أنا سعيد جدا الآن، نعم أعلم أنها ساعاتي أو ربما دقائقي الأخيرة في هذا العالم، ولكنني سعيد، فلأول مرة في حياتي أنام على سرير، سرير لي وحدي، نعم هو سرير متهالك في مستشفى حكومي قديم، ولكنه لي، لي أنا، لا يستطيع مخلوق أن ينتزعني من فوقه طالما بقيت في صدري بضعة أنفاس، سأحافظ على أنفاسي الباقيات ما استطعت، لن أجعلها تنضب بسهولة، ستساعدني كل تلك الأجهزة والأنابيب التي أوصلوها بأوردتي وشراييني على البقاء حيا بعض الوقت، ياه كل هذا الاهتمام بي كل هذه الأجهزة من أجلي؟
لو كنت أعلم أن هذا ما سيحدث لتناولت تلك البرشامة اللعينة منذ زمن، لا لا ليست لعينة، عذرا برشامتي الجميلة، أنا مدين لك بكل تلك السعادة التي أنا فيها، فلولاك ما كنت هنا، نعم مزق سمك أحشائي وجعلني اتلوى من الألم، ولكن ها هو الألم قد زال تماما وهمد معه جسمي وصفا عقلي وأصبحت واعيا أكثر من ذي قبل، أشعر الآن براحة واسترخاء عجيبين، كم اتمنى أن تطول تلك اللحظات، أرجوك يا غاليتي خففي قليلا من عنفوانك، اتركيني ولو سويعات قليلة أنعم بما أنا فيه، ربما تشفع تلك السويعات لهذا العالم الظالم عندي،و هو يشعرني بجزء من آدميتي مع اقتراب رحيلي عنه،ولكني رغم ذلك سأشكوه لربي نعم سأشكوه.
هل ترين يا برشامة سعدي تلك الممرضات الثلاث النائمات على كراسيهن حول سريري؟ ثلاث ممرضات مرة واحدة يعتنين برجب العبيط، أي حلم هذا؟ رجب الذي لم يحظ في حياته بعناية أنثى بعد رحيل نعيمة تعتني به ثلاث نسوة، أعلم أنهن مأمورات بذلك وأعلم أنهن متأففات من ذلك، لكن ما يعنيني أنهن هنا من أجلي من أجلي أنا وحدي، نعم لقد خلدن للنوم حالمات أن تستيقظن على صفير تلك الأجهزة الموصلة بجسدي الواهن معلنة خروج روحي منه، هن واثقات من ذلك، أخبرهن الأطباء أنها مسألة دقائق او بضع ساعات على الأكثر، أنا لا أريد أكثر من بضع الساعات تلك، أخبرهن الأطباءأنه لا جدوى من كل تلك الأجهزة والمحاليل ولكنه الواجب المهني والإنساني اللذان يفرضان عليهن ذلك، أعلم أنهن تستعجلن لحظة موتي، لست أكرههن من أجل ذلك،ولكنني سأحاول وستساعدينني يا برشامتي أن تتأخر تلك اللحظة قليلا، أريد أن أحكي معهن ولهن حكايتي، أريد ان أحاكمهن وأحاكم العالم كله قبل أن أغادره، أعلم انهن لن تسمعنني، ولكنني ساتوهم ذلك، ساتخيل أنهن سمعنني وأنهن سيتعاطفن معي وسيذرفن الدموع من أجلي وسيحكين حكايتي للعالم كله.
وأنتن أيتها الممرضات الجميلات الخالدات للنوم حول سريري، أعلم أنها نومة غير مريحة وأنكن مجبورات عليها، ولكن معذرة لن ينطلق الصفير الآن، سيتأخر بعض الشيء، فما زال في عمر رجب بقية، يريد أن يحكي لكن فيها حكايته، رغبة أخيرة يرجوكن ألا تتضجرن منها.
لقد رايتكن وسمعتكن وأنتن تهرولن بأمر من الأطباء وتأخذنني من ايدي الناس الذين جاءوا بي إلى هنا، وتضعنني فوق هذا السرير، لقد رايت الاشمئزاز البادي على وجوهكن من رائحتي النتنة وثيابي القذرة، ورأيت تلك الكمامات التي سارعتن أنتن والأطباء بوضعها على انوفكم هربا من رائحتي وخوفا من عدوى قد تصيبكم من أدران جسدي، ورأيت أيضا تلك القفازات الجلدية على أياديكن خوفا من أن تلمس شيئا من قذر جلدي، أو ملابسي الملوثة بالأوحال والتي زادها القيء المنطلق من جوفي عفنا على عفن.
لكن ولأطبائكم كل العذر بالطبع، ولكن هل تعلمن أنني ورغم ما أنا فيه من إنهاك ومن قذر وعفن إلا أنني قد تأففت منكن أيضا، رائحة عرقكن لا تطاق ولولا أنني كنت أتقيا فعلا لتقيأت منها، أنا لست مسؤولا عن رائحتي، ستعرفون ذلك فيما بعد، اما أنتن فما عذركن في نتن رائحتكن؟
لماذا لم تهتممن بنظافتكن الشخصية وأنتن تمتلكن العقل الذي تظنن أنني افتقده؟ والأهم من ذلك تمتلكن المال تمتلكن حريتكن تمتلكن حماما في بيوتكن.
لقد تكلمتن بحرية ظانات أنني لا أعي وإن كنت أعي فأنا عبيط لن أفهم ما أسمعكن تحكينه، وحتى لو سمعت فمن أنا حتى تأبهن به أو له؟
هل تعلمن أن أسماءكن حفرت في عقلي ذلك الذي تعتقدنه غائبا غير موجود، جميلة وسعاد وزينب، هل تعلمين يا زينب أن أمي كان اسمها زينب، وكانت جدتي نعيمة تدللها وتناديها زوزو حالمة أن تكون في حظ الست زوزو ابنة الباشا سيد البلد كلها، لا تتعجبن الفقراء ايضا يدللون أبناءهن، خاصة اذا كان التدليل لا يكلفهم غير الكلام فالأسماء ما زالت مجانية يا زينب، بالتأكيد أمي لم تكن قاسية مثلك.
سأعيد عليكن الحوار الذي دار بينكن ساخرات مني:
جميلة: استغفر الله العظيم، ايه السبب اللي يخلي عبيط زي ده ياخد برشامة فول، هو عند عقل يعني قاله الموت راحة، يمكن العقل جاله على غفلة وخلاه انتحر عشان يقرفنا.
سبحان الله يا جميلة لقد بدأت كلامك باستغفار من ذنب بدا أنك تدركين أنك سترتكبينه، وليتك توقفت، بل مضيت في غيك وسخرت من إنسان بائس ألقته الأقدار بين يديك، وبدلا من أن تكوني ملاكا للرحمة كما يسمونك، كنت عنوانا للقسوة في أبشع صورها،فأنهيت كلامك بضحكة ساخرة، وكأن هذا الحطام الملقى بين يديك ما تخلص من حياته إلا ليقرفك ويثير اشمئزازك أنت ورفيقاتك.
أليس هذا الضرر الذي وقع عليك؟ قرفت من رجب هذا هو ما مس حسك المرهف، دون اعتبار عندك لأي مأساة إنسانية قد تكون وراء هذا الحطام.
وليت سعاد أوقفتك أو عارضتك ولكنها تجاوبت معك وبكل قسوة:
سعاد: والله معاك حق يا جميلة يا اختي يرتاح هو ونقرف إحنا والحاجة اللي تجنن الناس دي كلها اللي جاية تطمن على العبيط ده، ايه قيمته عندهم مش عارفة، رجالة وستات وعيال دا حتى الحاج زيدان عضو مجلس الشعب جه وقلب المستشفى عشان رجب، تكونش الانتخابات قربت يا بنات؟
وختمت كلامك أنت الأخرى بضحكة ساخرة.
وأكملت زينب سمية أمي مسلسل قسوتكن، بل كانت عبارتها أشد قسوة من عبارتيكما.
زينب: يا ريته مات قبل ما يجيبوه هنا ويقرفنا.
ثم نظرت إلى الأجهزة الموصلة بجسدي وكأنك تستعطفينها أن تتوقف وتطلقةصفيرها معلنة موتي.
لا يا جميلة لا يا سعاد لا يا زينب، لن أموت حتى أسمعكن حكايتي لن أموت حتى أحاكمكن وأحاكم العالم كله، فإن لن تنصفني محكمتكم الأرضية فإن محكمة السماء لن تخذلني، سآخذ قضيتي معي عند ربي وعنده وحده تجتمع الخصوم.
لقد تعجبتن من ذلك الكم الهائل من الناس أعيانا وفقراء، رجالا ونساء وحتى الأطفال قد جاءوا لإلقاء نظرة أخيرة علي، وزاد عجبكن لما رأيتن الحاج زيدان نائب الدارة بجلالة قدره قد جاء هو الآخر ضمن من أتوا، وفاق ذهولكن كل حد لما رأيتنه يقبل رأسي وأنا غارق في غيبوبتي، رأسي تلك التي أنفتن أن تلمسها أيديكن عارية قرفا وتقززا، قبلها الحاج زيدان ليست المرة الأولى التي يفعلها، فعلها قبل ذلك وأنا طفل صغير في إحدى دوراته الانتخابية، سأحكي لكن عن ذلك، لا تتعجلن.
أما هؤلاء الناس الكثر الذين استغربتن أنهم قدموا لزيارتي، وظننتن أنهم قد جاءوا خائفين علي أو أن لحياتي قيمة عندهم، لقد خابت فراستكن أو بالتأكيد فإنه لا فراسة عندكن بالمرة، إن كنتن قد توهمتن ذلك.
فما جاء بعض هؤلاء إلا إحساسا بالذنب وتكفيرا عن جرائم ارتكبوها في حقي، فكل واحد منهم تقريبا مسؤول بطريقة أو بأخرى عن صنع جزء من مأساتي والتي عميت قلوبكن قبل أبصاركن أن تدرك أبعادها.
سأحاكمهم جميعا أمامكن وسأحكي لكن حكايتي مع كثير منهم، حتى أكشف لكن وللعالم كله زيف تلك الدموع التي تنسال غزيرة من عيونهم، وهم يتحلقون حول حطامي.
بعض هؤلاء أيضا قد جاء بدافع الفضول وللتأكد هل قتل رجب أم انتحر؟
فقد سرت شائعة أن بعضهم قد دس لي السم لأني رأيت ما كان يجب ألا أراه يشيرون إلى جريمة عرض بين رجل وامرأة رايتهما بجرمهما المشهود فخافا الفضيحة وباتفاق دسا لي السم، لا لم يحدث ذلك أيها السفهاء، لم يقتلني أحد، قرار مغادرتي لعالمكم هو قراري أنا أنا وحدي، لأول مرة في حياتي وربما لآخر مرة أيضا تكون لي إرادة واتخذ قرارا وأجرؤ على تنفيذه، لقد ابتلعت الحبة القاتلة بملء إرادتي ووضعتها في فمي بكل جرأة ، أخيرا تخلصت من تحكمكم الذي شل إرادتي ولساني ووصمني بالعبط طيلة حياتي بينكم، وأخيرا ستنطلق روحي بغير قيود، أخيرا نبتت لي أجنحة سأحلق بها في السماء.
ولكن عذرا وكما أخبرتكن منذ قليل ما زال في عمري بقية أحكي لكن فيها حكايتي، إجلدكن أنتن وهم، نعم ستكون سطور حكايتي سياطا تجلدكم جميعا، لا تتعجلن، لا تنظرن هكذا بلهفة لتلك الأجهزة اللعينة،لن يظهر الشريط المستقيم الآن، لم يحن الوقت بعد لتسمعن ذلك الصفير التي تتلهف له آذانكن، سأبدأ أحكي لكن حكايتي كما عشتها وكما سمعت تفاصل تفاصيلها من حكاوي جدتي نعيمة من أول يوم قدمت فيه إلى حياتكم البائسة….سأبدأ الآن.
ولدت يتيما، غيب الموت أمي بعد ساعات من ولادتي، وغيب الفقر وكثرة العيال وهموم الحياة الثقال أبي فانشغل بهم عني، لا أنكر أنني في أيام يتمي الأولى قد حظيت بحنان وعطف شقيقاتي الكبار وتبارت عماتي وخالاتي و صاحبات أمي وجاراتها في العناية بي والاهتمام بكل شؤوني، لم يعرف الجوع طريقا لمعدتي فلقد تنافست المرضعات من تلك النسوة اللاتي ذكرت في إلقامي أثداءهن المترعة بالحليب الدافي، كان ذلك خلال أيام جنازة أمي، الجنازات عندنا تطول أيامها حتى في بيوت الفقراء، لا أدري ما السر، ربما هو طقس نسوي خالص، اخترعته النساء للتملص من أسرهن داخل البيوت، وإيجاد حجة للخروج لأربعين يوما متتالية حتى تربعن المتوفاة، فرصة لهن يتجمعن فيها يلكن سيرة هذه وتلك أو يفرغن فيها أحزانها على فقيد عزيز انتهت فترة حداده ويأتي موت جديد فيذكرهن به، اعتقد أن جميع مشاكلنا تبدأ من هنا من هذه اللمة الملعونة، التي تهتك فيها كل الأسرار، وتكون فيها غمزات ولمزات بين النسوة تنتهي لمشاحنات ظاهرة وخفية، وتنتقل هذه المشاحنات من النساء إلى الرجال بكيد وقصد، وتتصدر الكراهية المشهد و تتحول إلى صراع وخصومة بين البيوت والعائلات بعضها يظل مكنونا داخل الصدور وبعضها يتحول إلى معارك تسيل فيها الدماء.
المهم أن أيام الجنازة انتهت وككل يتيم غني كان أو فقيرا مثلي، ثقل دمي الذي كان خفيفا ونضب العطف الذي كان يفيض علي أنهارا وانشغلت عني الشقيقات و القريبات والصاحبات بشؤونهن وطردوني من جنتهن، لا ألومهن على ذلك فلم يأتوا بجديد أو شاذ أو محدث من الأمور بل ذلك هو ما نشأن وتربين عليه وسينشئن ويربين أبناءهن عليه.
وجدت نفسي في بيت نعيمة جدتي لأمي ، كانت الوحيدة التي ما زالت تلقي بالا لذلك الكم المهمل الذي هو أنا، كان فيها بعضا من حنان أمي بالتأكيد لكن الجزء الأعظم من ذلك الحنان قد توارى خلف فقرها واكتئابها فكانت تستشعرني عبئا ثقيلا على كتفيها اللذين أحنتهما السنون، من أين لهذه العجوز المسكينة بنفقات طعامي وثيابي وهي التي تتعاطى الحياة من ثقب ضيق من خلال نفحات أهل الخير والذي ضن بهم زمانها فأصبحت تتسول من الباقي منهم ما يتيح لها الشبع، بعض وليس كل أيامها، فهل ستستطيع أن تفي تلك النفحات الضئيلة لها وليتيمها ولو حتى بأدني متطلبات الحياة؟
سمعت فيما بعد عن التدليل والحنان والمناغاة التي يتمتع بها الصغار من عائلاتهم حتى يتعلموا الحياة ويتعلموا لغة الكلام ولكنني لم أرى حتى بسمة واحدة على شفاة جدتي نعيمة لم تناغيني لم تعلمني الكلام وتلك بعض من مأساتي بل مأساتي كلها صنعتها بجهل وبغير قصد جدتي الغالي والتي ما زلت أدين لها بفضل استمراي في الحياة ذلك الشء الذي ستجعلني الحياة أن أنقم على جدتي أنها لم تتركني أموت قبل أن تكتمل مأساتي.
أخذتني جدتي لبيتها أو إن تحرينا الحقيقة لقلنا عشتها، كانت غرفة صغيرة جدا مبنية بالطوب اللبن وسقفها كان من جريد النخل، أتاح لها أن تبني فوقه عشة صغيرة تقتني فيها بضع دجاجات تستعين بهن على ضروريات الحياة، كانت دجاجاتها عندها تساوي الحياة نفسها، تستقطع من بيضهن ما تبيعه في سوق الخميس وتشتري به بعض مستلزمات حياتها، ربما حرمت نفسها حتى من بيض دجاجاتها لأن هناك أهم لا تقوم حياتها بدونه، دواء الضغط والسكر أما الطعام فتكفيها بعض كسرات جافة يذهب الماء بعض قسوتها على أسنانها البالية ولثتها المنهكة، أما ذبح واحدة من الدجاجات والاستمتاع بلحمها فكان من مستحيلات نعيمة، إلا إن استشعرت قرب نفوق إحداهن فتلحقها بالسكين ويكون يوما تختلط فيه المشاعر بين الحزن بفقد أحد عناصر ثروتها وبين الاستمتاع بلحم لا تتذوقه إلا في هذه المآسي والكوارث، نعم كان فقد دجاجة بياضة كارثة بالنسبة لنعيمة.
ولكي تستوعبوا أو تصدقوا ما أقول، سأحكي لكم حكاية تذوقت فيها بيض نعيمة ربما لأول وأخر مرة في حياتي القصيرة معها، كان ذلك في يومي الأول في بيتها، كنت اتلوى وأصرخ من الجوع، واحتارت المسكينة بي فليس في بيتها ما يصلح لرضيع مثلي وصدرها قد جف منذ زمن، ألقمتني إياه أرضعه، اتصبر به أحاول استحلابه بلا جدوى، بحثت في أخنان حيطان بيتها عن حبات من الحلبة أو الكرواية لتغليها لي وتسقينيها، ولم تجد، أخيرا هداها جزء حنانها المتبقي إلى أن تلجا لكنزها وبيد مترددة استخرجت بيضه وبيد أكثر ترددا وضعتها في إناء فوق الموقد وأشعلت النار وسلقتها، وأعطتني بياضها أسكت قليلا من جوعي واستمتعت هي بصفارها.
لا لم تكن جدتي بخيلة أو قاسية ولكنها كانت فقيرة.
لأيام قلائل ظل بياض بيضة جدتي نعيمة هو وجبتي الرئيسية في يومي كله، استمتعت هي أيضا في تلك الأيام بصفار البيض، كانت تسكت صرخات جوعي بجرعات صغيرة من مشروب الحلبة المر، فلم تكن تملك رفاهية تحليته لي بالسكر، جارتنا أم حسانين جادت علينا بحفنة من حبوب الحلبة، جاء يوم الخميس سوق بلدنا، أحصت جدتي ثروتها الأسبوعية من البيض، وجدتها قلت الربع عن كل أسبوع، نظرت إلي نظرات فيها مزيج عجيب من مشاعر الشفقة المختلطة باللوم، شفقة لأن بيضاتها لم تشبعني ولوم لأن حياتها قد تأثرت بدخولي فيها، زدتها أعباء على أعبائها، كنت لم أكمل الشهرين، لم تكن معدتي مهيأة بعد لاستقبال البيض أو أي طعام غيره، لكن المسكينة وقد أعيتها الحيل ورغم أنها تعلم أن البيض ثقيل علي إلا أنه لم يكن هناك بد مما ليس منه بد، وأصابني الإسهال في تلك الأيام القاسية الزمهرير وضاعف الشتاء من حدة المرض و أوشكت على الهلاك، ليتني مت أيامها ليت جدتي لم تتوقف عن إطعامي بيضاتها، لكنها خافت علي أو ربما وجدت في مرضي حجة فتوقفت عن إطعامي البيض، استعاضت عن ذلك بتغميس كسرات من الخبز الناشف في الماء حتى يصبح كالعجين، كان ذلك هو طعام دجاجاتها وسيؤثر أيضا عليها ولكنه أوفر من تلك البيضة التي نتقاسمها أنا وهي يوميا، الحلبة والخبز المبلول هما طعامي اليومي لأكثر من شهر، حتى زارتنا يوما فكيهة أم عبد الله أقرب صاحبات أمي وأحنهن علي، نعم شغلتها الدنيا عني شهرا أو يزيد ولكنها تذكرتني، فجاءت تزورني عند جدتي باكية نائحة وهي تزعم أن أمي زينب قد زارتها في المنام لائمة معاتبة انقطاعها عني، وأخذت تسوق لجدتي مبررات تأخرها في السؤال عني وجدتي تعذرها وتسامحها في كل أعذارها أو تتظاهر بذلك،ثم فجأة وهي تشير إلي سألت جدتي:
…هو المحروس سميتوه إيه؟
وارتبكت جدتي قليلا وتلعثمت فقد تذكرت أنهم حتى الآن وقد أوشكت أن أتم الثلاثة أشهر لم يطلقوا اسما علي بعد، ولكن جدتي تخلصت سريعا من ارتباكها وتلعثمها وأجابت فكيهة قائلة:
…سميناه رجب يا أختي
علمت فيما بعد أن رجب هذا هو جدي لأمي زوج جدتي نعيمة، أنجب أمي ومات بعدها بستة أشهر واوقفت نعيمة حياتها كلها على ابنتها ورفضت الزواج، يقولون أنها كانت أجمل لداتها، وأنها بعد ترملها قد تصارع على الزواج منها كثير من الرجال إلا أنها أبت إلا أن تهب حياتها لابنتها اليتيمة، علمت لماذا تجسد الحزن على وجه جدتي حتى صار جزء منه لا يفارقه، حتى مع أية فرحة صغيرة طارئة، لقد كتب على تلك المسكينة أن ينوء كتفها بعبء تربية الأيتام، وأي عبء هو؟!
التمست لها العذر في حزنها وفي ضجرها وفي عدم تدليلي وفي عدم تعليمي الكلام وفي عدم حمايتي من توحش الحياة، يكفيها أنها كانت تحاول أن تطعمني.
علمت فكيهة من جدتي نوع طعامي اليومي، فنظرت ناحيتي بعيون دامعة مشفقة، وبالتأكيد كانت صادقة، ثم احتضنتني وهي تقول:
..يا عيني يا ابني اسم الله عليك
ثم أخرجت إحدى ثدييها وألقمتني إياه، كان جوعي شديدا واشتياقي لحليب الأمهات أشد، أتيت على الثدي الأول في دقائق قليلة، لم تبخل علي خالتي فكيهة بالآخر، فأفرغته من الحليب، ونمت نوما عميقا لم أنمه منذ انتهت أيام جنازة أمي في يومها الأربعين، نظرات جدتي الشاكرة لفكيهة جعلت الحماس يأخذ المرأة فقالت لجدتي:
…أنا كل يوم بعد العصر ها أجي أرضع المسكين ده
فنظرت إليها جدتي غير مصدقة وهي تقول:
..طيب يا أختي وصدرك ها يكفي بنتك اللي على إيدك دي والمسكين رجب
…رزقهم الاتنين على الله يا أم زينب، ربك ما بيقطعش بحد، وأبو عبدالله متوصي بيا في الغذا عشان الرضاعة وان شاء الله صدري يكفيهم الاتنين
وشكرتها جدتي راضية وقد أطمأنت أن يد الله قد امتدت وملأت قلب فكيهة بالحنان فكفتها مؤونة ومسؤولية إطعامي فحمدت الله وشكرته ونامت قريرة العين هانئة البال.
وأوفت فكيهة بعهدها، أسبوع كامل تأتي في موعدها المحدد عصر كل يوم، تلقمني ثدييها واحدا تلو الآخر، أفرغهما من الحليب في دقائق معدودة، تتركهما لي حتى أتعب من محاولاتي البائسة لانتزاع قطرات أخرى عساها تكون متمنعة علي، لا تنتزعهما مني انتزاعا رغم ما تسببه لها محاولاتي الشرهة من ألم، ألاحظ أن وجهها لم يعد منيرا كالسابق، الشحوب يعتريه والصفرة تغمره، ليست من ترضع واحدا كمن ترضع إثنين، أقرأ على وجهها تعابير مبهمة، رحمة وحنان اختلط بهما الخوف، فهي رغم قناعتها بما تفعله من خلال إنسانيتها وشفقتها علي إلا أنني كثيرا ما استشعرت أنها تخشى أنها تظلم ابنتها نرجس التي أقاسمها حليب أمها، فسيمر وقت طويل يحتاج فيه ثدياها إلى غذاء كثير حتى يترعا من جديد بحليبهما الطازج، أنى لها بالغذاء؟ إنها تعود إلى دارها بعد إرضاعي، وتجد نرجس تتلوى من الجوع، تتجاهلها بقلب يتقطع حزنا وألما، وقد يخالطهما ندم أنه فرطت في حليبها لي، إنها حتى الآن لم تجرؤ أن تخبر زوجها بما تقدم عليه كل يوم، فقط بكريتها نفيسة تعلم بسرها، وقد أنبتها ولامتها على ذلك بل وهددتها أن تخبر أباها، إلا أنها استحلفتها بكل غال ألا تفعل، وإلى الآن لم تفعل، وإن ظلت فكيهة متوجسة من زلفة لسانها الذي ظل سيفا مسلطا عليها زاد من أعبائها عبئا جديدا، حتى عاد أبو عبد الله ذات يوم وسمع صرخات ابنته الجائعة، ولم تكن فكيهة في البيت، لم يكن يأبه لذلك فهو معتاد على زياراتها لجاراتها في هذا الوقت، ولكن صرخات رضيعته جعلته يصرخ ويثور وهو ينادي على ابنته:
…نفيسة نفيسة فين أمك يا نفيسة
وتجيبه الصبية متلعثمة ولم يكن معتادا أن تراه على تلك الحالة من الثورة والغضب:
…عند جارتنا أم زينب ها اروح انده عليها بسرعة
…لا خليك انت مع أختك حاولي تهديها لغاية ما أروح أنده عليها أنا تيجي ترضعها البت ها تتسور من الجوع…أمك اتجننت على كبر ليه ما خدتهاش معاها
ويخرج مهرولا وقد أهمته وأضجرته وآلمت قلبه صرخات ابنته الجائعة، ولم يكن بيت جدتي بعيدا عن بيته هو في أول الحارة ونحن أخر بيت فيها، لم تكن حارة، كانت أصغر من ذلك بكثير، كانت لا تتسع أن يمر فيها شخصين متجاورين في وقت واحد، كان يجب أن يسبق أحدهما الآخر، كانت أقرب إلى درب أو عطفة منها إلى حارة ورغم ذلك كان الناس يطلقون عليها حارة الجمالين، معظم من يقيمون فيها يمتهنون مهنة رعاية الجمال يسمونهم جمالة، رغم أنني لم أر في حارتنا كلها جملا واحدا، علمت بعد ذلك أن الجمال أسعارها تعجز هؤلاء البائسين وأنهم يرعونها ويسوقونها ويحملونها ويشغلونها لحساب غيرهم من الأثرياء والأعيان أصحاب الأطيان، يقولون أنها مهنة تكسب من يمتهنونها فضائل عديدة، بالتأكيد ليس من بينها الثراء فهل يكون الفقر فضيلة؟ ربما، ولكنها تعلمهم الصبر والصمت والذي كثيرا ما يكون أبلغ من الكلام، يقولون أيضا أن القائمين على رعاية الإبل، بل وكل أسرهم أبناء وأحفاد وبنات وزوجات يتمتع الجميع بكبرياء عجيب وشموخ وعزة نفس تعجب أن تجدهما مقترنين بذلك الإملاق الشديد وأن كرامتهم يكون المساس بها دونه الموت وأنهم لا ينسون الإهانة أبدا، أيكون هذا هو السبب في ذلك الصمت والرضا الذي تتمتع بهما حارتنا دونا عن غيرها من الحارات، أيكون ذلك سببا في الهيبة المقرونة بقليل من السخرية التي تتمتع بها بين الحارات، فيصف الناس ساكني حارتنا أنهم قرع ونزهية ومناخيرهم في السماء.
وينادي أبو عبدالله على فكيهة، ولم تكن قد انتهت من إرضاعي، ولأول مرة تنتزع ثديها من بين شفتي قبل أن أشبع وتدسه سريعا في ثيابها،و امتلأ وجهها بالخوف والتوتر، لم تأبه لصرخاتي النهمة الجائعة وهي تلقي بي على الأرض، ولم تنظر ناحية جدتي وهي تهرول مسرعة
ناحية الباب وتقول:
…أيوة يا أبوعبدالله أديني جاية أهه
وكانت المرة الأخيرة التي استمتع فيها بحليب فكيهة الدافىء ومن يومها لم أنم هانئا شبعا، وعدت من جديد لعيش جدتي المبلول بالماء، ورشفات من مشروب الحلبة الدافئة.
وانقطعت فكيهة عن زيارتنا، اعتقد أن الخجل قد منعها أن تأتي وتمنع عني حليبها، علمت جدتي أن زوجها قد هددها بالطلاق إن هي جادت علي بما هو حق خالص لابنتها، لقد لاحظ الرجل الشحوب الي اعتراها والهزال الذي أصاب ابنتها الرضيعة، وقال لها أن عماته وشقيقاته فيهن مرضعات وهن أولى به، وأن عمته نرجس ولادة تؤائم وكانت ترضع توأمها وكأنهم مولود واحد، في البطن الأخير ولدت فردا فلماذا لم تضم رجبا إليها وترضعه، أم أنك فقط الحنون الوحيدة في هذا العالم، فقدت نصف الشبع الذي كنت اتمتع به من رضعة فكيهة الوحيدة كل يوم، أصبحت صرخاتي تبلغ عنان السماء عندما يأتي موعدها ولا تأتي فكيهة، ما عدت قادرا على ابتلاع عيش جدتي المبلول، كنت التقط حصى الأرض وطينها وأمضغه محاولا إسكات صوت معدتي، تلاحظ جدتي المسكينة ذلك وما بيدها حيلة غير بكاء العاجز الضعيف، كنت أرها تتحسس قرطا ذهبيا في أذنيها وتسرح إلى عوالم لا أعرفها، كثيرا ما سمعتها تقول أنه كفنها، لم أكن أعلم ما هو الكفن وما هي العلاقة بينه وبين قرط جدتي الذهبي، استيقظت يوما على صوت دجاجات جدتي، يصرخن وهي تمسك بهن الواحدة تلو الأخرى وتضعهن في قفص جريدي، اكتفت بالإمساك بنصفهن، كان اليوم هو سوق بلدتنا، خرجت جدتي مع أول ضوء في شمس هذا الخميس الحزين نعم كان خميسا حزينا، قبل الظهر عادت جدتي، ومعها في يدها حبل ينتهي بعنزة عجوز عجفاء، و بقجة قماش خضراء عرفت بعدها أن في داخلها كفنها، أحضرت أيضا كيس علاج يكفيها حتى تكبر كتاكيت صغيرة أحضرتها لتعوض نصف الدجاجات التي باعتها، وكانت أذنيها خاليتين من قرطها الذهبي، أدركت حجم التضحية التي قدمتها جدتي من أجلي، اكثر من مرة رأيت دموعها وهي تنظر في قطعة المرآة المكسورة التي تحتفظ بها في عناية في صندقها الخشبي المتهالك والذي كان تقريبا أغلى قطعة أثاث في حجرتها، عندما عادت كنت أنا أصرخ متلويا من الجوع، وضعت علاجها وكفنها في الصندوق أخرجت الكتاتيت الصغيرة وتركتها تلتقط فتات الخبز الذي ألقته لها، وامسكت العنز العجوز التي فقدت صغارها ثم أمسكت بي وألقمتني، ثدي العنز، لم يكن مثل ثدي نعيمة ولم يكن لحليبه نفس الطعم ولكن الجوع لم يترك لي كثيرا فرصة المقارنة، انقضضت على ضرع العنزة بنهم وأتيت على ما بهما من حليب في لحظات وما زال الجوع يقرص معدتي وإن كانت حدته قد خفت بعض الشء، تبنتني العنز صرت ابنها، كانت تقف لي من تلقاء نفسها وتتركني أرضع، ربما أنزل الله في قلبها حنانا علي وربما كانت رضاعتي لضرعها راحة لها من تخزين اللبن، فاللبن إن لم يجد من يشربه يجعل الضرع يلتهب وتصيب صاحبته الحمى، لم يكن أكل العنزة مما يؤرق جدتي ففي حارتنا تفتح الأبواب للماعز مع أول ضوء شمس فيخرجن ويمرحن هنا وهناك ثم تعدن كل لدارها، كانت عنزتنا تعود في أوقات معينة طول النهار تعطيني ضرعها ثم تعود لمراحها، عندما كانت تتأخر يوما كنت أخرج أنا للبحث عنها، كنت قد بدأت أحبو، نعم كنا نخرج للشوارع حبوا أنا وأندادي في الحارة، ثياب رثة لا نرتدي سراويل نتبول ونتبرز متى حضر البول والبراز، لا لم يكن هناك من يأبه لنظافتنا، كان شيئا عاديا أن يقع أحدنا فوق بوله أو برازه، لم يكن ذلك شيئا شاذا، كانت أمهات الماعز تحرص على نظافة أبنائها أما أمهاتنا فلا، كن يغسلن أجسامنا كل شهر وربما أكثر من شهر، كان الماء مشكلة لم يكن عندنا صنابير في البيوت، كانت النساء يخرجن ويملأن الماء من حنفية عمومية بعيدة كثيرا عن حارتنا كانت عملية مرهقة، لذا كانت النساء تحرصن على كل نقطة ماء حرصهن على الحياة نفسها، لم يكن في بيوتنا حمامات نقضي فيها حاجاتنا، فقط حفرة صغيرة في ركن قصي من دورنا كنا نسميها كنيف، يمتلأ سريعا بفضلاتنا وتتكفل النساء يتفريغه عندما يحل الظلام في ترعة قريبة، أما الاستحمام فكان رفاهية ما بعدها رفاهية لم نكن نحن الأطفال نحصل عليها إلا كل شهر أو أكثر وبأقل قدر من الماء.
كنت عندما اخرج للبحث عن أمي العنز كانت تأتي إلي مسرعة بمجرد أن تلمحني فالتقم ثديها وأرضع بنهم، الغريب أن بعض أمهات الماعز اللاتي فقدن صغارهن كن يقتربن مني ويتركن لي ضروعهن، أشعبتني أمهات الماعز، لكن كانت مأساتي عندما يراني صغار الأطفال أصحاب الماعز التي أرضع منها، كانوا يضربونني ويمنعوني من رضاعتها، علمت أن أمهاتهن هن من طلبن منهن ذلك، فهذا الحليب هو غذاؤهن، كانوا يحلبون الماعز ويستعينون به على الحياة، الآن التمس لهم العذر، لم يكن في حارتنا أغنياء كنا نتقوى على الحياة بكل متاح لنا، أطلق علي الصبية الجدي ومرة التيس ومرة السخل، باعتباري ابن الماعز، كانت التسمية الأخيرة قبيحة جدا في مجتمعنا وكانت تحمل معنى شاذا اعتقد لو أنني كنت جميلا ونظيفا ولم يصب الجرب والقشف جسدي لكنت مطلبا سهلا ومباحا للشواذ ولكن الله أنقذني بالقبح والمرض فتأفف الجميع مني وزهد الشاذون في وكانت منحة من قلب المحنة.
سارت أيامي على نفس الوتيرة، طعامي اليومي رضعات متقطعة من ضرع عنزتنا العجوز، وعيش جدتي المبلول، بدأت أتعلم المشي مستندا للحوائط، أعي شيئا فشيئا بعض ما يدور حولي، أزعم أنني كنت زكيا جدا التقط كل ما أسمعه واحتفظ به في ذاكرتي، لم أنطق كلمة واحدة من حصيلة أذني في البيت أو الحارة، حتى كلمة أمي أو ستي أو أبويا التي كنت أسمع من هم في سني يرددونها ليل نهار، كنت أشعر أن حجرا ثقيلا يقبع على لساني يمنعه من الانطلاق، كنت متأكدا أنني استطيع أن أتكلم مثلهم، بل وأفضل منهم ولكن لست أدري من أين كان يأتي هذا الشلل الذي يصيب لساني، فقط همهمات متقطعة غير مفهومة تخرج من فمي يتبعها سيال من لعابي سرعان ما اسمحه في كمي أو طرف ثوبي فيصنع مع الأتربة أوحالا تزيدني قذرا على قذري، همهمات تشبه تلك التي تطلقها صغار الماعز وهي ترضع أمهاتها أو تناديها إن غابت عنها، هل أثرت علي رضاعتي معها فصرت أقلدها، هل أمنت لها درجة أني لا أخاف أن أطلق أصواتا تشبه أصواتها، وهل عقد الخوف من البشر لساني وصرت متخوفا من إصدار أي حرف يشبه كلامهم، هل أدرك وعيي الصغير قسوتهم منذ لحظات اصطدامي الأولى بحياتهم حتى صرت اتمتع بحياتي مع الماعز واتوجس خيفة من حياتي مع بني جنسي، أم أنه يتمي؟ هو بالتأكيد يتمي فكل الأطفال في سني يناغون ويتكلمون ويحاولون كلمات كاملة أحيانا ونصف كلمات أحيانا أخرى وفي النادر همهمات مثل التي تخرج مني بلا معنى، هم يخافون من الماعز يتحاشون نطحاتها وأنا لا أخاف، أنا أخاف من البشر أتوجس قسوتهم، وهم لا يخافون، لديهم ظهور يتقوون بها على البشر، لديهم أباؤهم وأمهاتهم أما أنا فلا أم لي، لي فقط أب حاضر غائب أسمع عنه ولا أعرفه، يسكن في الحارة التي خلفنا، وها قاربت أن أكمل العام من حياتي البائسة ولم أره ولا مرة، نعم لدي جدة حنون ولكنها ضعيفة مكسورة الجناح لا يكفي حنانها العاجز المقيد بفقرها وفاقتها أن يحميني من تلك الوحوش، التي أخالها تتربص بي، أرى خيالاتها قابعة في الضوء وفي الظلمة في الخلاء وخلف الأكام، اتخيل أنيابها تنقض علي تنهش لحمي وتطحن عظامي في لحظة، ما أقسى يتمي وما أمر حرماني من الأمان.
لا حظت أن اللبن في ضرع عنزتنا يتناقص شيئا فشيئا، لم تعد تقف لي لأرضعها مثل الأول، تبعدني عنها كلما حاولت الاقتراب، لاحظ جدتي مثلما لا حظت، ابتسمت جدتي، كنت أظنها ستحزن ولكنها كانت سعيدة، نظرت لعنزتنا ثم وجدتها تخاطبها كأنما تخاطب أنثى مثلها:
…انتي عشرتي هو لسة فيك رمق كنت فاكراكي قطعتي
علمت بعد ذلك معنى كلمة عشار، عنزتنا ستلد صغارا، سيغور اللبن في ضرعها، سأفقد وجبتي الرئيسية، لم آبه كثيرا لذلك، أعلم من أين آتي بوجباتي ما أكثر الماعز في حارتنا والحواري التي حولنا فقط علي أن اتخير الوقت الذي استطيع أن انفرد بإحداها والتهم ضرعها في نهم وسرعة بعيدا عن أعين المتربصين من أراذل الصبية الذين يسومونني سوء العذاب إن رأوني أرضع من عنز يمتلكها إباؤهم.
شهرين كاملين وأنا أسرق الحليب من ضروع الماعز، أفلت مرات كثيرة ووقعت مثلها في أيدي هؤلاء المجرمين، كانوا يضربونني بالعصي الصغيرة يلسعون بها جسدي الضعيف لا يأبهون لصرخاتي لا يشغلهم جوعي ودموعي، يستقبلهم آباؤهم مهللين لهم بطولاتهم الوهمية وهم يحكون لهم ما صنعوه بي، بينما أعود أنا لنعيمة دامع العينين ملتهب الجسد، فتحتضنني وتبكي وهي تنظر للسماء، ثم تنظر لعنزتنا وكأنها تستعجلها أن تضع حملها.
ووضعت عنزتنا جديين صغيرا كنت أسعد طفل في العالم لحظة ما كانت نعيمة تقرب فحل البصل من فم الصغيرين حتى تساعدهما على التنفس، وضاعف سعادتي أن ضرع عنزتنا كان ممتلئا بالحليب أكثر مما رأيته من قبل وبكل شوقي وجوعي أسرعت ناحيته ولكني فوجئت بنطحة قوية موجعة ألقت بي على الأرض، ذهلت وأنا لا أصدق أن هذه عنزتنا، أتراها قد نفتني أتراها قد أنهت تبنيها لي بمجرد قدوم هذين الصغيرين كم أكرههما، خطفت إحداهما من أمام جدتي وأوشكت أن أرميه على الأرض، أريد أن أقتله وأقتل شقيقه، إنهما حرماني من غذائي، قامت جدتي مسرعة وقد أدركت نيتي من نظراتي، أدركت غيرتي من هذين الصغيرين، وأخذتهما بعيدا عني، ثم أمسكت عنزتها العجوز من أذنيها وجعلتني أرضعها بهدوء، لم تتركني جدتي أفرغ الضرع من حليبه، وانتزعته مني بحنان وهي تقول لي:
…سيب شويه لعيالها يا رجب
وفهمت أنه أصبح لي في ضرع عنزتنا شركاء وتضاعفت غيرتي أكثر وأكثر.
واستيقظت في صبيحة يوم مشؤوم، على صوت بكاء وأنين مكتوم وشهقات متقطعة، تكاد تنزع معها روح صاحبتها، كانت نعيمة جالسة على الأرض، وأمامها عنزتها العجوز و صغارها جثثا هامدة، يخرج الريم من أشداقها، ومخلفات طرية عفنة الرائحة تملأ مؤخراتها، لقد أكلت المسكينة في جولة رعيها الأخيرة حشائش مسمومة، ثم رضع الصغار لبنها وماتوا جميعا، وها فقدنا نعيمة وأنا أهم عنصر من عناصر ثروتنا، كان يبشر ببعض اللين في حياتنا القادمة، لابد أن المسكينة نعيمة قد حلمت أحلاما مستندة على امتلاكها لعنزة ولود، الماعز تلد في العام مرتين حملها خمسة أشهر لا تزيد، وها هي وضعت في أول ثلاثة أشهر مولودين ذكرين، ستستريح شهرين ثم تأتي ببطن آخر، ستبيع المواليد، ستستعيد قرطها الذهبي، وربما استطاعت أن تشتري شابة جاموس أو بقر وتصبح من أصحاب الظفر الغليظ في الماشية، ثم تتضاعف ثروتها من مواليد جاموستها أو بقرتها وتذهب عمرة وتحقق حلم حياتها في زيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، تختتم به حياتها الطويلة القاسية، لابد انها كانت تغني أغاني الحج لنفسها في سرها، هي تحفظها عن ظهر قلب من كثرة ما ترددها في احتفالات من تحققت أحلامهم وسافروا، كان الناس في أيام شبابها يسافرون على الجمال وكانت الجمال صنعة كل رجال عائلتها ولكنها جمال أعيان لا تؤجر لمثل هذه السفريات الطويلة وإلا لهيأ لها سفرا مع زوجها، جدي رجب ولكن هيهات ، الفقراء يحلمون فقط، يتخيلون فقط أما الواقع فلا يتبنى أبدا إلا أحلام من يملكون أدوات الحلم، أو يملكون الحظ أما هي فلا أدوات ولا حظ، فقط حلم وخيالات جميلة، ثم الرضا والتسليم بالواقع، وها هي أحلامها قد وئدت في مهدها، لم يطل الحلم حتى لتحقق أولى متطلباتها منه، كانت تنتظر حتى يفطم الصغار وأفطم أنا، وبديلا عن بل العيش في الماء، حلمت أن تغمسه في الحليب، أيام كانت بعافيتها وتستطيع الذهاب إلى الأسواق وبيع الخضار كان بيتها مملوءا بالخير، كانت تأكل الخبز الناشف بالحليب فقط تغمسه ثم تخرجه، لم تكن فقدت أسنانها، كل خميس كانت تشتري لحما لها ولجدي ولأمي زينب، وها قد فقدت أمنيتها حتى في استعادت بعضا من أيامها الخوالي، فلا حليب ولا لحم، فقط عيش ناشف عطن مبلول، صار طعامها الرئيسي وبالطبع طعامي.
أنا ما زلت اختلس لحظات بعيدا عن أعين المتربصين أنهل من ضروع عنزات متسللات بعيدا عن دور أصحابها، اغتصبها كل ما في ضروعها من لبن، كنت قد أصبحت متمرسا في الإمساك بهن والرضاعة حتى الشبع، لم اتوقف عن رضاعة الماعز حتى اتممت الثالثة من عمري تقريبا، فقد أصبح عقاب الإمساك بي بجرمي هذا قاسيا جدا ترك علامات بشعة في ثائر أنحاء جسدي، جعل هيئتي أكثر بشاعة مما كانت عليه، ما زلت حتى ذلك الوقت لم استحم ولا مرة واحدة في حياتي، أغسل يدي وقدمي عند طلمبة الحاج عنتر أو الحاج نعمان وأيضا خلسة عن الأعين ومرات لا تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة، وبعد أن كنت رجب الجدي أو التيس أو السخل أصبحت رجب الجربان، نعم كنت جربان فقد وجدت الهوام والحشرات وكل باحث عن دم بشري طازج مرتعا في جسدي المباح لها بلا حدود، امتلأ وجهي بندوب وسحجات وعلامات ضرب بعصي وأسلاك رفيعة، صرت مسخا، يشمئز وينفر ويسخر منه الجميع، وجه مشوه ورائحة نتنة وثياب أحالتها الأوحال التي تملأ بها الحياة كل أيامي إلى كتلة سوداء فوق جسد أسود، رغم أني على يقين أني ولدت بجسد ناصع البياض فقد أخبرتني نعيمة بذلك، وأخبرتني أن عيني الذي يخفيها الغماص والعمش كانتا زرقاوتين،
أين هما عيناي، أنا بالكاد أرى بقعتين معتمتين كلما سمحت لي نعيمة أن أنظر في مرآتها المكسورة.
وعدنا نعيمة وأنا إلى وجبتنا الأصيلة التي أبت إلا أن ترافقنا مدى حياتنا العيش الناشف نعيمة تأكله مبلولا أما أنا فاستطعمته ناشفا، نمت أسناني فأصبحت أقرض الكسرة كما رأيت فئران حجرتنا التي تشاركنا كل طعام نتحصل عليه، شئنا أم أبينا أظهرناه أم خبأناه فلها فيه نصيب.
وفي عامي الثالث هذا عرفت أن هناك طعام يعشقه البشر، بل ويدمنه أغنياؤهم ونعرفه نحن الفقراء في المواسم والأعياد وأيام الانتخابات نعم عرفت في هذا العام اللحم بل وتذوقته واستمتعت به.
أربعة مواسم أساسية في السنة كنا نعرف فيها الزفر، والزفر في عرفنا هو كل طعام به لحم، يترك آثار الدهن على أيدينا وثيابنا، كنا نتشمم تلك الرائحة باشتهاء ومتعة، في عيدي المسلمين الرئيسيين الفطر والأضحى وعيدي المسيحيين الرئيسيين الميلاد والقيامة، كانت تأتي شارعنا نفحات الأعيان والأثرياء، لا تفرق أبدا بين باب بيت عليه صليب وآخر عليه هلال، ربما كانت تلك الأيام هي النفحة الربانية الوحيدة في حياتنا القاحلة، يحنن بها الله قلوب هؤلاء القساة طلبا للجنة أو الفردوس وربما هربا من عقاب ذنوب تبلغ حد الخطايا وربما توددا للرب لجلب مزيد من الرزق، ولكن الأكيد أنني بدات أعتقد أنهم يعبدون ربين رب طول العام يقسي قلوبهم ويملأها بالبخل والشح وعدم الاكتراث بالخطايا والذنوب، ورب المواسم والأعياد الذي يحول أخلاقهم للنقيض تماما ليوم أو بضع ما يلبثون بعدها أن يعودو سيرتهم الأولى، في السلب والنهب واغتنام كل الفرص لتوسيع أرزاقهم وتضييق أرزاقنا.
اقتربت من السادسة ولم أعرف مكانا في العالم إلا مكانا وحيدا كانت تصطحبني إليه جدتي مرتين في العام، كانت تصطحبني إلى المقابر في صبيحة هذين العيدين، تذرف وأقلدها أحيانا دموعا غزيرة عند قبري جدي وأمي، تستحضر ذكرياتها معهما وتنعي حياتها بعدهما وكيف صارت أكثر بؤسا وشقاء، في عيد الفطر كنا نعود من المقابر محملين بالخبز الشمسي الطازج والقرص الشهية التى تشر منها السمن البلدي، الذي لا نتذوقه أبدا إلا في مثل هذه المناسبات وفي أفراح الأعيان، ولو أسعدنا الحظ لجادت علينا واحدة أو أكثر من كريمات النساء بقرص من الفطير المشلتت، يسيل لعابي حتى قبل أن تجرني جدتي معها إلى هناك، و نحن عائدين من زيارة المقابر في يوم عيد الفطر لا تنسى جدتي وجبة مقدسة لنا في هذا اليوم لا أدري ما العلاقة بينهة وبين عيد الفطر أبدا، لا تنسى جدتي أن تشتري لنا تلك قرطاس الملوحة الصغيرة التي نتناولها برأسها وأحشائها في اشتهاء لذيذ، لا تنسى جدتي أيضا أن تشتري لعبة مصنوعة من الصاج أحركها بيدي يمينا ويسارا مصدرة أصواتا متحشرجة كانت تثير خيالاتنا نحن الصغار فنربط بينها وبين أصوات حيوانات، بعضها رأيناه وبعضها سمعنا عنه وتخيلناه، مرة حمار ومرة جدي ومرة فرس وأسد وغيرهم، رغم أن صوتها كان معدنيا خالصا لا علاقة له بأي من توهماتنا.
كان بيتنا يمتلأ في هذه الأيام بخيرات تكفل لنا حياة لينة لأسبوع أو أكثر، بل أحيانا لشهور عندما نستفيد مما جففته وحمصته جدتي من خبز وقرص.
أما في عيد الأضحى فكان اليوم الأعظم في حياتنا نبقى لأربعة أيام كاملة نأكل اللحم والفتة والأرز ويبقى عندنا كنز جديد من جميع صنوف الخبز.
في عيدي المسيحيين أيضا كانت تأتينا نفحات ليس من الموسرين فقط بل من الكنيسة التي كانت خارج حارتنا وكانوا يوزعون أكياس خيرهم على شارعنا كله أيضا دون تفرقة.
هناك موسم آخر علمت أنه أيضا يكون موسم خير، هو موسم انتخاب أعضاء البرلمان، نعم هو يأتينا كل خمس سنوات ولكنه يأتي أيضا بالخير العميم للفقراء أمثالنا، مرشحون يوزعون لنا زيتا وأرزا وسكرا ومكرونة وآخرون يوزعون علينا أقمشة وثيابا، ويوم الانتخابات نفسه يحصل الجميع على نقود، يقولون أنها بديلا عن يومياتهم التي ستتعطل لأنهم سيذهبون إلى اللجان.
حارتنا تؤيد الحاج زيدان وتنتخبه منذ أكثر من عشرين عاما وتنتخب أيضا الرجل السني الطيب بتاع ربنا كما سمعتهم يقولون.
الحاج زيدان عزوة وهيبة وابن أكبر عائلة في بلدنا تنتخبه حارتنا ولا ترى أفضل منه، نراه كل خمس سنوات أنا رأيته هذا العام، للأسف الانتخابات جاءت مع موسم رمضان انتهزها الرجل فرصة ووحد نفحة الانتخابات مع نفحة رمضان، كم أحب الحاج زيدان لم يشمئز من هيئتي لم تزعجه رائحتي قبل يدي وجبهتي وهو يقول لي:
…تعالى أما أبوسك يا بركة
وأمر لي بثوب جديد،وسط تهليل وتكبير وتصفيق من مؤيديه، لم يقبل أحد من صغار حارتنا غيري لأول مرة يغار هؤلاء الملاعين مني ولأول مرة سأرتدي ثوبا لا يحلم أي واحد منهم أن يرتديه، كم أحب الحاج زيدان، تحكي لي جدتي أن أبي يقول لها أنه أحد أهم رجاله في منطقتنا وأنه لا يأتي إلي هنا قبل أن يخبره ليكون في انتظاره ليمر به على البيوت، نعم رأيت أبي يمر معه، سرت أنا في ذيلهما فخورا بأبي الذي كان لا يعرفني، كنت أشير ناحيته بأصبعي صامتا أغيظ به الأطفال وأقول لهم هذا أبي، ربما احترموني بعدها ولم يسرفوا في تحرشهم بي.
ونجح الحاج زيدان ونجح الرجل السني وما زلت أنا في انتظار الجلباب الجديد الذي لم يأتي بعد، ربما أحصل عليه بعد خمس سنوات، إنها قليلة، أبي يؤيد الحاج زيدان من عشرين عاما وما زال جلبابه البوبلين الأزرق المرقع في كل جزء منه كما هو وما زال بيتنا كما هو وما زال أبي هو حادي جمال الحاج نعمان ابن عم الحاج زيدان، أبي ينتظر كل هذه السنوات، أفلا اتعلم أنا منه الصبر وانتظر؟.
ومهما طالت أيام المواسم ولين العيش فيها فإنها قصيرة شأنها شأن كل فرحة في حياتنا البائسة قليلة الأفراح كثيرة الأتراح، بل شأنها شأن الحياة ذاتها مهما طالت قصيرة، سرعان ما نعود إلى حرماننا الذي يبدو أزليا لا ينتهي، فلا يفارقنا العيش الناشف ولا الأرض الطينية الرطبة التي تكوي أجسادنا صيفا وتيبسها شتاء،ولا الرائحة العطنة المنبعثة دائما أبدا من كنيف دار جدتي نعيمة.
ينسانا أهل الخير الذين بدلوا ربهم إلى رب آخر لا يأبه ولا يهتم للفقراء، يهتم فقط بخزائنهم ومخازنهم المكتنزة يسعون إلى زيادة حشوها بكل ما يضمن لهم السيادة والسبق علينا نحن الناظرين إليهم بعيون حاسدة حاقدة، قد نكون كذلك بالفعل ولكن هم من أوصلنا لذلك المنحدر، أم كنا نراهم يتمتعون ونحرم نحن ونتمنى لهم في زيادة في الخير؟
وينسانا الحاج زيدان والرجل السني بعد أن نجحا في الانتخابات ويعودا لمعبودهما الأول الذي يبدلانه فقط مرة كل خمس سنوات لمعبود آخر يعبدانه لشهر أو يزيد قليلا هو موسم الانتخابات ثم ما يلبثا أن يعودا لربهما الأول الذي يدعوانه أن يعوضهما ما أنفقاه على رب الغلابة والمساكين والمخدوعين.
كنت قد بدأت أضجر من رثاثة ثيابي وقذرها والرائحة النتنة التي لا تفارقها أو تفارقني ويتأفف منها الناس ويلفظني بسببها كل مكان تخطو فيه قدماي، أقارن بينها وبين ثياب الأطفال أندادي في حارتنا الضيقة، كانت ثيابهم أفضل مني بعض الشىء، لا تفوح منها مثل رائحتي، رغم أن أمهاتم كنعيمة لا يأبهن بنظافة ولا يعتنين لا بأجساد ولا ملابس صغارهن، بدأت في مراقبة الأطفال كيف ينظفون أجسادهم وثيابهم، وجدت أنهم يذهبون عصر كل يوم إلى ترعة صغيرة خلف الحقول القريبة من حارتنا، يغسلون ثيابهم وينشرونها على الأشجار الموجودة على حافة الترعة، ويسبحون في الماء ريثما تجف ثيابهم، وفي أحايين كثيرة يرتدونها نصف جافة ونصف مبلولة، فكرت أن أشاركهم في مغامراتهم تلك وأنظف جسدي وثيابي مثلهم، ولكني خشيت رذالاتهم وتحرشاتهم بي وهتافهم الذي يزعجني:
…رجب العبيط أهو…رجب العبيط أهو
يتبعونني بها أينما لمحوني بعيدا عن حماية جدتي نعيمة، ويقذفونني بكل وحل وقذر تلتقطه أياديهم الشريرة يلطخون بها جسدي وثوبي، انتظرت حتى انتهوا وغادروا وأصبح المكان لي وحدي، أو هكذا توهمت، اذ أنه بمجرد أن خلعت ثيابي وغسلتها وعلقتها على الشجرة مثلما رأيتهم يفعلون، يبدو أن الملاعين قد شعروا بوجودي وراقبوني حتى وقعت في فخهم، بمجرد أن نزلت إلى الترعة، انتزعوا ثوبي ومرغوه في الوحل وليتهم تركوه بل أخذوه معهم وهم يهتفون:
…العبيط أهه العبيط أهه
وأنا أصرخ وأجعر وقد خرجت من الماء عاريا كيوم ولدتني أمي، أجري خلفهم محاولا استعادة ثوبي، ويتوقف الملاعين ويلقون إلي به، وأحاول ارتداءه بأوساخه التي زادت فوق جسدي الذي نظفه الماء قليلا، وحتى هذه لم يتركني الملاعين أفعلها اذ لاحقوني بجولة أخرى من العذاب أعادت جسدي إلى سيرته الأولى من الأقذار والأوحال قذفوني بها وأنهوا حلمي في قليل من النظافة مثلهم، العجيب أنهم يفعلون كل ذلك على مرأى ومسمع الكثيرين المارين بنا وفيهم بعض من آباء هؤلاء الأشرار الذين يكتفون بزجرات خفيفة غير جادة مصحوبة بضحكات ساخرة من هذا العبيط الذي يعتبرونه لعبة أهداها القدر لشياطينهم المقدسة تلك، والتي قد يقتلون لو خدش غريب او حتى قريب أحدهم بخدش، جل المعارك في حارتنا كانت بسبب هؤلاء الصغار الأشقياء، طفل يضرب طفل فيثور أبو المضروب ويحتك بأبي الضارب ويتحول الأممر لمعركة قد تسيل فيها الدماء ويولد ثأر قد يستمر لسنوات وسنوات.
تأجل حلمي في نظافة جسدي وثوبي ولكنه لم يقتل تماما، ظللت أبحث عن بديل لتلك المغامرة التي لقيت منها سوء العذاب.
كثيرا ما كنت أنقم على أبي وجدتي نعيمة، وقد تركاني وجبة سائغة لكل من أراد أن يتسلى بإهانتي وانتهاك آدميتي، آه يا آدميتي لم أشعر بك يوما، إنني أحسد البهائم في مرابطها وزرائبها وهي تجد الحماية والطعام، وأنا مستباح من الجميع فاقد لحارس أمين وقوتي شحيح ضنين، الآباء والأمهات يخيمون على أبنائهم بكل أنواع الحماية إلا ما يمنعهم الجهل عن إدراكها مثل الصحة والنظافة والتعليم، وأنا مكشوف الظهر لا استطيع حتى الشكوى، الخوف والحرمان شلا لساني المعقود على همهمات غير مفهومة لا توضح ولا تشرح ما بي من أوجاع، هل لهذا السبب..عجزي عن إيصال شكواي…لأبي وجدتي التمس لهما الأعذار أنهما لا يدفعان عني هؤلاء الأوباش؟
لكنهما السبب في خرسي النفسي هذا وقد تركاني فريسة لخوف سيظل مرافقي ما دامت في أنفاس تقول أنني أحيا، لم يعلماني الكلام، لم يشجعانني بأمان يجرأ لساني على الكلام ويداي على دفع الأذى عني، تركاني لعبة في يد أوباش يقدسها أباؤها ويضحكان أنها وجدت تسليتها في إذلالي، ضعفاء فقراء أبناء ضعفاء فقراء فرحوا وقد وجدوا من هو أضعف منهم يسومونه سوء العذاب، لقد وجدت الجديان الصغيرة من ينطح دفاعا وعن حليبها عندما كان الجوع يجبرني على اغتصابه طلبا للحياة، ووجدت القطط الصغيرة من يخمش بعنف كل من يحاول اللعب بها، ما زال جرح يدي عميقا عندما حاولت أن آخذ قطة صغيرة من تحت أمها، عالجتني نعيمة بتراب الفرن دسته في جرحي الذي ما زال يؤلمني ويحذرني أن أعيد الكرة، ليتني ولدت جديا أو قطة ولكني ولدت رجبا وعبيطا.
أنا على يقين أن أبي لا يعرفني، انا أيضا كنت لا أعرفه حتى أشارت إليه جدتي يوما وهو مار بعلقة جماله في حارتنا، علقة الجمال هي جمل ذكر تتبعه ناقتين أنثيين، قابلته بعدها مرات رآني كما يرى أي غريب لم تبد منه إشارة أو حتى نظرة أنه يعرفني، ليس هذا عذرا لكي لا يشملني بعنايته وحمايته، أنا عاجز عن إخباره أنني ابنه وأنني في حاجة إلى حمايته، عليه هو أن يفعل مثلما يفعل كل الآباء، ليس فقره عذرا وليس جهله عذرا فكل الآباء في حارتنا فقراء جهلاء ولكنهم يتنمرون للدفاع عن أبنائهم، يبدو أن أبي لا يعرف عن الحياة والزواج غير أنهما لإفراغ شهوته البهيمية والطعام وإنجاب أطفال يتركها لمصير مجهول، هل فعل ذلك مع أشقائي وشقيقاتي الذين سبقوني للحياة؟ لست أدري، لكنه بالتأكيد فعل، أنا أعرفهم أشارت لي جدتي عليهم، لكنهم مثل أبي لا يعرفون إلا أن لهم أخا اسمه رجب تربيه نعيمة.
في حارتنا كل الحيوات في البيوت متشابهات، يلين بعضها بشطارة بعض الرجال وحنكة بعض النساء ولكن لا تكاد تميز بينها بشيء خارق عن المألوف أو يستدعي الدهشة.
حتى بلغت العاشرة من عمري تقريبا لم أكن أعرف هل أنا مسلم أم مسيحي، في حارتنا بيوت عليها صلبان وأخرى خالية ةبعض الأبواب عليها أهلة مرسومة وفي خارج حارتنا في شوارع الأعيان رأيت على باب الدور رسومات لجمال وسفن و رسمة مربعة قالوا أن اسمها الكعبة ومسجد قالوا أنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وقالوا ان هذه الرسومات هي ليعلم الناس أن صاحب الدار قد حج وأصبح الحاج فلان، بيوت قليلة رأيت عليها رسوما لكنيسة وصلبان قالوا إنها كنيسة في القدس تسمى كنيسة القيامة وأن صاحب الدار قد حج إليها وأصبح المقدس فلان، علمت كل هذا من خلال أذني في حوارات بين الصبية في الحارة وخارجها حوارات بالطبع منعني خرسي النفسي من المشاركة فيها، شاهدت الأطفال في حارتنا يمسكون بألواح من الصاج وريشة وزجاجة صغيرة في سائل أسود أو أزرق أو احمر، تبعتهم وجدتهم يذهبون إلى المسجد، شيء اسمه كتاب الشيخ عليش يتعلمون فيه الكتابة والقرآن، جلست خارج الكتاب استمع لما يقولون ويتعلمون، أريد أن يكون لي لوحا وريشة مثلهم، أريد أن أدخل معهم، حتى في الكتاب كانوا مقسومين قسمين أبناء الأغنياء يجلسون على دكة وأبناء حارتنا على دكة، كيف أخبر نعيمة أن تشتري لي ادوات مثل التي معهم؟ مرة أخرى تئد عقدتي حلمي، سأدخل بلا أدوات أنه شيخ وطيب ويعلم كلام الله، في اليومين الذين جلست فيهما بجوار النافذة حفظت بعض الحرف الأبجدية حفظت سورة الفاتحة والإخلاص، أرددهما..في سري بالطبع.. افضل ما يفعل كل الصبية أجمعين فقرائهم وأغنيائهم، آه لو سمح لي بالدخول، ولماذا لا يسمح؟ جرأني ما تعلمته وما حفظته، وبخطوات مترددة اقتربت من باب الكتاب، وما أن لمحني أوباش حارتنا حتى استقبلوني بهتافاتهم المعتادة
…العبيط أهه رجب العبيط أهه
ورآني الشيخ عليش، وقام من مجلسه، ظننته سيوبخ هؤلاء الأشرار على إهانتهم لي ويأخذ بيدي ويجلسني بجواره ويعلمني، ولكنني فوجئت به يقول لي بلهجة ذبحتني:
..امشي من هنا يا معفن انت..ناقصة عبط هيا
ومشيت كما أمرني الشيخ معلم القرآن، واكتفيت بالجلوس خارج المسجد أسفل النافذة أسمع واتعلم وأحفظ، كنت أيضا أسمع خطبة الجمعة كل أسبوع، حفظت سورا كثيرة وآيات كثيرة، حفظت خطبا كاملة، كنت أعيدها وأكررها بيني وبيني نفسي، وعيت كثيرا من المعاني، رتلت القرآن في خلوات اختلستها من أعين المتربصين بي، ازعم أن صوتي أجمل من كل أصوات المشايخ التي سمعتها.
كنت أذهب إلى الكنيسة أيضا أيام الآحاد والجمع، هناك شي اسمه مدرسة الأحد يذهب إليها أطفال حارتنا، مثلما يذهب البعض الآخر إلى الكتاب، منعتني تجربتي مع الشيخ عليش أن أحاول الدخول، اكتفيت بالجلوس أسفل النافذة استمع واتعلم وأحفظ، حفظت كثيرا من الآيات والمواعظ المسيحية، علمت أن الله محبة، تعلمت الصفح وأن من صفعك على خدك الأيسر اعطه خدك الأيمن تعلمت في المسجد والكنيسة تعلمت وسمعت، سمعت فقط ،كل الحكم والمواعظ ولكني لم أر في حياتي بين الناس شيئا مما سمعت، ولكنني ظللت أسمع وأراقب.
لا تتعجبوا إن قلت لكم أنني حتى بعد تجاربي تلك لم أكن أعلم هل أنا مسلم أم مسيحي، بيت نعيمة لم يكن عليه هلال أو صليب ولا رسمة كعبة أو كنيسة، لم أر نعيمة تصلي أبدا، كما لم أر احدا في حارتنا كلها يصلي، في بيت نعيمة لم أر مصحفا، سمعتها تحلف به فقط ولكنني سمعتها أيضا هي وكل نساء الحارة يحلفن بالمصحف والإنجيل وبالنبي والمسيح أيضا، فأنى لي أن أعرف؟ لم يعلمني أحد، اعتقدت أن الفقراء لا يصلون، يكفيهم ما يحيونه من حرمان، لن يعذبهم الله في الآخرة وقد لقوا في الحياة ما يكفي، ربما يعتقدون ذلك، ربما يرون بيوتهم العفنة الرائحة التي يملأ روث الطيور ونجاسة الماشية كل ركن فيها حتى الفرش البالية التي ترقد عليها أجسادهم، ربما يرونها غير لائقة أن تقام فيها الصلوات أو يقتنوا فيها مصحفا أو إنجيلا، فأين نصلي وفي أي مكان نحفظ كتبنا المقدسة التي فيها كلام الله؟
كلام الله يردده الجميع في حارتنا ولكنني لا أراه في أفعالهم، لا أحد في حارتنا يصالح الله إلا في صناديق الانتخابات أو في أي فتنة يكون طرفها مسلم ومسيحي، هنا يهب الجميع وكأنه وجد إلهه في خطر يحتاج منه النجدة والمعونة، فيهب من ثباته شاحذا كل أسلحته، لا تتعجبوا من كلامي لا تتهموني أنتم الآخرون بالعته والجنون، إنها الحقيقة، أغلب الذين ينتخبون الرجل السني في حارتنا هم من الجهلاء العصاة لا يصلون ولا يصومون ولا يزكون ولكنهم ينتخبون رجل الله هكذا يتوهمون يصالحون الله بأصواتهم،يظنونها كفيلة بغفران خطاياهم، المسيحيون يثورون إن أسلمت فتاة وتزوجت من مسلم، لا يفعلون ذلك إن أسلم شاب، ليست مسألة دين أو عقيدة أكثر منها مسألة شرف وعرض ومعايرات جاهلة بين طرفين جاهلين، أكثر المتحمسين ساعتها شباب لا يعرفون للكنيسة أو المسجد بابا، لكنهم يعتبرونها أيضا مصالحة للرب وغفرانا للخطايا، ما أكثر الجرائم التي ترتكب باسم الرب ودفاعا عن الرب.
لم تحمني الآيات والمواعظ التي وعيتها وحفظتها من فترات جلوسي الطويلة، بجوار المسجد والكنيسة من أن أمارس رغم طفولتي بعض الجرائم الصغيرة، كنت أراقب دجاجات النسوة جارات نعيمة، عندما كن يغبن عن مراقبتهن الدقيقة، عرفت أماكن بيضها، في أكنان مجهولة بالنسبة لصاحباتها، كنت اختلس لنفسي بيضة أو بيضتان، أجري بهما على نعيمة فتسلقهما لي ونتشارك في وجبة طرية قلما توافرت لنا، لم تسألني نعيمة ولا مرة من أين أتيت بهذا البيض، بالتأكيد هي تعرف، وبالتأكيد مثلما بررتها أنا لنفسي بدافع الجوع والحرمان، وما ترتب عليهما من نزعة حقد سيطرت على كل جوارحي، وضاعف هذه الأحقاد ما عانيته من إهانة وإذلال أبناء تلك النسوة لي وصمتهن هن عن ذلك، بالتأكيد بررت نعيمة الأمر لنفسها كذلك، فلم تسألني، ظللت أمارس تلك السرقات الصغيرة حتى كان يوم أطمعتني نفسي فسرقت عشر بيضات مرة واحدة، كنت خائفا مرعوبا أن تضبطني امرأة أو صبي فتكون فضيحتي بجلاجل وأصبح رجب الحرامي بدلا من رجب العبيط، كان ذلك اللقب وحده كفيلا أن يقتلني، يبدو أنني ورثت الإنفة والكرامة من جينات أجدادي، يحكي الناس عنهم ذلك ، من فرط توتري تعثرت وسقطت و تكسر البيض وجرحت قدمي جرحا لم يندمل إلا بعد فترة طويلة، هذة الواقعة اعتبرتها عقوبة من الله وتحذيرا لي أن ما أفعله حرام فتوقفت عن تلك الجريمة، علمني الله ما لم يعلمني البشر، أنا أهون من يرتكب جرائم، جوعي وضعفي دفعاني لذلك، الناس في حارتنا يرتكبون كل أنواع الخطايا، حتى الكبائر لا يتورعون عن ارتكابها، تأتيهم من الله إنذارت كثيرة فلا ينتبهون، أنا فطرتي التي لم تلوثها أخلاقهم، ردعتني عند أول سقطة فتنبهت وتوقفت، رجب العبيط علم ما لم يعلمه العقلاء، تنبه لحكمة ربه تنبه أنه لم يكن سقوطا عبثيا، بل كان إشارة إلهية لنفس أراد الله لها أن تبقى نقية.
كنت رغم حرماني وقلة طعامي قد أكسبتني الحياة جسدا قويا يستطيع القيام بالعمل وأكثر إتقانا وقدرة ممن هم في نفس سني، أسبغت علي الحياة أخيرا بشيء يميزني عن أقراني، لفت ذلك أنظار مقاولي أنفار نقاوة الدودة والحشائش وجني القطن، أصبحت واحدا من الصبية التي يمر المقاول على بيوتهم قبل أن تشرق الشمس ويصطحبهم معه إلى الحقول، أصبح اسمي يكتب في كشوف الأنفار، رجب عبد الصبور الجمال، أخيرا عرفت اسم أبي ولقبه، نعم لم أكن أعرف قبل ذلك، كنت أعمل أكثر مما يعمل غيري بل ربما أضعاف ما يعمل، ورغم ذلك كان المقاول يعطني نصف ما يعطيهم وربما أقل، كان يعطيني عشرة قروش ويعطي غير ريالا كاملا أو ربع جنيه، حتى في الأعمال التي يكون المقابل فيه حسب الوزن مثل جني القطن، كان يعطي ضميره إجازة، عندما يزن قطمتي أنا، القطمة هي الجوال الذي كنا نجني فيه القطن، دائما يقيد لي نصف الوزن ليحرمني نصف الأجر، عرفت ذلك من مقارنتي ما أجنيه مما يجنيه غيري، ورغم وضوح الفارق لصالحي إلا أن أجور الجميع أضعاف أجري، يستغل المقاول صمتي وخرسي ويطمئن إلى عبطي، أنا متأكد أنه يحاسب صاحب الأرض عن أجر كامل لي، ثم يغتصب نصفه لنفسه.
وأصابتني الجينات المصرية الأصيلة، ووجدتني بغير أن أدري صاحب حلم، حلم بدا لي عظيما، وبالطبع لو حكيته لأحد لبدا له عبيطا، حلمت أن تكون لي عنز لكن ليست عجوز كعنز نعيمة التي نفقت ولكن عنز شابة ولود والعنز تلد في السنة مرتين وفي السنة التي بعدها يلد إنتاجها وهكذا حتى يصبح عند أكبر قطيع من الماعز، بدأت من يوم عملي الأول أردد كلمات سمعتها عن فائدة الادخار وعن قرش أسود ينفع في يوم أبيض، قررت أن أفعل مثل الجميع، رغم ظلم المقاول لي لم انقطع عن العمل معه، تغريني العشرة قروش التي تقربني من حلمي وكذلك الوجبة التي يوفرها لي ذلك العمل، كنت حريصا أن يكون لي مخبأ أخبيء فيه حلمي بعيدا عن نعيمة، للأمانة هي لم تسألني أبدا عن أجري، ربما لعزة نفسها التي تمنعها عن التمتع بعرق يتيم ابنتها، وربما لأنها لا تستوعب أن يكون لعبيط مثلي أجر، أو ربما لا تعلم أين أذهب كل صباح، ومن الممكن أن تكون وجبة طعامي في العمل التي توافرت لي قد أراحتها من بكائي اليومي طالبا الأكل، أقول ربما.
ما زالت مشكلة نظافة جسدي وثيابي تعكر علي حياتي القاسية، أكثر مما هي عليه من ذل وهوان وحرمان، معضلتي الأكبر أصبحت كيف أقضي حاجتي، لم أعد طفلا يفعلها في أي مكان وزمان عن له أن يفعلها، واقفا راقدا جالسا وحتى نائما، كنت أفعلها مثلما تفعلها الماعز والأبقار والحمير، حتى عرفت أن البشر يختلفون وأن عليهم أن ينظفوا نفسهم من آثار إخراجهم بولهم وبرازهم بالماء أو حتى بالتراب أو بقطعة من الورق إن لم يجدوا الماء، نعيمة كانت تفعلها في كنيف بيتها، حاولت أن أشاركها فيه وأقضي حاجتي آمنا، منعتني نعيمة، معها حق، تنظيف الكنيف الصغير الذي يمتلأ سريعا أصبح مرهقا لها، تحاول أن يكون تنظيفه من المخلفات مرة كل أسبوع لو شاركتها أنا لاضطرت لذلك مرتين أو حتى ثلاث في الأسبوع، لم تعد صحتها تسعفها، هي تتسلل خفية في جنح الليل وتلقي بسطل المخلفات في الترعة لم تكن وحدها من تفعل كل نساء حارتنا يفعلن ذلك، الحمامات لم نعرفها بعد في بيوتنا، رأيناها في الجامع والكنيسة وبعض بيوت الأعيان، بيوت الأعيان التي ما زالت تعتمد على الكنيف لديها خدم يفرغون كنائفها، أما الفقراء فلا يشيل برازهم إلا هم، في المرة الأخيرة التي رأتني فيها نعيمة أحتل كنيفها عنفتني تعنيفا شديدا ولكزتني بعنف على ظهري، أوجعتني الملعونة، هل ما زال فيها عصب تلك العجوز الناشفة حتى تقوى على غرس عظامها في لحمي محدثة كل ذلك الألم الذي جعلني أحرم الاقتراب من كنيفها الملعون، فقط علي أن اتحمل روائحه العفنة المنتشرة في كل شبر من بيتها الضيق، ولا حق لي في الاستمتاع الآمن بالتخلص من فضلاتي فيه، سمعتها تقول:
…انت بقيت كبير أهه..راجل اعملها برة زي كل الرجالة والعيال اللي زيك
الرجال يفعلونها في الخلاء، في أي مكان عن لهم أن يفعلونها فيه، لا يمنعهم أحد، أسفل شجرة نائية أسفل نخلة بجوار مجرى، بجوار الحائط الخلفي لحديقة الحاج كامل الحلبي، كثيرا ما رأيت عدد من الرجال يقرفصون بجوار بعضهم البعض، يتبادلون الأحاديث وهم يخرجون فضلاتهم، أشعر أنهم يستمتعون بالحديث وهم يفعلونها، يقومون ثم يظهر صف من برازهم الطري المختلط ببولهم وبراز أخر جاف أخرجوه في أيام سابقة، بالطبع لم أجرؤ على مشاركتهم في ذلك، رأيت رجال صاحب الحديقة يوما متجهين ناحيتهم، ظننت أنهم سيعنفونهم لفعلتهم ذلك بجوار الحائط، لكني فوجئت بهم يجمعون ذلك البراز في أجولة ويلقونه على رؤوس حقولهم، يقولون أنه أفضل أنواع السباخ، كدت أتقيأ وأنا اتخيل نفسي آكل مما تنتجه أرض سباخها من براز هؤلاء، كان صبية حارتنا الذين هم في سني يفعلون مثلما يفعل آباؤهم، بالطبع لم أقدم على مغامرة مشاركتهم، يرعبني تفكيري فيما سيفعلونه بي، بدأت اتحين الفرص لأجد مكانا خاليا من هؤلاء الشياطين وآبائهم وأفعل مثلما يفعلون وأريح نفسي، واستمر الأمر مستورا معي حتى كان يوم، انتهيت من الأمر وبدأت أنظف نفسي بالتراب، وفجأة ظهر سرب من شياطين حارتنا يهتفون:
…العبيط أهه…رجب أبو شخة أهه
وأسقطوني بجسدي وثيابي فوق برازي وتركوني أبكي وأجعر وأحاول أن أفرك بالتراب ما علق بي ولكن هيهات أن أكون نظيفا ما زالت ثيابي ملوثة ما زال ثوبي قذرا ما زالت رائحتي تزكم أنفي، ما زالت أدنى احتياجات آدميتي تحتاج في كل مرة إلى مغامرة غير محمودة العواقب، بقيت بعد ذلك انتظر ستر الليل وأفعلها بحوار حائط حديقة الحاج كامل آمنا، أظل اليوم كله أحاول منعها وأفعلها ليلا، أنجو من عواء الكلاب يوما أو بعض يوما وأفر هاربا منها في معظم الأيام، الكلاب كانت أرحم بي من البشر يكتفون بطردي من مكاني إن ضبطوني ولكن لا تصل بهم القسوة لإسقاطي فوق برازي، حدث ذلك في أيامي الأولى من مغامرتي الليلية تلك، بمرور الأيام بدأت الكلاب تتعرفني، صاحبتني، اعتادت وجودي بينها لم تعد تعوي علي، وبدأت أقضي حاجتي بينها آمنا.
أنا الآن في الرابعة عشرة من عمري، ما زلت أقيم في دار نعيمة، ما زلت أخرج مع الصبية لنقاوة الدودة والحشائش وجني القطن والصيفة، ما زال المقاول يسرق جهدي وعرقي، ما زال الصبية يتحرشون بي ويسرقون مني ما أجمعه من صيفة القطن والقمح ويضربونني ويتبعونني بهتافاتهم المأثورة:
…العبيط أهه…العبيط أهه
ما زال لساني حبيس حلقي، ما زال صوتي لا يسمعه سواي وما زلت أجلس بجوار النافذة في المسجد والكنيسة أسمع آيات أولئك ومواعظ هؤلاء، أسمعها وأحفظها وأرددها بيني وبين نفسي في صمت، لا يتحول ترديدي لها إلى صوت مسموع إلا عندما أخلو لنفسي في مكان آمن من عبث الصبية، ساعتها ينطلق لساني من عقاله مرددا آيات الله ومواعظه تسمعني أذني وجدران البيوت الخلفية التي تأويني وقد تسمعني تلك الكلاب الضالة التي صارت أنيستي في ليالي الطويلة، صرت أأمن إليها وأشعر أنها أرحم بي من كل من عرفتهم من بني الإنسان.
وفي ذات يوم وأنا جالس أسفل نافذة الكتاب في مسجد منطقتنا أسمع ما يحفظه الصبية وأردده معهم وأحفظه، رأيت الناس قد بدأوا يتوافدون على المسجد، بعضهم يأتي من بيته متوضيا فيدخل مباشرة إلى ساحة الصلاة، والبعض يستخدم دورة مياه المسجد ثم إلى ميضة المسجد ثم إلى ساحة الصلاة، عاودني حلمي القديم في نظافة جسدي وثوبي، أمامي حمام المسجد وصنابيره الكثيرة، سانتهز فرصة انشغالهم بالصلاة، في لحظة الإقامة تماما، هرولت إلى حمامات المسجد كانت جميعها خالية، اخترت أبعدها عن الباب، وأسرعت بخلع ثيابي، غسلتها بسرعة غسلت جسدي، أوشكت مهمتي على الانتهاء بنجاح، كنت سعيدا جدا، لم تنته الأربع ركعات بعد ما زال لدي بعض الوقت لاستمتع فيه بذلك الماء العذب المنساب من الصنبور، لكن ما هذا؟ طرقات على باب الحمام وصوت غليظ أجش:
…إطلع برة الحمام يا رجب يا عبيط يا نجس يا ابن ال…
كيف عرف أنني رجب؟ يبدو أنه يراقبني، كيف، ألم تشغله الصلاة عني، ثم هل ترك الركعة الأخيرة وأضاع صلاته، ليقتل فرحتي بأول نظافة حقيقية في حياتي؟ عليك اللعنة أيها الرجل، أعلم أنك لا تصلي ولو صليت فإنك تصلي بغير وضوء وأعلم أنك تسرق صندوق التبرعات في المسجد، سمعت الناس يرددون ذلك، سمعتهم أيضا يقولون أن عمك قد أضاع ثواب بنائه لهذا المسجد عندما توسط لك عند الأوقاف وعينك مقيما للشعائر، وانت لا تحفظ حتى قصار السور لا تعرف كيف تتوضأ لا تعرف حتى كيف تؤذن، لعنة الله عليك وعلى عمك، اتركني في حالي، لكنه لم يتركني في حالي وفتح علي الباب، كنت ما زلت عاريا، نظر إلي الشيخ لطفي مقيم الشعائر نظرة غريبة، كان الماء قد كشف عن بياض جسدي وطرواته، يبدو أنني أصبحت حلوا في نظر ذلك الشيطان، وأنه يريد العبث بي، سمعت أنه يفعلها مع بعض الصبية من سني، توقفت شتائمه لي وبلهجة حاول أن تبدو حانية سألني:
…طيب يا رجب لما انت عايز تستحم مش كنت تقولي
تأكدت من غرضه لما رأيته يتحسس جسدي باشتهاء، لجأت إلى سلاحي الوحيد الذي أملكه بدأت في الصراخ والعويل، حتى يسمعني كل من في المسجد والشارع حتى أفلت من هذا اللعين، ما أن علت صرخاتي حتى عاد الشيخ لطفي سيرته الأولى قي الشتم والسب واللعن وأمسكني من رقبتي وأخرجني إلى الشارع عاريا ومرغ ثيابي التي غسلتها في الوحل، وليته اكتفى بذلك بل أغرى بي الصبية ليشهروا بي ويفضحوني ويقذفوني بكل أوحال تطالها أيديهم الشريرة اذا قال لهم وهم يتحلقون حولي:
…ابن الكلب ده نجس الحمام بتاع الجامع
ولم يكد ينتهي من كلماته حتى صرت حفلة لهؤلاء الملاعين، أجري ويجرون خلفي، لم يجعلوني ارتدي ملابسي جابوا بي شوارع وحواري المنطقة، منعوني من دخول حارتنا بالذات حتى يطول استمتاعهم بإهانتي، من حاول أن ينقذني منهم أخبروه أنني نجست الجامع فيتركني لهم، أحسست أنها حفلة بلا نهاية، لولا أن ظهر الحاج صالح شقيق الحاج نعمان الذي يعمل عنده أبي، صرخ فيهم ففروا من أمامه مرعوبين، هدأ الرجل من روعي أعطاني الشال الذي يرتديه، داريت به عورتي، اصطحبني الرجل إلى بيته، أمر زوجته قائلا:
…هاتي جلابية جديدة من بتوعي يا أم حسن وهاتي لرجب يتعشى
فأجابته المرأة الطيبة:
…حاضر يا أخويا حاضر
جلباب جديد وعشاء فاخر من اللحم والطبيخ لرجب، وأين؟ في بيت الحاج صالح عين أعيان البلد يا لفرحتك يا رجب، وارتديت الجلباب، ولم يسترد الحاج صالح شاله، أهداه لي، ضمنت غطاء جيدا في ليالي الشتاء، تعشيت وشربت الشاي وأعطاني الحاج صالح حنيها كاملا، دسسته إلى كنزي المخبوء وأنا أشعر أن حلمي يقترب.
خرجت من منزل الحاج صالح، رغم أن جسدي ما زال كما هو بكل قذره ونتنه وأدرانه و طبقة الطين السميكة التي تغطي جلدي، إلا أن الجلباب الصوفي المخطط النظيف الذي أعطانيه الحاج صالح والشال الكشمير الثقيل المصنوع من أجود أنواع الصوف، قد غير من هيئتي تماما، لم يتعرفني أحد، فقد أخفيت معظم وجهي بجزء من الشال، مشيت متمايلا مختالا مثلما كنت أرى الأعيان يمشون، لم ينتبه أحد لأقدامي الحافية، ساعدني طول الجلباب في إخفائها عن العيون، رفعت يدي بالسلام لكل من مررت بهم، رد الجميع علي باحترام، وتفضل يا حاج، وتفضل يا عمدة وأنا أسرع الخطا حتى لا يدقق أحد في ويعرفني، كانت ستبقى ليلة سوداء لو تعرفني أحد، خاصة أولئك الأراذل الذي يتحرشون بي أينما حللت، ربما أخذوا مني الشال، وملأوا ثوبي بالأوحال، ربما اتهموني بسرقته، أنى لي أن أنادي على الحاج صالح ليبرئني وينقذني، وصوتي محبوس ولساني معقود؟ الحمد لله وصلت بيت نعيمة بسلام، طرقت الباب، فتحت لي لم تتعرفني للوهلة الأولى ظنتني غريبا أخطأ الطريق، لولا همهماتي المبهمة التي تعرفها جيدا وكشفي عن وجهي الذي جعلها تشهق في دهشة، بالطبع لم تسألني من أين لي هذا، وحتى لو سألتني فأنى لي أن أخبرها وما زالت مأساة خرسي تصاحبني؟
نمت الليلة هانئا كما لم أنم من قبل، أشعرني دفء الجلباب والشال بسعادة وراحة أعجز عن وصفهما، ولكن في الصباح وجدتني قد فقدت نصف ثروتي الجديدة وكل سعادتي لم أجد الشال فوق رأسي، لم أسأل عنه نعيمه هي من أخذته بالتأكيد، صدق حدسي لما وجدتها تفرشه فوق حرامها الصوفي البالي المهترئ، أه أيتها العجوز اللعينة تبحثين عن الدفء أنت الأخرى، لا ألومك أنك قد تقاسمت معي عطية الحاج صالح كنت سأفعل ذلك من تلقاء نفسي، ألومك أنك لم تطلبيه مني ولكنك سلبتيه، ألذ الأخذ مت سلب، هل تطبقين هذه القاعدة، أم شعورك أنك تملكين رجب ربيبك اليتيم جعلك لا تلقين بالا لردة فعلي، معك حق منذ متى و لي ردة منذ متى يأبه بي أو لي أحد، منذ متى اعترض أو أشكو؟
الحمد لله أنني لا أخبئ كنزي في دارك، كنت ستسلبيه في صمت كما فعلت بشالي، كنت تركتيه لي بضعة أيام أهنأ به واستمتع بدفئه، أم أنك كنت تعلمين مصيره لو رأه الصبية فوق رأسي، نعم تعرفين فإما أن يمرغوه في الوحل وإما يسلبوني إياه، معك أفضل يا جدتي معك أفضل، أما جلبابي فيومين فقط ثم أصبح مصيره كمصير سابقه وحلا وقذرا ونتنا، حتى أن الحاج صالح قابلني ولم يتعرف عليه اذ أنه سألني:
…أمال فين الجلبية اللي اديتهالك يا ولدي مين خدها منك؟
وبالطبع أجابه صمتي الذي لم تجرحه سوى همهماتي المبهمة التي لا تغني ولا تسمن من جوع، فأشاح الرجل بيده وتركني ومضى حزينا على حالي.
اليتيم(١٤)
وجاء اليوم الذي عرفت فيه أخيرا أنني مسلم، ويا له من يوم، فيه كنت جالسا كعادتي أسفل نافذة الكنيسة استمع إلى بعض الترانيم، كنت أعشقها كما أعشق التلاوات القرأنية تماما، أدخل في حالة غريبة من النشوة، أركز في الكلمات أحاول إدراك المعاني، كانت الخطب والمعاني تساعدني كثيرا في ذلك الأمر، تحمل عقلي بكثير من الوعي، لولا خرسي لصرت في الناس واعظا وهاديا، كثيرا ما تخيلتني أسير محاولا إصلاح هؤلاء البشر وهدايتهم، قد لا تصدقون ذلك، ولكنها الحقيقة، الله حبا ذلك الذي تظنونه معتوها ذاكرة لاقطة وعقلا له قدرة غير عادية على تحليل كل ما مر به وأمامه من تجارب، بل لا أبالغ في القول إن قلت بقدرتي على تشريح النفس البشرية من لحظتي الأولى في التعامل معها أو الاحتكاك بها أو حتى تحرشها بي، ولكن ما فائدة كل ذلك وأنا مازلت أسير خرسي وإرادتي العاجزة؟
لاحظت أثناء جلستي أن في الكنيسة أيضا حمامات وصنابير كثيرة مثل المسجد، عاودني حلمي القديم في إجلاء القذارات والطين عن جسدي، أرعبتي تجربتي المؤلمة مع مقيم شعائر المسجد، جعلتي أفكر ألف مرة قبل أن أقدم على مغامرة جديدة، كنت أسمع أن جرجس خادم الكنيسة رجل خير، وأن الناس يمدحون أخلاقه، لم يذكر أحد أنه عين في الكنيسة بواسطة أو أنه قريب القمص فلان أو القس علان، لم تلك الألسنة سيرته أنه سرق صندوق نذور الكنيسة أو طلب عطية أو تبرعا من أحد، عمي زناتي أيضا غفير الكنيسة ببندقيته العتيقة يبدو رجلا بشوشا لا يخيف، لست أدري أصلا لماذا وضعته الحكومة حارسا على الكنيسة، في بلادنا يخاف الناس أن يعتدوا على رجال ينتسبون لهذا الدين أو ذاك كرجال لله، فهل يعتدون على بيوت الله؟
الطينة التي تنبت الزروع التي يتناولها المصريون طينة واحدة الدماء التي تجري في عروقهم تتغذى على منابع ومصادر واحدة، اتحدى أن تحدد ديانة مصري من خلال شكله أو ملبسه أو فصيلة دمه أو طريقة زرعه أو طريقة طبخ زوجته أو طعم طبيخها أو حتى طريقة حياته نفسها، الجميع يتشابهون، الجميع يمرضون بنفس الأمراض يموتون بنفس الأسباب يحزنون بطريقة واحدة، تتساوى أيام الحداد عندهم في عددها، السبوع والخمستاشر والأربعين والطلعة على الأموات في القرافة الجميع يطلعون، يختلفون فقط في المكان الذي يناجون فيه الله، هذا يذهب إلى الكنيسة وهذا يذهب إلى المسجد، آفة مجتمعنا كله في التاريخ الذي ابتليت به ذاكراتنا والماضي الذي يتحكم تماما في حاضرنا ومستقبلنا، ما زال من في القبور يحكموننا، يحددون خط سيرنا، كلمات الآباء والأجداد عندنا أكثر تقديسا، ربما من كلام الله المحفوظ في كتبه، صرنا نحفظ كلمات الجدود والآباء ونعمل بها ونحفظ كلام الله ونتركه، إلى كلمات بشر خطائين مثلنا، هل لو كان اجدادنا ساروا على الدرب الصحيح هل كنا صرنا إلى ما نحن عليه؟ كل الأمم سبقتنا لأنها تخلصت من تابوهات ومقدسات وموروثات باليه عفى عليها الزمن، أما نحن فتمسكنا بكل بال متهاتر وقدسناه وسرنا على درب الأجداد فكان تطورنا ردة إلى الوراء، أسمع الشيخ في خطبة الجمعة يحكي تاريخ المعارك والفتوحات يمجد القواد والمقاتلين وأنهم هزموا الروم والفرس وأن سيف الواحد منهم كان بألف، وهل هذا زمان السيف يا مولانا؟ أنت تدعو على الكفار في مكبر صوت، لو ما صنعه لك الكفار لما وصل صوتك عنان السماء ولما سمعك من هم أبعد منك بمتر، ستقول إنها بدعة يمكن الاستغناء عنها لو أن كافرا هو الذي اخترعها، ولو منعتها الحكومة أو حاولت أن تجعلك تخفف الصوت قليلا لاتهمتها بالكفر البواح وأنها تمنع كلام الله، أن يصل لأبعد مدى، ساعتك يا مولانا التي تعرف بها مواعيد صلواتك صنعت في بلاد الكفر، أنسولينك الذي يعالج دماءك من السكر، كافر من ألهمه الله بسره، تدعو الله أن ينصرك على الكفار وأنت تستورد سلاحك منهم، أم أنك ما زلت تحلم أن ينتصر سيفك على صاروخهم؟
على الجانب الآخر،يا آبانا الذي في الكنيسة لماذا تحكون للصغار تاريخ تقولون فيه أن أجدادهم اضطهدوا وقتلوا، لماذا تخوفونهم دائما وأبدا من ذلك الإرهابي المتربص بهم، لماذا تجمعون الكل في وعاء واحد يخطئ جاهل في أقصى أقصى الأرض تقول بطاقته أنه مسلم فتنسبون خطيئته لكل مسلم، لماذا لا ننسى التاريخ لماذا نعيش في الماضي لماذا يحكمنا من في القبور؟
ألا ليت علماء الأرض يبتكرون لنا دواء يمحون به من ذاكراتنا كل شر، ألا ليت تكون إنسانيتنا قبل كل دين
يا مولانا ويا صاحب القداسة، ادعوا لنا ربكما أن يجعل الواحد منا ينتصر لدينه على نفسه أولا قبل أن يحاول أن ينصره على نفوس وأديان الآخرين.
وطمأنني الكلام الذي سمعته عن جرجس وما أعرفه من طيبة عمي زناتي أن أحقق حلمي في النظافة من خلال حمام الكنيسة وبين الإقدام والإحجام، دخلت الكنيسة وما أن وضعت يدي على مقبض باب الحمام حتى وجدت يدا غليظة فوق يدي، واصطدمت بوجه جرجس السمين، كدت استخدم سلاحي الوحيد في الصراخ والجعير، لولا أنني وجدت أن حرجس لم يمد يده علي ولم يسبني مثلما فعل الشيخ لطفي، بل وجدته يطبطب على ظهري، ويهدىء من روعي ويقول:
…متخافش متخافش..بس قولي دخلت الكنيسة تعمل إيه؟
وجاوبه صمتي وهمهماتي، كنت قد أملت أنه سيسمح لي باستخدام الحمام لما رأيت هدوء معاملته لي، عجزت إشاراتي وهمهماتي أن تشرح له موقفي أو تحدد له مطلبي، أخذني من يدي وأسلمني إلى عمي زناتي الخفير، كم خدعت فيك يا زناتي لقد صفعني الملعون صفعة قاسية على قفايا وهو يقول لي:
…انت ما حرمتش يا عبيط من اللي حصل فيك في الجامع جاي تنجس الكنيسة كمان.
ويلمح بعض الصبية الذي طالما تحرشوا بي وساموني سوء العذاب، جرجس وهو يسلمني إلى زناتي ورأوا زناتي وهو يصفعني تلك الصفعة القاسية، ويا للعجب،ثار هؤلاء الملاعين من أجلي أصبحت ذا شأن عندهم كيف يجرؤ ذلك المسيحي على طردي من الكنيسة والإمساك بي بهذه الطريقة المهينة وأنا المسلم الموحد بالله، ثم كيف يساند زناتي ذلك الكافر فيصفعني تلك الصفعة الشديدة، إن زناتي فاسق يعين الكافرين على أبناء دينه، وينهال السباب والشتائم على جرجس وزناتي وكل آباء الكنيسة بل وكل المسيحيين في الأرض قاطبة، وتقذف جدران الكنيسة وحوائطها بالطوب والأوحال وروث البهائم ويكادوا يفتكون بجرجس وزناتي لولا أن بندقية زناتي العتيقة قد رفعت في وجوههم وأطلقت طلقة في الهواء، وتصدر مشهد الثائرين من أجلي الشيخ لطفي؟
يا ملعون جرجس وزناتي لم يفعلا بي شيئا مما فعلت ألم تطردني أنت من المسجد ألم تسلمني لهؤلاء الأوباش الذي تقودهم الآن دفاعا عني؟
ما الغاية الدنيئة التي تحاول أنت وهؤلاء الوصول إليها بحجة دفاعكم عني، هل أصبحت فجأة إنسان ذا قيمة هل حقيقة أن عقيدتكم تأمركم بذلك أم أنها دناءتكم جعلتكم تحاولون إظهار ضعف الآخر بحجة دفاعكم عن مسلم بركة مثلي أنتم تستغلون الموقف لتظهروا في مظهر حامين حمى الإسلام والله يعلم أن الإسلام منكم بريء، أنا الآن بركة ولست نجسا يا شيخ لطفي؟
وحضر أبي وأشقائي، تبرع أبناء الحلال بإخبارهم بأن ابنهم وقرة عينهم رجب تعرض للاعتداء من قبل جرجس المسيحي الكافر، وجاءوا مهرولين ثائرين مطالبين بحقي، هل أصبحت ابنكم فجأة، ألم تكونوا تعلمون ما يحدث لي كل يوم بل كل ساعة، وتتطور الأمور أكثر وأكثر وتشتعل الفتنة أكثر وأكثر وتوشك الدماء أن تسيل والمعلومة الوحيدة التي استفدتها في ذلك اليوم المشؤوم أنني عرفت فيه أنني مسلم وأن هناك من هو أضعف مني ليس لعلاته الشخصية ولكن لأنه يعتنق دين آخر، شيء آخر أدركته في هذا اليوم أن هناك نارا تحت الرماد في علاقة المصريين ببعضهم هذه النار يكفي لاحيائها وإشعالها كلمة صغيرة من شيطان أو جاهل.