(بيض) مقلي في الزبدة الفلاحي وجبن اخضر شهي وفول مدمس غارق في السمن البلدي أيضا وبصل اخضر وجرجير، استمتعت مع الرجال بهذه الأكلة الشهية مثلما استمتعت بكباب وكفتة سيدي أدهم وربما أكثر، ولم تتوقف مفاجٱت اليوم السعيدة لمعدتي عند هذا الحد، فبمجرد انتصاف اليوم فاجأتنا الحاجة صفية بنفحة كرم حاتمية، أكلنا الملوخية و صواني البطاطس والعيش الشمسي والأرز المعمر ووزع علينا الحاج نعمان أنصبتنا من اللحم العجالي الشهي، لا لم يكن ذلك كل شئ، فبعد انتهينا من عملية سلق القمح وفرشه على الحصر فوق السطح، تناولنا عشاءنا فطير بلدي مشلتت وجبن ضاني غير (منزوع الزبدة)وعسل أسود وأبيض، ٱه لو تكون أيامي كلها مثل هذا اليوم ٱه لو تكوني يا صفية أنت ونعمان كريمين طيلة الأيام مثلما أنتما في ذلك اليوم!!!
نعم غضبت منك يا حاجة صفية لما رأيتك توزعين على أحفادك وحفيداتك البليلة الغارقة في اللبن والسكر والعسل، وتجاهلتني، ولكنك لم تغلبي رجب العبيط، فأنا وأنا أفرش القمح المسلوق على الحصر فوق السطح أكلت منه دون أن يراني أحد أكلت أكثر من أحفادك وحفيداتك، بغير سكر وبغير عسل ولكنني أكلته.
وكان لاكتمال سعادتي في هذا اليوم سبب ٱخر، إذا أن حبيبتي نرجس وأمها فكيهة كانتا بين النسوة اللاتي أتين إلى بيت الحاج نعمان، عيناي طيلة النهار على نرجس نتهامس بغير كلام، تضحك لي بين الحين والٱخر، مع كل ابتسامة على شفاهها يرقص قلبي فرحا وطربا.
علمت أنهم سيتركون البليلة فوق السطح خمسة أو ستة أيام، يقلبونها كل يوم، هذا عمل النسوة، ثم نأتي أنا وأبي والرجال وندشها بالمدشة اليدوية العتيقة التي يمتلكها الحاج نعمان في بيته وتستعيرها منه كل بيوت عائلته تقريبا.
عاد بي أبي إلى الزريبة، وأغلق علي بابها، ونمت هذه الليلة نوما عميقا، صاحبتني فيه نرجس في أحلامي.
كنت هذه الأيام شغوفا بحدثين هامين شغلني انتظارهما عن كل شئ، الأجهزة التي ستأتي من الخارج لاستئناف عملية الحفر بحثا عن الكنز، كانت الحياة في الزريبة رغم وجود نرجس معي قد أصبحت مملة رتيبة، توقفت سهرات سيدي أدهم ورفاقه، حرمت من الطعام والشراب اللذان كانت توفرهما لي تلك السهرات، اعتمدنا أنا ونرجس على ما تصره لها أمها، وما يفيض من أبي والحاج نعمان، لم يكن كافيا لنا، تقريبا لم يكن سيدي أدهم يأتي إلى الزريبة.
مرة أو مرتان جاء فيهما مصطحبا سوسن متنكرة كعادتها، لم يذكرني فيهما بشئ من طعام أو شراب، يبدو هو الٱخر مشغولا بتلك الأجهزة اللعينة التي تأخر وصولها.
الحدث الٱخر الذي كنت في انتظاره، هو يوم تبريم الكشك، وهو عمل كرات صغيرة من عجينة القمح المسلوق المدشوش بعد غمره تماما في اللبن الحامض وتحوله إلى عجين، ثم رص تلك الكرات على الحصر مرة أخرى لتجففه الشمس ويكون إفطارا شهيا لأصحابه في شهور الشتاء، يأكلونه مع الشاي أو اللبن أو يطبخونه.
وجاء يوم تبريم الكشك أولا، وحظينا فيه بمثل ما حظينا به يوم السلق تماما، أنا ونرجس كنا نبرم الكشك معا فوق حصيرة بمفردنا، التبريم يقوم به الرجال والنساء معا، لينتهوا منه قبل طلوع الشمس واشتداد الحرارة، عرفت في ذلك اليوم صنفا جديدا من الطعام هو الحم وهو أيضا من القمح المسلوق المدشوش قبل غمره تماما باللبن الحامض، ما أشهاه إذا غمر بالسمن البلدي وسخن فوق النار!
وانتهى اليوم السعيد الذي انتظرته كثيرا، ما أقصر أيامنا السعيدة!
عاد بي أبي إلى الزريبة ونمت معانقا أحلامي كالعادة، وقبل انتصاف الليل بقليل، حدث الضجيج الذي اشتقته وتمنيته، وأصدرت البوابة صوتها الرعدي وأيقظتني من أحلامي، لم أطق صبرا حتى يناديني أدهم وقمت من رقدتي وانطلقت ناحية الباب، وجدت سيارة نقل كبيرة والعمال ينقلون من فوقها أجهزة غريبة الشكل إلى حيث مكان الحفر، وكل رفاق أدهم موجودين، الحمد لله الحفر سيبدأ الليلة.
كنت أعتقد أن الحفر سيبدأ الليلة، لكنني علمت أن تلك الأجهزة تحتاج إلى خبراء لتثبيتها وتشيغلها، وأن أهم أجزائها لم يصل بعد، قواطع ماسية تستخدم في قطع أنواع صلبة من الصخور، وهي لا تدخل البلاد بشكل مشروع ولكن عن طريق التهريب، وأن وصولها قد يستغرق أسبوعا ٱخر، وقد يصل معها الخبيرين اللذين استدعاهما الخواجة هنري من بلاده، عاد إلي شوق الانتظار من جديد وعادت حياتي في الزريبة إلى مللها ورتابتها، ما أبطأ ما تمضي الأيام لو كنا ننتظر حدثا نظنه فارقا في حياتنا، وما أسرع مرورها لو كنا نقتنص لحظة من لحظات سعادتنا القليلة!!!
تقاسمت مع نرجس ثقل أيام انتظاري، كان وجودها معي في الزريبة يخفف عني كثيرا من غلواء شغف انتظار البدء في الحفر والعثور على الكنز.
بلا جديد يذكر مرت أيامي ثقال، حتى كان يوم كنا فيه أنا ونرجس بمفردنا في مكان منزو في ساحة الزريبة الواسعة، بعيدا عن العيون، نتقاسم لقمة اعتدنا عليها في تلك الأيام الخالية من البهجة، وفجأة لمحت في عيني نرجس نظرة أعرفها وأفهمها جيدا، وإن كنت لم اعتدها منها، نظرة رأيتها في عيني زوجة شقيقي في تلك الليلة المشئومة التي اتهمتني فيها وصدقها الناس، واقتربت مني نرجس وأحسست بلفح أنفاسها فوق جسدي، ونازعتني نفسي أن أهوي معها في درك ما تريدني أن أخوض معها فيه، من دنس الخطيئة ووحلها، أو أن أحافظ على طهرها وطهري كما كنت قد عاهدت نفسي عليه، وكاد الشيطان أن يغلبني، أو أنه غلبني، لولا أن الله قد أرسل لي شيطان من شياطين الأرض، ليكون الجندي الذي أرسله الله لينجنيني من الوقوع في كبيرة حرمها من سابع سماء، سيدي أدهم الذي كان نادرا ما يأتي إلى الزريبة في وقت القيظ هذا قبل أن تنكسر حدة الشمس، وإن جاء فإنه لا يتجول في الزريبة ولا يدخل ساحتها أبدا، فوجئت به على رأسينا أنا ونرجس ومعه عصاة رفيعة، نزل بها على جسدي ضربا ولسعا، ثم قام بتقييدي إلى جزع نخلة وأكمل ضربه، العجيب أنه لم يمد يده بسوء لنرجس، وكان ينظر إليها نظراته التي سبق ورأيته ينظر بها لسوسن، كم أمقت نظراته تلك الٱن، تراه اشتهى نرجس، وهل مثله يرغب في مثلها، أم أنه حيوان لا تحركه إلا غرائزه؟ إنه بالتأكيد حيوان وإلا ما اشتهى أنثى مسكين بائس مثلي ربما لو فقدها ما وجد غيرها على ظهر الأرض تقبل به، حل قيودي وهو يهددني ويتوعدني بالطرد من زريبته بل والقتل إن أنا عدت لمثل ما رأني عليه أنا ونرجس، ثم أخذ نرجس من يدها متوددا لها، وسحبها إلى ماخوره العلوي حيث كان يأخذ سوسن، ما ذبحني وضاعف لوعتي أن نرجس كانت تبدو سعيدة وهي تسير معه، فهل كانت سعادتها لأن مثله اشتهى مثلها، ماذا عني أنا، هل كانت تعتبرني مجرد ذكر يقضي لها مٱربها لأن كل رجال الأرض قد زهدوها، فلما رغبها سيد منهم، أنكرتني ألقت بي في غياهب جحودها ونكرانها وكأني لم أكن؟
لعنة الله عليك يا نرجس ولعنة الله عليك يا أدهم يا من تريد كل شيء لك، لك وحدك، لكن لا… سيأتي يوم تكون فيه تابعا لي خادما عندي، أسومك سوء العذاب وأسقيك من ذات الكأس الذي سقيتني منه.
منذ أن أصبحت نرجس خليلة أدهم وأغدق عليها ماله وتغيرت هيئتها ومشيتها وثيابها، وسبحان الله اختفى النمش والعمش وأصبحت مثل الهوانم، وظهر جمالها الذي كان يخفيه الفقر والحرمان، ولم تعد تأتي لتخدم في الزريبة، يصطحبها أدهم بين الحين والٱخر إلى وكر ملذاته لا يعرف سرهما غيري، هكذا زعمت لنفسي، ولكن هل خفي ما حدث لها من تغيير على الناس في بلدنا على جيرانها في حارتها، على أمها وأبيها، أم أن الجميع يعلمون ويخافون الخوض في ذلك رعبا من أدهم وعائلة أدهم؟
أنا زهدتها وزهدت بسببها كل نساء الأرض، لم يعد يشغلني غير حلم الثراء، حلم الكنز الذي سنجده في الزريبة، وسأنال نصيبي منه وأحقق أسطورتي وانتقم من كل من ظلمني، ذلك الحلم الذي لولاه ما بقيت لحظة واحدة بجوار ذلك الظالم الذي سلبني أعظم أحلامي، سلبني نرجس.
أصبحت إقامتي في الزريبة، بعد خيانة نرجس لي، ثقيلة جدا على نفسي، ولولا شغفي بالمغامرات التي تحدث بها ليلا، لهمت وتسكعت في الشوارع من جديد، فمهما يحدث لي، لن يكون أقسى على قلبي المحطم، من ذكرياتي الموجعة في ذلك اليوم المشئوم، كنت أهرب من بقائي في الزريبة طيلة النهار، انتهزت فرصة ذهابي مع أبي بدلاء الحليب كل صباح إلى بيت الحاج نعمان، الذي أصبحت معروفا و مشهورا بين سكانه، ليس أسرة الحاج نعمان وحدها، بل أسر أشقائه المقيمين معه في نفس البيت في الأدوار العليا منه، لم أشاهدهم في يوم الكشك يبدو أن العلاقة متوترة بين نساء البيت، مثل كل البيوت التي تضم بين جدرانها سلائف، السلائف ضرائر حتى لو كن شقيقات شاهدت أمثلة كثيرة حقيقية تؤكد صدق هذه المقولة، بالتأكيد لن يكون هناك صفاء بينهن، تلك طبيعة المرأة، وذلك هو ديدنها في كل عصر وأوان، يخطئ الرجل الثري فيظن أنه ببنائه بيتا كبيرا يجمع فيه أبنائه، ليضمن وحدتهم وقوتهم في هذا الجمع، ولكنه لا يدرك أنه حتى لو أحسن تربية أبنائه وضمن أخلاقهم، فإنه لا يضمن أخلاق من يختارهن أبناؤه زوجات لهم، فلو أساء واحد منهم فقط اختيار زوجته، لتسبب ذلك في دمار العلاقات الأسرية كلها، وانقطاع صلات الأرحام بين جميع أبنائه،ولنشأ أبناء العمومة على الكراهية والأحقاد بسبب كيد النساء بعضهن لبعض، يبدو أن هذا كان هو خطأ أبو الحاج نعمان، إذ حرص أن يعيش أبناؤه كلهم في هذا البيت الكبير.
كان الحاج نعمان هو اكبر أشقائه الأربعة، عرفت شقيقة الأستاذ مكرم أفندي وزوجته الحاجة سارة وكنت اعرف بالطبع شقيقه الحاج صالح الذي أنقذني يوم واقعة لطفي مؤذن المسجد وأعرف زوجته الحاجة لطيفة أم محمد، وأعرف شقيقه الحاج شوقي وزوجته الحاجة زيناهم أم رئيسة، لم تنجب أبناء ذكور، عرفتهم وعرفت أولادهم وبناتهم، وأصبحت مشهورا في المنطقة التي يسكنون فيها، نعم كنت معروفا برجب العبيط مثلما كنت معروفا به في مكان نشأتي، ولكن انتسابي لبيت الحاج نعمان وإخوته، قد خلق لي قدرا من المكانة والاحترام كنت سعيدا بهما.
خلقت لي في بيت الحاج نعمان وظائف جديدة، فكنت متعهدا لإلقاء أكياس القمامة، وإطعام الطيور والذهاب إلى البقالات بطلبات الزوجات والأبناء والأحفاد ومسح السلالم وكنسها ورش المياه أمام البيت ووظائف أخرى متعددة، أهم المحاذير أن لا ألامس طعاما مكشوفا أو اقترب من زير المياه الكبير الموجود في بهو بيتهم الكبير، وكان المقابل جنيهات قليلة ووجبات، لا أنكر أن الوجبات كانت كبيرة ومشبعة بالنسبة لي، لكنها كانت من بقاياهم ومما يفيض منهم، لم تكن يدي هي أول يد تطالها مثلما كنت أحلم واتمنى، الجميع كانوا يقرفون مني ويشمئزون من منظري ورائحتي، بثينة ابنة الأستاذ مكرم كانت تقدم لي الطعام على عتبة شقتهم تضعه على الأرض تخشى أن تلامس يدي يدها عفوا عند تقديمه لي، كنت أعلم ذلك، الجميع كان يعاملني بهذه الطريقة ليست بثينة وحدها، الجميع يقرفون مني الجميع يشمئزون مني يقدمون لي فضلات طعامهم لا يدركون أنني أكثر منهم قرفا و اشمئزازا وأنني ما كنت ٱكل ما يقدمونه لي إلا كما يأكل المضطر الجيفة هربا من الهلاك.
كنت أقارن كشوف الطلبات التي ٱتيهم بها من البقالات بما يقدمونه لي من فتات، فأجد نفسي بغير إرادة مني أحسدهم وأحقد عليهم، وشجعني شيطان نفسي على سرقات صغيرة مما اشتريه لهم، مرة سرقت قطعة حلوى بنية لذيذة صرت مدمنا لسرقتها والتلذذ باستحلابها، عرفت أنها الشيكولاتة، وسرقت أكياسا من الشيبسي والكراتيه، بالتأكيد لم يلاحظوا سرقاتي تلك في ظل حجم مشترياتهم الكبير من تلك الأصناف التي عرفتها لأول مرة في حياتي في بيتهم، كنت أسرق أيضا بيض دجاجاتهم وأنا أضع لهن الطعام، كنت ٱكل البيض نيئا وأدفن قشره في الأرض حتى لا يكتشفوا سرقاتي، كنت أحيانا أعطيه لصاحب بقالة أمنت له ويعطيني بدلا منه سجائر، نعم تعلمت التدخين وسأعود لشرب البيرة والحشيش متى أتيح لي شربهما، لقد خانتني نرجس ولم أعد ملزما بعهدي الذي قطعته على نفسي من أجلها.
وفي يوم سرقت صابونة أعجبتني رائحتها، وبعثت في داخلي حلمي القديم في النظافة والاستحمام ولكن أين…أين أحقق حلمي؟
في هذه الليلة وأنا أغلق على نفسي باب الزريبة، أبي أعطاني المفتاح كيلا يشغل نفسه بذهابي وإيابي، بعد أن تأكد أنني حفظت الطريق، تحسست الصابونة في يدي، و تركزت عيني في اللحظة ذاتها على الحوض الذي نسقي منه البهائم كان مملوءا بالماء البارد، هل يمكن ذلك؟
ماذا سيفعل بي أبي والحاج نعمان أن عرفا ذلك؟
لم أهتم بما قد يحدث لي، كانت أياما حارة وكنت وحدي والماء أمامي والصابون في جيبي والحلم يداعبني، والوقت ما زال مبكرا لحضور أدهم ورفاقه، هذا إن كانوا سيحضرون.
خلعت ثيابي، غسلتها أولا ونشرتها على إحدى الدكك الموجودة في مدخل الزريبة، واستحممت لأول مرة في حياتي يا الله! ما ألذ الماء والاستحمام ما ألذ النظافة!! لبست ثيابي ونمت في ساحة الزريبة نوما لم أنمه في حياتي، وحلمت بالكنز وأنه صار لي….لي وحدي.
في الصباح استفقت على عصا أبي و عصا الحاج نعمان تلهبان ظهري وقد اكتشفا جريمتي وأن ما فعلته بالمساء قد زفر الماء ورفضت البهائم الشرب منه، فعلت ما أمراني به وأفرغت حوض السقاية من مائه الٱسن ونظفته جيدا، وملأته من جديد وأخرجت البهائم وسقيتها.
ما بين الزريبة وبيت الحاج نعمان مضت حياتي القاحلة، عندما كنت أخلو مع نفسي في الزريبة، تلك الخلوة التي أصبحت تتحقق لي قبل منتصف الليل بقليل، منذ أعطاني أبي مفتاح بابها، لم أعد مقيدا بدخول الظلمة فيغلق علي بابها، كسجن انفرادي كبير، لا تفتح لي أبوابه إلا بمحض إرادة أخرين، حتى ولو كان ذلك الإفراج يوميا وفي مواعيد منضبطة، هناك بالتأكيد ساعات أكون مجبرا فيها على البقاء حبيس ذلك المكان المخيف، لا تتصوروا أن طول بقائي قد خلق في داخلي طمأنينة أو حتى نوعا من الاعتياد الإجباري، لا ….ما زال الرعب يدب في أوصالي عند كل صوت يحدثه فأر أو يربوع أو مخلوقات أخرى أراها ولا أعرف أنواعها، اختبئ منها في عز هذا الحر الشديد، تحت أجولة التبن الثقيلة، ما زالت الكوابيس المرعبة تطاردني في نومي، زاد من وقعها على نفسي خيالاتي السوداء مع حراس المقبرة الفرعونية من الجان والعفاريت،كثيرا ما قمت من نومي مفزوعا يبلل بولي ثيابي خوفا ورعبا فازداد نتنا على نتني وعفنا فوق عفني، ورغم علمي بوجود عمال الحفر حبيسي زنزانتهم أيضا،بجوار مكان الحفر، والذي أصبح بئرا عميقا واسعا مخيفا، أوقف مضاعفة عمقه، ذلك السقف الحجري الذي أعجز أولئك العمال أن يخدشونه بمعاولهم البدائية العتيقة، فاستعانوا بتلك الأجهزة الحديثة التي استقدموها من الخارج، إلا أن عزل جدران مكان الحفر قد منع عني كل صوت عساه يبث في نفسي سكينة مفقودة.
في خلوتي تلك ورغم كل الفزع الذي طالني فيها، ما زالت أحلام ثرائي الوردية تسيطر علي، حلم الكنز الفرعوني القريب البعيد، الحقيقي الوهمي، الواقعي الخيالي، يتملكني تماما، لا اتصوره لأحد غيري، كيف؟ لست أدري، تراني توهمت أنني سيد المكان وأن كل هؤلاء السادة والأعيان والخبراء الأجانب وذلك الشيخ وتلكم العمال كل هؤلاء جميعهم يعملون من أجلي، وسيقدمون ذلك الكنز كله لي، إنني لم أفكر حتى في الطريقة التي أطالب فيها بنصيبي منه، كنت أحلم أن استمتع أنا ونرجس بما سأناله من هذا الكنز، الٱن تسيطر علي فكرة الانتقام ممن سلبني نرجس وأحلامي معها، من العالم كله من البشر جميعهم، أعلم أن الانتقام شر، سمعت ذلك في الخطب والعظات، ولكن هل علي وحدي الالتزام بالخير؟
أنا أخاف عقاب الله، لكن الله يعلم ما يحدث لي، انتقامي سيكون يد الله، سيدعمني الله ولا ريب، الله لا يدعم الشر يا رجب، سيعاقبك على انتقامك، لا لا سيرحمني ربي فهو يعلم كل تفاصيل مأساتي، لا تضحك على نفسك يا رجب، أنت تحبس شرك عن الناس، خوفا من الناس وليس خوفا من ربهم، ها أنت تسعى للثراء رغبة في الانتقام وليس سعيا لتحسين أحوالك، أنت بمجرد أن أمنت العقاب، سرقت من الأشياء التي كنت تشتريها لٱل الحاج نعمان، حتى اللبن الذي كنت تحمله كل يوم كنت تشرب من الدلاء بفمك، أحيانا كنت تبصق فيه لتعاقبهم على قرفهم واشمئزازهم منك، لا تنكر أنك ندمت أنك لم تنل من نرجس في الحرام ما حلمت أن تناله في الحلال، ندمت أنك تعاميت عن شبقها ورغباتها، بحجة أنك تريد أن تحافظ على طهرك وطهرها، أنت لا تخاف الله يا رجب أن تخاف عباده، كنت تخشى الفضيحة يا رجب، إنك الٱن تتمنى لو تعود فتجاري زوجة شقيقك التي اتهمتك زورا في غيها، تتمنى لو أنك تستطيع الٱن أن تسقط معها في الوحل شريطة ألا تتعرض للفضيحة أنت مثلهم يا رجب تملك الشيطان منك سترتكب كل الجرائم لو أمنت عقاب البشر، سيدك أدهم أمن العقاب في منعة من ماله وأهله، فارتكب كل الكبائر، أنت مثله يا رجب، الفرق بينكما أنه قادر ويفعل، وأنت عاجز تحلم.
معضلتك يا رجب أنك تعتقد أنك الوحيد الذي ظلمته الدنيا، قسوة الدنيا ليست في الفقر والحرمان وحدهما يا رجب، ظلم الدنيا قد يكون في أب ثري لم يحسن تربية ولده، جعله ينشأ على أن الثروة والقوة والنفوذ هم عصب الحياة، لم يركز على الجانبين الديني والأخلاقي، ركز فقط على الجانب الدنيوي، معضلة الأغنياء يا رجب أنهم يتمسكون من الدين بما يعضد أهواءهم فقط، وبما يتماشى مع طبيعة أحلامهم الدنيوية القاصرة،عندما تقول لهم مثلا تعاطفوا مع الفقراء شاركوهم بعض ما أفاء الله عليكم به من رزق، يقولون لك إن الله يقول في كتابه( ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات) وأن مشاركتهم الفقراء أرزاقهم قد يؤدي إلى تساويهم بهم في الدرجة وفي ذلك ما يخالف قول الله، لا يذكرون أبدا ماذا تعنيه هذه الدرجات، فهل هذه الدرجات هي درجات المال و الثراء فقط، لا إن الدين درجات والأخلاق درجات والإنسانية درجات والعلم درجات، أدنى تلك الدرجات هي درجات المال، وحتى هذه الدرجات فلم يبح الله لأصحاب الدرجات العلى فيها أن ينتهكوا ٱدمية أصحاب الدرجات الدنى.
قد يكون أحدهم في أعلى درجات الدين وفي نفس الوقت هو في أدنى درجات الثراء، فأيهما يكون أعلى درجة عند الله ، هو أم ذلك المفتون بماله و قوته و نفوذه؟
بعض الأغنياء يا رجب يقولون لأبنائهم علانية لا تتعاطفوا مع الفقراء لديهم مثل دارج يقول: إن عطفك على الفقير يفقرك
هل لو طبق أنصار المدينة تلك المقولات المجتزئة من صميم مقاصدها لتحقيق مقاصد شخصية غير مشروعة، تراهم كانوا يوافقون النبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤاخي بينهم وبين المهاجرين ويجعلهم يتقاسمون معهم البيوت والمال؟
ساوى النبي بين المهاجرين والأنصار و هو من يأتيه خبر السماء ولا ينطق عن الهوى بين هؤلاء وهؤلاء في الدرجة…درجة المال ولم يقل أن ذلك يتعارض مع قوله تعالى( ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات) ولم يعارضه أهل المدينة بزعم أن عطفهم على الفقراء المهاجرين من بيوتهم هربا بدينهم سوف يصيبهم بالفقر.
سيدك أدهم ضحية بيئته، نتاج زرع أمه وأبيه، هو في عينيك جان فقط ولكنه في حقيقة الأمر جان وضحية معا، سوء تربيته جعل منه وحشا كاسرا في نظرك لكنه لم يجد له رادعا دينيا ولا أخلاقيا.
رادعه الوحيد خوفه أن يفقد الثروة فيفقد تبعا لذلك قوته ونفوذه، رادعه ذلك شرعن له وهما وزيفا كل موبقاته وٱثامه فمضى في غيه وهو لا يدري أنه من الضالين.
الأطفال الذين ساموك الإهانة والعذاب صغيرا هم أيضا ضحايا لبيئتهم و لأسرهم، ضحايا لتدليل الفقراء لصغارهم بلعبة حتى لو كانت تلك اللعبة هي أنت، هي نفسك البشرية التي انتهكتها رزالة أولئك الملاعين وٱباؤهم.
هل تعلم مثلا ماذا كانت حياة شمشون السبع أو برعي أبو شنب قبل أن يكونا من أولاد الليل قاتلين بالأجر، هل تعرف ظروف نشاتهما، هل تدرك ما الذي انجرف بهما إلى ذلك الدرك المهلك، من يدريك أنهما جناة، أليس هناك احتمال أنهما ضحايا مثلك مكنهما القدر أن ينتقما من الدنيا في شخوص ضحاياهم بعد أن تساوى كل البشر في أعينهما، فلم يميزا بين من يستحق انتقامهما ومن لا يستحق؟
يا رجب الله وحده يعلم بظروف من استقام وظروف من انحرف،
لكن شيطانك يا رجب جعلك تنصب نفسك إلها، ترى الكل منحرفين تريد أن توزع انتقامك على الجميع بلا تفرقة، ترى هل تتحرر يوما من عجزك وتفعلها؟
وأنا غارق في لذة أحلامي الشريرة أهرب بها من كوابيسي، ومن قريني الذي أسمعه ولا أراه يناقشني ويحاكمني، يحاول أن يثنيني عن طريق الانتقام، إذ بي أسمع تلك الضجة المحببة إلى نفسي مؤذنة باقتراب تحقق أحلامي ومحذرة من سيقع عليهم انتقامي.
أقوم مهرولا لانتظار سيدي أدهم ورفاقه عند البوابة الكبيرة، كان الجميع موجودين لم يغب منهم أحد، أتبعهم إلى الداخل وكلي شوق.
كان العمل يجري على قدم وساق، الأجهزة تعمل بكفاءة في انتزاع تلك الطبقة الحجرية السميكة، الخبيران الأجنبيان جالسان وأمامهما شاشة كبيرة يوجهان الأجهزة بالأزرار، العمال اقتصر دورهم الٱن على رفع الكسر ومخلفات الحفر، سيدي أدهم وباقي الصحبة جالسون على مائدة كبيرة وأمامهم كومة من الأوراق والرسومات يتهامسون، برعي أبو شنب ورجاله واقفون شاهرون أسلحتهم أنا جالس بجوار أحد الحوائط أتناول في تلذذ الطعام الذي وزعوه علي وأشرب زجاجة بيرة وفي يدي سيجارة حشيش أعطاها لي الخواجة جورج، كم يحبني هذا الرجل ويعطف علي!
كنت أظن أننا بمجرد بدء الأجهزة في عملها سنجد الكنز، كنت أفكر في الطريقة التي سأطالب بها بنصيبي من الغنيمة، لم تكن الأمور بالسهولة التي تصورتها، كانت الطبقة الحجرية أكثر سمكا مما توقع الجميع، ظلت الأجهزة تعمل بلا كلل أو توقف طيلة أسبوعين ويبدو أن تلك الطبقة الصلبة لا نهاية لها، رغم استمتاعي بالطعام والشراب وتلك الصحبة التي تخفف من وحشة المكان إلا أن شوقي لظهور الكنز كاد أن يصيبني بالجنون.
في أحد الأيام توقف أحد الأجهزة عن العمل، ثم تبعته بقية الأجهزة، عبثا حاول الخبيران تشغيلها، نزلا إلى الأسفل وفحصا ما تحت الأجهزة من تربة، ثم صعدا وكأن على رأسيهما الطير، يبدو أنهما شاهدا ما أصابهما بتلك الحيرة الشديدة، أخبرا الخواجة هنري بما رأياه، انتقلت صدمتهما وحيرتهما إليه، همس ببضع كلمات للدكتور هاني، والذي أوشك أن يصيبه الإغماء مما سمع، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وسمعته يقول للجميع بصوته الجهوري:
…يا جماعة للأسف بتواجهنا مشكلة كبيرة….تحت الطبقة الصخرية البيضة دي اللي الأجهزة كسرتها…فيه طبقة تانية من مادة سودا بتلمع إحنا منعرفهاش الأجهزة مش قادرة تعمل فيها حتى خدش صغير
فيتدخل الحاج زيدان في الحديث قائلا:
…طيب الخواجة هنري يبعت يجيب لنا أجهزة أحدث وحتى خبراء تاني…يعمل أي حاجة
فيجيبه الدكتور هاني حزينا:
…للأسف الأجهزة اللي معانا دي أحدث الأجهزة…والخواجة بيقول إن العلم خلاص وقف عند النقطة دي والحل معجزة من السماء عشان نوصل للغرفة الملكية دي
ألاحظ ويلاحظ الجميع أن الشيخ سند قد مد يده بورقة للدكتور هاني، الذي ذكر ما فيها للجميع قائلا:
…الشيخ سند بيقول إنه لازم ينزل تحت يشوف الطبقة دي والحل عنده بإذن الله.
وينزل الشيخ سند البئر وحيدا كما أصر، كنا نظنه لن يستغرق دقائق، لكن الأمر طال لساعات حتى خشينا عليه من الهلاك في الأسفل، ورغم ذلك لم يجرؤ أحد على النزول للاطمئنان عليه، كانت أوامره حاسمة، ولم يكن أمامنا إلا الانتظار.
مرت ساعات الانتظار بطيئة، وأطبق على المكان صمت رهيب لا تسمع فيه غير أنفاس عالية من فرط الإثارة، ولا ترى غير عيون محدقة جميعها صوب فوهة البئر العميق، منتظرة خروج الشيخ سند منها، كلها شوق وتوق، توقفت الحياة كلها على تلك اللحظة الفارقة في حياة هؤلاء الباحثين عن الذهب، أدركت في هذه اللحظة مدى تأثير فتنة المال وحجم خطرها على نفوس من تتحكم فيهم، لابد أن شيطانها أقوى شياطين الجن والإنس قاطبة، تحت عنفوانها ترتكب أبشع الجرائم وأحقرها، تهون أمام سطوتها كل المشاعر الإنسانية، تنهزم في محرابها المدنس كل الأخلاقيات، لا توقف شرورها الشرائع والأديان، لا يقهرها شيء إلا أن ينال الباحثون عنها مبتغاهم فتهدأ ثائرة أطماعهم أو تبحث عن هدف جديد تحيي به شهوات عبيدها أو يهلكون دونها، اعتقد أنه لو قال الشيخ سند لهولاء المنتظرين الطامعين: أن ألسنتهم يمكنها أن تذيب تلك الطبقة السوداء اللامعة التي وقفت أمام تحقيق مبتغاهم، لما ترددوا في الزحف على بطونهم ولحسها بألسنتهم.
يبدو أنه في غمرة تلك الأحداث وما أوقعته من صدمة في النفوس، فقد الجميع إحساسهم بعنصر الزمن، ولم ينتبه الجميع أن الفجر قد أذن والشمس قد استفاقت من ثباتها، ونسيني أدهم بك، ولم يخرجني من ذلك المكان.
فتح الباب الٱن أصبح مستحيلا فلابد أن أبي والحاج نعمان في الخارج والحياة تدب في الزريبة، ترى هل افتقد أبي والحاج نعمان وجودي؟
بالتأكيد أبي فعل ، ليس لأني شيئا هاما بالنسبة له، لا طبعا، ولكن لأنه اضطر في غيابي أن يقوم بالمهمة التي ألقاها على عاتقي وذهب هو بوجبة الحليب الصباحية لبيت الحاج نعمان، بالتأكيد لن يبحث عني، إنه ينتظرني الٱن بعصاته، يتوعدني أن يلهب بها ظهري فقط لما أحدثه غيابي من تغيير روتين يومه، لابد أنه الٱن يستمتع بقليل الطعام التي كانت تقدمه لي الحاجة صفية، ٱه ….كنت الٱن أسكت جوعي بجرعات حليب مختلسة من دلائك يا صفية البخيلة. أكلنا في حبستنا تلك كل الطعام الذي جلبه برعي أبو شنب، لم يعد هناك حتى الفتات، الجوع يوشك أن يجعل معدتي تصرخ بالتأكيد كل الرجال كذلك، لكن الجميع يؤثر الصمت ليس أمامنا إلا انتظار حلول الظلام، وقبل ذلك خروج الشيخ سند أهم من كل طعام وشراب.
وحانت اللحظة المنتظرة، أخيرا خرج الشيخ سند من فوهة البئر العميق منهكا ومرهقا، وفي يده ورقه مدها إلى الدكتور هاني، الذي علت الدهشة وجهه للوهلة الأولى، ثم سرعان ما حلت مكان الدهشة علامات الفرحة والارتياح وهو يقول:
…لقد وجد الشيخ سند الحل
تعلقت به العيون والقلوب وهو يواصل:
…إنه يقول أن كل قراءاته وتعزيماته لم تعد مجدية و إن الجن الذي يحرس المقبرة يريد وجبة دسمة من دم بشري طازج يراق على الطبقة السودا اللي تحت وها تفتح لوحدها من غير أجهزة ولا معدات…من الاخر الجن طلب قربان بشري…يذبح على الطبقة السوداء اللي تحت
وبمجرد سماعي لتلك العبارة الأخيرة من فم الدكتور هاني أمسكت برقبتي.
لم أكن الوحيد الذي أمسك برقبته، خوفا ورعبا أن يكون هو القربان البشري الذي سيراق دمه، إرضاء للجن حارس المقبرة التي تحوي الكنز المأمول، كل عمال الحفر المساكين فعلوا مثلما فعلت أنا.
كنا نعلم أننا الحلقة الأضعف بين جميع الموجودين، ألم يرق دم أحد هؤلاء الغلابة في لحظة لمجرد أنه طمع في إخفاء تمثال حجري ظن أنه يستطيع الاستثار به بمفرده، حتى بدون أن يفكر كيف سيتصرف فيه؟
ضاعف الفزع الذي رأيته في أعينهم، من الرعب الذي سرى في أوصالي، إذا كان هذا هو حال هؤلاء وهم يستطيعون الكلام والدفاع عن أنفسهم ولو حتى بالرجاء والاستعطاف، فما هو حال عبيط أخرس مثلي؟
بالتأكيد سأكون أنا قربانهم البشري، وسيكون دمي الطازج هو مفتاح كنزهم الكبير، لا..لا سأستخدم سلاحي الوحيد، سأصرخ وأجعر سأبول على نفسي، وسأتبرز امامهم، سيشمئزون ويقرفون، لن يرضى شيخهم ولا الجني، بمقرف عبيط مثلي، سيطردونني نعم سيطردونني ولن أرى الكنز ولن ٱخذ نصيبي منه، فلتذهب كل كنوز الأرض إلى الجحيم، المهم أن أنجو بحياتي، سأصرخ الٱن ……
ولم يخرج صوت صراخي من حنجرتي، حبس تماما، هل اختارني جنيهم ليلتهم دمي الطازج ويفك لهم طلاسم كنزه، بعد أن يحظى بشباب طويل مثلما زعم شيخهم الغامض؟
رجال برعي أبو شنب أيضا بدا عليهم التوتر والخوف قرأت ذلك في عيونهم، ورأيتهم يتحسسون أسلحتهم، وكأنهم يتأهبون للدفاع عن حياتهم، لو وقع الاختيار على أحدهم ليكون هو القربان.
سيدي أدهم بك ارتعش نفس الارتعاشة التي رأيتها عليه يوم أهانه شمشون السبع في عشة ناعسة، زاد عليها التماعة عينيه بدموع لم استطع تفسيرا لسببها.
الخواجة جورج رأيت دموع عينيه تسيل على خديه بلا انقطاع، بينما بدا كل من الخواجة هنري والدكتور هاني والحاج زيدان وبرعي أبو شنب رابطي الجأش متماسكين.
وران على المكان صمت رهيب، وأحسست برائحة الموت والدماء تزكمان أنفي، أعتقد أن حال الجميع كان مثل حالي، ظننت أن الصمت لن ينتهي أبدا، حتى قطعه صوت سيدي أدهم بك وهو يقول بإندفاع شديد :
…ما اتفقناش على القتل، كله إلا الدم، تغور فلوس الدنيا كلها، كمان أنا متحملش مسؤولية في مكاني، الجريمة كلها ها تبقى عليا وعلى أبويا إحنا أصحاب المكان.
تبعه الخواجة جورج بصوت مرتعش:
…وأنا يا جماعة منسحب من الموضوع كله، أنا الفلوس في أخر تفكيري وانا لولا أدهم زن عليا مكنتش شاركتكم من الاول….أنا حتى الفلوس اللي صرفتها مش عايزها…دا اخر يوم ليا هنا…كله إلا الدم…ملعون من يهدم بنيان الرب
لم يدهشني موقف الخواجة جورج، أنا منذ البداية أراهن على نقاء هذا الرجل وطيبته، كان الوحيد الذي أرتاح له قلبي واطمأن إليه، لماذا؟ لست أدري.
الذي أدهشني كان موقف سيدي أدهم فهل تراه في داخله إنسانية، جعلته يرتعب من إسالة دماء بريئة، هل يخاف الله حقا، إذا لماذا لم يردعه ذلك عن قتل شمشون السبع، هل حبه لسوسن أقوى من حبه للمال، أم أن تمسكه بالقوة و النفوذ ورغبته في عدم الانكسار أمام سوسن وطبيعته الصعيدية التي لا تتنازل عن الثأر ممن أهان رجولته أمام أنثى يرغبها أقوى من فتنة الكنز المنتظر، أم هو خوفه من الحكومة والمساءلة هما اللذان دفعاه للاعتراض على القتل في مكان يخضع في الظاهر لسيطرته، أم تراه قد طمع في الكنز له وحده؟
أرهقت تلك التساؤلات عقلي الذي شله الخوف، لا إجابة لدي عليها، لا أملك حتى الاستفسار عنها، فلأصمت إذا وأشاهد ما يجري.
عاد الصمت من جديد يلف أرجاء المكان، لكنه لم يطل هذه المرة، حيث قطعه صوت الدكتور هاني بنبرة عالية مهددة وكلامه كان موجها لأدهم والخواجة جورج:
…انتوا باين عليكم اتجننتم، دخول الحمام مش زي خروجه، أنا بعد المصاريف دي كلها مش ها أسمح لحد يبوظ شغلي، أنا أقتل أبويا نفسه لو وقف في طريقي، أنا ورايا حكومات فاهمين يعني إيه حكومات، دول وسفرا وقناصل، انت فاكر يا أدهم أنا بنيت القصر دا من فلوسي ولا عشان سواد عيونك لا يا حبيبي الموضوع كبير اكبر مما تتصور مليارات، مليارات اخضر مش مصري وتيجي انت في النص تقول مش لاعب لا يا حبيبي فوق، ولا تكونش نسيت الورق والايصالات اللي انت ماضي عليها، وعلى فكرة حبسك مش كفاية، دا أنا اقتلك انت وجورج، أنا كل كلمة بأقولها بانفذها والحاج زيدان قريبك وعادل بيه الظابط دا عارفين كدا كويس، دي مش أول مرة اشتغل معاهم، انت اللي خرع و عضمك طري يا سي أدهم بيه.
ونظر أدهم ناحية برعي أبو شنب وكأنه يستنجد به، ينتظر منه دعما وحماية في موقفه، أو يرفع سلاحه في وجه الدكتور هاني ورفاقه ويطردهم خارج المكان أو حتى يقتلهم بعد هذا التهديد الصريح الذي وجهه له هاني لكنه فوجئ ببرعي يقول له بلهجة متهكمة:
…إيه يا سي أدهم دا إحنا دافنينه سوى، هيا دي أول مرة تقتل، انت نسيت شمشون السبع ولا إيه، أيوة انت بتديني اللي أنا عايزه…بس برضو اسمي خدام عندك….الكنز ده يعني ملايين، نصيبي فيه ها يخليني زيي زيك، يعني ها أبقى رأسي براسك….أنا من دلوقت من رجالة هاني بيه.
ثم يوجه حديثه لهاني قائلا:
…تحت أمرك يا دكتور…انت تقول وبرعي ورجالته ينفذوا
فيقول له هاني وهو ينظر لأدهم شامتا:
…تسلم يا برعي تسلم أحب الرجالة العاقلين، أدهم كمان ها يعقل وها يعقل جورج
فينظر أدهم لبرعي معاتبا ويقول له:
…كدا برضوا تبيعني يا ريس برعي…انت عارف أنا وزيتك تقتل شمشون ليه…شتمني وكسرني وذلني قدام شوية سكرانين ورقاصات…كمان شمشون كان مطلوب للحكومة وقتل كتير…قتله حلال، ومحدش ها يهتم بيه…ذنبه إيه بقى اللي ها نقتله عشان الفلوس…و فكركم الحكومة مش هاتدور ورانا….انتوا الفلوس عمت عنيكم….شمشون كان يستاهل ….كان يستاهل
قال كلمته الأخيرة تلك وقد غلبه البكاء، ورأيت سيدي أدهم منكسرا للمرة الثانية وكان حزني على انكساره في تلك اللحظة اكبر من خوفي من الذبح أو ربما لأنني شعرت أن رضوخه لهاني وعصابته يقربني كثيرا من المصير الذي أخشاه.