فَاجَأَهَا أَلَمٌ كَبِيرٌ، اِهْتَزَّ لَهُ كُلُّ جَسَدِهَا، أَلَمٌ مُوجِعٌ. وَجَعٌ جَعَلَهَا تَصْرُخُ بِأَعْلَى الصَّوْتِ. إِنَّهُ الْمَخَاضُ.
تَتَوَجَّعُ. يَعْتَصِرُهَا الْأَلَمُ حَتَّى الذَّوَبَانِ. ثُمَّ تَنْتَابُهَا لَحَظَاتٌ مِنَ الرَّاحَةِ فَتَسْتَكِينُ. وَمَا بَيْنَ الْأَلَمِ وَالرَّاحَةِ، تَتَمَزَّقُ رُوحُهَا. لَكِنَّهَا تُقَاوِمُ وَتَتَنَفَّسُ، وَتَتَشَبَّثُ بِالْحَيَاةِ، تَرْفَعُ نَظَرَهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَتَرَى الشَّمْسَ فِي الْأُفُقِ الْبَعِيدِ. تَشْعُرُ بِالْقُوَّةِ تَسْرِي فِي جَسَدِهَا، وَسُرْعَانَ مَا تَتَلَبَّدُ الْغُيُومُ مَرَّةً أُخْرَى أَمَامَ عَيْنَيْهَا، وَيَغِيبُ الضَّوْءُ عَنْ سَمَائِهَا، فَيَعُودُ الْألَمُ مِنْ جَدِيدٍ. تُطْرِقُ. تَعَضُّ أَصَابِعَهَا وَجَعـًا. وَيَبْلُغُ الْألَمُ مُنْتَهَاهُ فَتَصِيحُ مُسْتَغِيثَةً: “رَبَّاهْ”، بَاذِلَةً أَقْصَى مَا لَدَيْهَا لِتَنْتَصِرَ عَلَى الْوَجَعِ، وَتَسْتَمِيتُ حَتَّى الْخَلَاصِ.
وَأَخِيرًا، تَنَفَّسَتِ الصُّعَدَاءَ، جَاءَهَا الْفَرَجُ، أَنْجَبَتِ الْحُلْمَ الْمَوُعُودَ، رَأَى مَولُودُهَا النُّورَ. هَلَّلَ الْجَمِيعُ فَرَحًا بِهِ وَتَحَلَّقَ حَوْلَهُ أُنَاسٌ كَثِيرُونَ. مِنْ كُلِّ الْعَالَمِ، جَاؤُوا يُصَوِّرُونَ مَوْلُودَهَا، وَتَحَدَّثُوا عَنْهُ فِي كُلِّ وَسَائِلِ الْإِعْلَامِ. لَكِنَّهَا لَمْ تَرَهُ، وَلَمْ تَفْرَحْ بِهِ.
جَالَتْ بِذِهْنِهَا كُلُّ أنْوَاعِ الْاِحْتِمَالَاتِ، وَبَقِيَتْ تَتَأَلَّمُ، تَتَعَذَّبُ، حَائِرَةً، عاجِزَةً. دِمَاؤُهَا تُخَضِّبُ الْمَكَانَ، وَعَيْنَاهَا عَالِقَتَانِ بِالنَّافِذَةِ، تَسْمَعُ أَصْوَاتَ الْبَعْضِ فِي قَاعَةِ الْاِنْتِظَارِ، وَلَا تَفْهَمُ حَدِيثَهُمْ. أَيْنَ مَوْلُودُهَا؟ لَا أَحَدَ يَشْرَحُ لَهَا مَا يَحْدُثُ. الْكُلُّ يَتَكَلَّمُ عَنْهُ، لَكِنَّهَا لَا تَتَبَيَّنُ مَا يَجْرِي لَهُ. الْبَعْضُ يَبْتَسِمُونَ لَهَا عَبْرَ النَّوَافِذِ الْبِلَّوْرِيَّةِ، وَتَسْمَعُ أَصْوَاتَهُمْ، لَكِنَّهَا لَا تَتَبَيَّنُ مَا يَقُولُونَ. هَلْ مَاتَ مَوْلُودُهَا وَلَا يُرِيدُونَ إِخْبَارَهَا؟ اُغْتِيلَ؟ هَلْ كَانَ غَيْرَ مُكْتَمِلٍ، فَوَضَعُوهُ فِي مِحْضَنَةٍ حَتَّى يَكْتَمِلَ نُمُوُّهُ؟
وَبَيْنَمَا هِيَ فِي حَيْرَتِهَا، وَتَحْتَ وَطْأَةِ جُرُوحِهَا وَبَقَايَا أَلَمِ الْوِلَادَةِ، كَانَ الْجَمِيعُ فِي قَاعَةِ الْاِنْتِظَارِ، يَتَجَادَلُونَ. الْبَعْضُ يَقُولُونَ: “مَوْلُودٌ رَائِعٌ بَهِيّ، هَنِيئًا لَهَا بِهِ”. وَالْبَعْضُ يَضْرِبُونَ كَفًّا بِكَفٍّ، وَيَتَحَسَّرُونَ مُتَوَقِّعِينَ مَوْتَهُ، وَآخَرُونَ يَنْظُرُونَ إِلَى بَعْضِهِمْ الْبَعْضُ فِي صَمْتٍ رَهِيبٍ. تُرَى مَا سِرُّ هَذَا الْمَوْلُودِ؟
هَا قَدْ أَتَوْهَا بِوَلِيدِهَا، الْيَوْمَ فَقَطْ أَعَادُوهُ إِلَيْهَا، الْيَوْمَ فَقَطْ عَرَفَتْ مَا أَنْجَبَتْ، الْيَوْمَ فَقَطْ وَضَعُوا مَوْلُودَهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهَا. آهٍ! كَمْ اِنْتَظَرَتْ! كَمْ صَبَرَتْ! كَمْ تَوَتَّرَتْ وَهِيَ تَنْتَظِرُ أَنْ تَرَى مَوْلُودَهَا الَّذِي أَبْهَرَ الْعَالَمَ! الْيَوْمَ جَاؤُوهَا بِهِ، الْكُلُّ يَرْقُصُ وَيَحْتَفِلُ. اِحْتَضَنَتْهُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ وَقَلْبُهَا يَكَادُ يَقْفِزُ مِنْ مَكَانِهِ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ. ضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا وَالْبَعْضُ يَهْتِفُونَ: اللهُ أَكْبَرُ! وَيُهَنِّـئُونَهَا بِهِ. كَانَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْجَمِيعِ فِي صَمْتٍ وَلَا تَرَى أَحَدًا مِنْهُمْ. كَانَتْ تَشْعُرُ بِمَا لَمْ تَشْعُرْ بِهِ قَطُّ، أَحَاسِيسٌ مُتَعَدِّدَةٌ وَمُخْتَلِفَةٌ، مُتَنَاقِضَةٌ أَحْيَانًا، اِمْتَزَجَتْ فِي صَدْرِهَا، وَهِيَ مُتَمَسِّكَةٌ بِمَوْلُودِهَا فِي حُضْنِهَا بِشِدَّةٍ وَحِرْصٍ، كَأَنَّهَا تَخَافُ أَنْ يُفْتَكَّ مِنْهَا. إِنَّهُ مَوْلُودُهَا الْبِكْرُ. وَكَمْ هِيَ كَبِيرَةٌ لَهْفَةُ الْأُمِّ فِي وِلَادَتِهَا الْأُولَى.
تَرَكَتِ الْجَمِيعَ فِي قَاعَةِ الْجُلُوسِ وَاخْتَفَتْ لِتَنْفَرِدَ بِرَضِيعِهَا فِي غُرْفَتِهَا. كَانَتْ يَدَاهَا تَرْتَعِشَانِ وَهِيَ تُزِيحُ عَنْهُ الْغِطَاءَ الَّذِي لُفَّ بِهِ لِتَتَأَمَّلَهُ. تَتَلَهَّفُ لِرُؤْيَةِ وَجْهٍ وَرْدِيٍّ صَبُوحٍ، وَرُبَّمَا إِلَى اِبْتِسَامَةٍ بَرِيئَةٍ سَاحِرَةٍ. آهٍ! مَا أَجْمَلَ أَنْ يَكُونَ لِلْأُمِّ مَوْلُودٌ سَاحِرٌ!، يُدْخِلُ الْبَهْجَةَ عَلَى الْقُلُوبِ جَمِيعًا فَتَرْقُصُ فَرَحًا عَلَى وَقْعِ دَقَّاتِهَا، وَيَفْرَحُ بِهِ الْجَمِيعُ وَيَحْتَفِلُ بِهِ الْكُلُّ، كَمْ هُوَ رَائِعٌ أَنْ تَتَغَيَّرَ الْحَيَاةُ بِحَدَثٍ مِثْلَ هَذَا! وَكَمْ هُوَ جَمِيلٌ أَنْ نَعِيشَ الْبَهْجَةَ مَعَ قُدُومِ مَوْلُودٍ جَدِيدٍ!
مَا أَنِ اِنْفَرَدَتْ، فِي غُرْفَتِهَا، وَأَزَاحَتِ اللِّحَافَ عَنْ وَجْهِ مَوْلُودِهَا لِتَرَاهُ، حَتَّى تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرَوقِهَا وَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِـهَا لِلَحَظَاتٍ…
مَا أَنِ اِنْفَرَدَتْ، فِي غُرْفَتِهَا، وَأَزَاحَتِ اللِّحَافَ عَنْ وَجْهِ مَوْلُودِهَا لِتَرَاهُ، حَتَّى تَجَمَّدَتِ الدِّمَاءُ فِي عُرَوقِهَا وَهَرَبَتْ مِنْ وَجْهِـهَا لِلَحَظَاتٍ… اِصْفَرَّتْ كَالوَرْسِ وَازْدَادَتْ دَقـَّاتُ قَلْبِهَا وَتَسَارَعَتْ، اِنْحَبَسَتْ الْكَلِمَاتُ فِي حُنْجُرَتِهَا. وَجَمَتْ. اِنْقَبَضَ قَلْبُهَا دَاخِلَ صَدْرِهَا. لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا، وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا. بَقِيَتْ تَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ الصَّبُوحِ وَتُسَبِّحُ بِاسْمِ اللهِ فِي سِرِّهَا. كَانَ الْمَوْلُودُ رَائِعًا فِعْلًا، جَمِيلًا وَسَاحِرًا، إِلاَّ أَنَّهُ بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ. وَفِي مَكَانِ الْعَيْنِ الْأُخْرَى، ثُقُوبٌ صَغِيرَةٌ تَكَادُ لَا تُرَى. آهٍ مِنَ الْحَيَاةِ! إِنَّهَا لَا تُعْطِي شَيْئًا كَامِلًا. الْآنَ فَهِمَتْ سِرَّ اِهْتِمَامِ طَاقَمِ الْأَطِبَّاءِ بِهِ وَعَدَمِ السَّمَاحِ لَهَا بِرُؤْيَتِهِ سَاعَةَ وِلَادَتِهِ، الْآنَ عَرَفَتْ لِمَاذَا شَدَّ اِنْتِبَاهَ الْإِعْلَامِ مِنْ كُلِّ صَوْبٍ وَحَدْبٍ. بَكَتْ صَامِتَةً حَتَّى اِحْمَرَّتْ مَدَامِعُهَا، وَلَكِنَّهَا اِحْتَضَنَتْ صَغِيرَهَا مِنْ جَدِيدٍ، أَرْضَعَتْهُ، وَقَالَتْ تُحَدِّثُهُ كَأَنَّمَا سَيَفْهَمُهَا: “لَنْ أَتَخَلَّى عَنْكَ. سَأَرْعَاكَ مَهْمَا يَكُنْ الْأَمْرُ حَتَّى أُعِيدَ إِلَيْكَ كُلَّ الْبَهَاءَ”. ثُمَّ مَسَحَتْ دُمُوعَهَا، وَحَمَلَتْ وَلِيدَهَا، وَخَرَجَتْ لِضُيُوفِهَا مُبْتَسِـمَـةً.
كَانَ الْجَمِيعُ مِمَّنْ حَضَرَ لِيُهَنِّئَهَا بِمَوْلُودِهَا، يَعْرِفُ مَا حَدَثَ. لَكِنَّهَا وَحْدَهَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ، وَلَمْ تَكًنْ تَدْرِي أَنَّهُمْ يَعْرِفُونَ. لِذَلِكَ فُوجِئَتْ حِينَ بَدَأَ الْأَهْلُ وَالْأَصْحَابُ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْمَوْضُوعِ مُبَاشَرَةً، وَكُلٌّ يُقَدِّمُ اِقْتِرَاحَهُ لِتَحْسِينِ حَالِ الْوَلِيدِ. قَالَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ: “هَذَا الْمَوْلُودُ رَائِعٌ وَسَيَكُونُ لَهُ شَأْنٌ عَظِيمٌ”. وَقَالَتْ إِحْدَى الْقَرِيبَاتِ: “لَا بُدَّ مِنْ إِجْرَاءِ عَمَلِيَّةٍ جِرَاحِيَّةٍ لِعَيْنِهِ، حَتَّى يُصْبِحَ نَظَرَهُ سَوِيًّا، فَعَيْنٌ وَاحِدَةٌ، قَدْ تُفْقِدُهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِوُضُوحٍ وَرُبَّمَا تَبْدُو لَهُ الصُّوَرُ مُضَاعَفةً، وَعُمُومًا لَنْ تَكُونَ الْوِلَادَةَ الْأَخِيرَةَ”. وَأَضَافَ صَدِيقٌ: “لَقَدْ تَقَدَّمَ الْعِلْمُ، وَنَحْنُ فِي تُونِسَ نَمْتَلِكُ الْكَفَاءَتِ الطِّبِّيَّةِ بِـامْتِيَازٍ، يمْكِنُ عَرْضُهُ عَلَى أَطِبَّائِنَا لِإِيجَادِ حَلِّ لَهُ، فَيُصْبِحُ أَجْمَلَ وَأَرْوَعَ”. تَوَاصَلَ الْحَدِيثُ وَتَعَدَّدَتِ الْاِقْتِرَاحَاتُ. وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ فِي جَدَلٍ، قَالَتِ الْأُمُّ: “آمُلُ أَنْ أَجِدَ لِابْنِي حَلًّا مُنَاسِبًا حَتَّى يَعِيشَ حَيَاةً طَبِيعِيَّةٍ هَادِئَةٍ دُونَ أَنْ يَسْخَرَ مِنْهُ أَحَدٌ، حِينَ يَكْبُرُ، وَحَتَّى إِذَا مَا أَصْبَحَ لَهُ إِخْوَةٌ، لَا يَشْعُرُ بِالنَّقْصِ أَمَامَهُمْ، وَلَكْنْ لَا أَدْرِي كَيْفَ!؟”. قَالَ الْأَبُ: “لَا تَحْزَنِي. لَنْ أَرْضَى بِأَنْ يَبْقَى بِعَيْنٍ وَاحِدَةٍ وَلَوْ دَفَعْتُ الْعُمْرَ ثَمَنًا لِذَلِكَ”. قَالَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ: “لِمَ الْحَيْرَةُ؟ يُمْكِنُ مُعَالَجَتُهُ فِي إِحْدَى مُدُنِ الْغَرْبِ، فَهُمْ أَدْرَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ، وَيَقْدِرُونَ عَلَى خَلْقِ الْمُعْجِزَاتِ.”
نَظَرَ إلَيْهِ وَالِدُ الرَّضِيعِ وَقَالَ: “لَا! لَنْ أَسْمَحَ بِذَلِكَ. سَوْفَ يَكُونُ عِلَاجُ ابْنِي هُنَا فِي بِلَادِهِ.”
أَضَافَـتِ الْأُمُّ مُـتَحَمِّسَةً: “نَعَمْ، لَا أُرِيدُ لِوَلَدِي أَنْ يُعَالَجَ إِلَّا بِأَيَادٍ وَطَنِيَّةٍ، أُرِيدُهُ أَنْ يَجِدَ عَيْنَهُ الْأُخْرَى هَا هُنَا، فِي وَطَنِهِ”.
صَمَتَ الْجَمِيعُ قَلِيلًا، وَقَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا، وَعَدَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِالْمُسَاعَدَةِ.
أَقَرَّتِ الْعَائِلَةُ، بِمُشَارَكَةِ الْجَمِيعِ مِنَ الْأَهْلِ وَالْأَصْحَابِ، أَنَّ التَّدَخُّلَ الْجِرَاحِيَّ ضَرُورَةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا، خُصُوصًا أَنَّ الرَّضِيعَ قَدْ أَظْهَرَ، مَعَ الْأَيَّامِ الْمُوَالِيَةِ، قَلَقًا وَأَلَمًا مِمَّا تُفْرِزُهُ عَيْنُهُ الْمُشَوَّهَةُ مِنْ قَذَى بِسَبَبِ التَّعَفُّنِ الَّذِي أَصَابَهَا. فَأَصْبَحَ يَبْكِي وَيَصْرُخُ طِوَالَ الْوَقْتِ، وَالْأُمُّ تُحَاوِلُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ بِلَا جَدْوَى، رَغْمَ اِسْتِعَانَتِهَا بِالطَّبِيبِ الَّذِي كَانَ يَصِفُ لَهُ الْوَصْفَةَ تِلْوَ الْوَصْفَةِ.
كَانَتْ مَا أَنْ تُنَظِّفَ عَيْنَهُ حَتَّى تُفْرِزَ عَفَنًا جَدِيدًا، فَأَصْبَحَتِ الْمِسْكِينَةُ تَعِيشُ فِي تَوَتُّرٍ مُسْتَمِرٍّ وَفِي خَوْفٍ دَائِمٍ. وَإِذَا بِالتَّعَفُّنِ يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّـا إِلَى أَعْضَاءَ أُخْرَى مِنْ جِسْمِ الطِّفْلِ، مِمَّا أَرْبَكَ كُلَّ الْعَائِلَةِ وَكُلَّ الْأَقَارِبِ وَأَرْبَكَ الْأَصْدِقَاءَ. فَسَارَعَ الْوَالِدَانِ بِإِدْخَالِهِ الْمُسْتَشْفَى.
هُنَاكَ، اِجْتَمَعَ كُلُّ الْأَطِبَّاءِ وَالْاخْتِصَاصِيِّينَ لِلتَّشَاوُرِ حَوْلَ إِمْكَانِيَّةِ فَتْحِ الْعَيْنِ الْمُشَوَّهَةِ. وَتَعَدَّدَتِ الْاِقْتِرَاحَاتُ الْعِلْمِيَّةُ، وَخَاضَ الْجَمِيعُ فِي كُلِّ الْاِحْتِمَالَاتِ الْوَارِدَةِ عَمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَنْتُجَ عَنْ مِثْلِ هَذَا التَّدَخُّلِ الْجِرَاحِيِّ. هَلْ يَنْجَحُ؟ هَلْ تَكُونُ نَتِيجَةُ التَّدَخُّلِ الْجِرَاحِيُّ إِيجَابِيَّةٌ؟ أَلَا تَكُونُ لَهُ آثَارٌ جَانِبِيَّةٌ سَلْبِيَّةٌ؟ تَسَاؤُلَاتٌ كَثِيرَةٌ طُرِحَتْ، وَطَالَ النِّقَاشُ دَاخِلَ مَجْلِسِ الْأَطِبَّاءِ بَيْنَمَا كَانَتْ حَالَةُ الْمَوْلُودِ تَسُوءُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، لَكِنَّهُ مَازَالَ مُتَمَسِّكًا بِالْحَيَاةِ.
الْأُمُّ، مَا زَالَتْ تُعَانِي مِنْ عَذَابَاتِ الْأَلَمِ لِأَجلِهِ، وَالتَّوَتُّرُ مَا زَالَ يَلُفُّ الْجَمِيعَ. عَجْزٌ جَعَلَ كُلَّ الْأَهْلِ يَحْيَوْنَ فِي حَيْرَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وَقَلَقٍ دَائِمٍ. قَضَّى الطِّفْلُ أَيَّامًا عَدِيدَةً فِي الْمُسْتَشْفَى. وَطَالَتْ مُدَّةُ إِقَامَتِهِ حَتَّى أَصْبَحَتْ أَسَابِيعَ. ثُمَّ اِمْتَدَّتْ حَتَّى اِسْتَغْرَقَتْ شُهُورًا، وَمَجْلِسُ الْأَطِبَّاءِ، مَا زَالَ يُنَاقِشُ الْأَمْرَ دُونَ أَنْ يَتَّخِذَ أَيَّ قَرَارٍ عَمَلِيٍّ. فَهَلْ يَقَعُ إِنْقَاذُ الْوَلِيدِ مِنَ الْمَوْتِ؟ هَلْ تُكْتَبُ لَهُ الْحَيَاةُ بِعَافِيَةٍ؟ هَلْ تَفْرَحُ وَالِدَتَهُ بِهِ فَرْحَةً حَقِيقِيَّةً كَامِـلَـةً لَا يَشُوبُهَا حُزْنٌ وَلَا يَعْتَرِيهَا أَسَى؟ هَلْ يَتَمَكَّنُ أَهْلُ الْاخْتِصَاصِ مِنْ أَبْنَاءِ الْوَطَنِ مِنْ إِعَادَةِ الْبَصَرِ السَّلِيمِ لِهَذَا الْمَوْلُودِ الْبِكْرِ؟ إِنَّهُ أَمَلُ الْأُمِّ وَحُلْمُهَا الْأَكْبَرُ.

أضف تعليقاً