ألم به الداء الخبيث ، أقعده الفراش ، يئس الأطباء من شفائه ، ها هو ينتظر حلول الأجل بين الفينة و الأخرى .
تظل زوجته ترابط بجواره ، تواسيه و تضمد روحه المكلومة ، لا تطيق فراقه و لو للحظة . في تلك الليلة الممطرة استبد به الألم ، بات يتلوى و يئن ، و ما لبث أن راح في غيبوبة .
كانت تتأمل وجهه الضامر ، لم تقو على حبس دموعها ، و سرحت بذهنها بعيدا تفحص شريط ذكرياتهما : سنوات الدراسة الجامعية بكلية العلوم التي تكللت باحتفالهما بالتخرج ، فرحهما بالعمل في مؤسسة تعليمية واحدة ، عزمهما على لم الشمل ، أجواء العرس البهيجة ، ثم انقلاب حياتهما رأسا على عقب إثر النبإ المشؤوم : سرطان القولون الذي لم يكشف عنه إلا بعد فوات الأوان ، حصص العلاج الإشعاعي و الكيماوي المرهقة ، ليالي السهاد الطويلة …
كانت حاملا في شهرها الأخير ، داهمها المخاض ، تجمدت في مكانها ، نادت أمها ، ساعدتها على التمدد ، غطتها بملاءة خفيفة ، توجعت من الألم ، ما هي إلا ثوان معدودة حتى سمع صراخ المولود ، كان ذكرا . في تلك الأثناء استعاد الأب وعيه ، مال برأسه ناحية ابنه ، نظر إليه مليا ، ابتسامة ساحرة ارتسمت على محياه النحيل ، و نظر إلى زوجته نظرة دافئة حانية ، ثم أرسل شهقة حارة و فاضت روحه .

أضف تعليقاً