منذ أن سكنت في الشقة التي إلى جانبنا،لفتت أنظارنا. تبدو غريبة الأطوار.الطريقة التي جهزت بها شقتها أثارت شكوكنا ومخاوفنا. أجهزة سمعية بصرية، شاشات عملاقة على الجدران.لكنها، والحق يقال، لم تقلق راحتنا يوما ما. ربما استخدمت مواد عازلة تمنع تسرب الأصوات المنبعثة من الأجهزة السمعية البصرية إلى بيوت الجيران. لما رأينا تلك التجهيزات تدخل إلى الشقة، اعتقدنا أنها ستتحول إلى استوديو لتسجيل الأغاني.تخوفنا من الحركة والجلبة التي ستحدث بفعل االآلات الموسيقية .أغاني الشباب تقلق راحتنا بصخبها.هربنا إلى هذه الشقة بعدما كبر الأبناء وبقيت أنا وزوجتي في دار كبيرة في وسط المدينة.كانت الحياة هناك لا تطاق؛ضجيج وصخب بالليل والنهار.حركة السيارات والحافلات والشاحنات وأصوات زماراتها.بالإضافة إلى الهرج والمرج الذي يحدثه البشر . في المقاهي وهم يشاهدون مباريات كرة القدم .الباعة المتجولون يعرضون بضائعهم بأصوات مقرفة،الشبان والشابات لايكفون عن العراك والسب والشتم.الأطفال لايتوقفون عن اللعب والصراخ…دارنا حولناه إلى ثلاث شقق ؛شقتان للكراء والثالثة تركناها لنا ولابنينا المقيمين في الخارج.في الحقيقة لا يزوران الوطن الا مرة في ثلاث أو أربع سنوات .اشترينا هذه الشقة البعيدة عن وسط المدينة طلبا للراحة والهدوء.لذلك لما رأينا تلك التجهيزات والأدوات تدخل الشقة اتصلنا بالمسؤولين عن تسيير السكن المشترك”السانديك” وأكدوا لنا أن الشقة ليست أستوديو ،وأن صاحبتها اتخذت الاحتياطات الضرورية لكي لا تقلق راحة الجيران.هي بالفعل لم تقلق راحتنا بضجيج أو صخب،لكن الطريقة التي تعيش بها حياتها أثارت مخاوفنا.امراة وحيدة لايفتح باب شقتها أسبوعا كاملا .تتناهى إلى مسامعنا اصوات وحركة ، كأنها لا تعيش وحيدة.تتكلم مع أشخاص يتحركون، يضحكون ،يبكون ،يتخاصمون …أحيانا نسمع صوتها وهي تتضرع في خشوع كأنها راهبة متبتلة في جلسة اعتراف.ومرة نسمعها تزمجر متحدية من يكبلها …اعتقدنا أنها ممثلة تتدرب على أدوار ستؤديهاعلى خشبة المسرح أو أمام كامرات السينما.التقيتها يوما ونحن نستعد للدخول إلى المصعد الكهربائي .تأملت جيدا في وجهها.أربعينية وإن كانت ملامحها تقول أكثر من ذلك.أربكتها نظراتي المتفحصة. وتحاشت النظر إلي.عيناها تحيط بهما هالتان سوداوان.كأن النوم خاصمها مدة طويلة.ربما تعاني من بعض الأمراض التي باتت شائعة في زمننا.فأنا أعاني من داء السكري وارتفاع الضعط الدموي مصحوبين بتوتر عصبي قد يتمظهر على شكل اكتئاب وميل نحو العزلة.أما زوجتي فقد بدت أكبر من عمرها بكثير..تجاعيد على الوجه، ارتفاع في الضغط الدموي وسكري وداء مزمن على مستوى القلب …لذلك لا نغادر شقتنا إلا لماما؛لزيارة الأطباء الذين يتابعون معنا حالتينا، أو لتسلم كراء الشقتين في وسط المدينة أولزيارة البنك لحل مشكل ما. بالرغم من وجود وكالة بنكية وصراف آلي بالقرب منا.أما ما نحتاجه من بضائع فكل شيء متوفر قرب سكننا؛ متاجر كبرى وفضاءت واسعة تعرض كل شيء. نشتري كل أغراضنا منها ونكلف أحد الحراس التابعين “للسانديك” بحمل ما اقتنينا إلى شقتنا.وقد نكلفه باقتناء قنينة الغاز وكل ما نحتاجه .زوجتي تشتاق إلى جاراتها وصديقاتها في وسط المدينة.أما هنا فسكان الشقق كل واحد عالم منغلق على نفسه.حتى التحية لايتبادلونها فيما بينهم.كم من مرة التقينا مع جيراننا في المصعد أو في الساحة في أسفل العمارات …لا سلام ولا كلام .ومنهم جارتنا اللغز المحير.كم من مرة كانت زوجتي ستبادرها بالسلام لكن أمنعها. شهدت الحياة تحولات كبيرة وعميقة بين الأمس واليوم.كان الجاريعتبر جاره من أقاربه أو أكثر.يسأل عنه، يعوده إذا مرض،يواسيه في الأحزان ويفرح معه في المسرات .ويعتبر أبناءه مثل أبنائه…أما النساء فلافرق بين الجارات يتبادلن الزيارات ويتعاون على قضاء حوائجهن… زوجتي أحست بالعزلة، وكم من مرة عبرت عن ندمها على السكن في “علب أعواد الثقاب”هذه كما تسميها.فهي تسمعني نفس الشريط يوميا :- لقد دفنا أنفسنا في هذه العلب ونحن أحياء.لامعنى للحياة هنا.كل شقة بها أناس يعانون العزلة، تطل الكآبة من عيونهم وهم في سباق محموم مع الحياة .يخرجون متعبين ويعودون أكثر تعبا.لولا وجود الأطفال وهم يلعبون أحيانا ، في أوقات مبرمجة سلفا،في الساحة أسفل العمارات، لبدت هذه التجمعات السكنية كأنها مقابر بلحود عمودية تعيش فيها كائنات غريبة بدون أرواح. تذكرت أيام الدراسة في العاصمة الرباط ، كنا نسكن،أنا وأحد زملائي، في حي معظم سكانه من الموظفين في وظائف متوسطة كرجال التعليم ،موظفي بعض الوكالات البنكية وموظفين في مصالح مختلفة …في بداية السنة أحسسنا بنوع من الغربة.مع مرور الوقت بدأنا نتكيف مع الأجواء .كان البيت الذي اكتريناه،زميلي وأنا، في الطابق السفلي ،مالكه يسكن مع والديه وأبنائه وزوجته في الطابقين الأول والثاني.في أحد الأيام ،ونحن جالسان منهمكان في القراءة،ران الصمت على البيت إذا بنا نسمع أصواتا تتسرب من بيت ملاصق للبيت الذي نقطنه.أرهفنا السمع كأن الأصداء التي تلتقطها آذاننا خصام بين رجل وامرأة.اقتربنا من الجدار الفاصل بين البيتين.بدأت الأصوات تتضح نوعا ما؛ ثلاثة أصوات. امرأتان ورجل وبين الفينة والأخرى يسمع صوت طفلة تبكي.لم نطل المكوث بالقرب من الجدار .انشغلنا بأمورنا الخاصة .في اليوم الموالي ،في نفس الوقت، بدأ ت الأصوات نفسها بنفس التفاصيل ؛الرجل يسب ويشتم والمرأتان تردان عليه مرة بالدعاء له بالشفاء مما هو فيه،ومرة تدعوانه إلى الكف عن الصراخ لأن أمرهم افتضح بين الجيران…أصبح ما يجري في الشقة الملاصقة لسكنانا طقسا يوميا، في نفس الوقت ابتداء من العاشرة ليلا،تنطلق المسرحية الدرامية، وتستمر حتى منتصف الليل.بدأدنا نفهم مايجري ونربط بين المعطيات ونسنتج الخلاصات.تعرفنا على أبطال المسرحية رأيناهم يخرجون من البيت صباحا ،وكأن شيئا لم يقع .رجل وزوجته يشتغلان في قطاع التعليم، والمرأة الأخرى أم زوجته استقدماها لتسهر على شؤون طفلتهما الصغيرة .كان الرجل مدمنا على شرب الخمر ،على الساعة العاشرة تبدأ الخمر تلعب برأسه ،فيشرع في تفريغ ما تراكم في داخله من شحنات سلبية، في صورة سب وشتم يكيلهمالزوجته وأمها متهما إياهما بتدمير حياته ،وأنهما هما سبب ما آل إليه…يحدث هذا ليلا يوميا.وفي الصباح يخرج الرجل،وهو شاب في منتصف الثلاثين، مع زوجته،وهي في نفس سنه تقريبا،يرتديان ملابس أنيقة.يركبان سيارتهما ويذهبان إلى عملهما كأن شيئا لم يقع. لكن أمارات التعب والكآبة باديين على وجهيهما .ذكرت هذه الواقعة، لأن ما يجري ،في كثير من شقق هذه العمارات، يشبه إلى حد ما حياة جيراننا في الرباط .منذ يومين، سمعنا طرقا خفيفا على الباب.لم نعره اهتماما ،لأننا لم نتعود على الطرق على بابنا . حراس العمارات وعاملات التنظيف، هم من يتواصلون معنا .حين نحتاجهم ،نستعمل الهاتف.وحين يحضرون لنا ما نطلبه منهم أو يحتاجون منا شيئا ما يتصلون بنا عبر سماعة الهاتف الداخلي الخاص بشقتنا.قلت لم نعر اهتماما للطرق الخفيف.توقف الطارق طويلا كأنه متردد أو قرر أن يعود أدراجه من حيث أتى…لم يضغط على الجرس . أعاد الطرق بطريقة أعلى من الأول.فتحت الباب ،بدت جارتنا غريبة الأطوار كأنها تفاجأت بوجودي،ارتبكت وكأني بها كانت ستعود أدراجها.تكلمت بصوت مرتبك:-أنا جارتكم ،هل يمكنني أن أكلم سيدة البيت…؟ ناديت على زوجتي ، استقبلتها بحفاوة بالقبل على عادة المغربيات.اعتذرت لها على الازعاج الذي لن يتكرر.سألت زوجتي:-هل يمكن أن أدخل دقيقة، لأطل من شرفتكم التي تطل على الساحة أسفل العمارت؟رحبت بها زوجتي ،ودخلتا إلى الشرفة.سألتها وهي تشير إلى شرفة شقة مقابلة : – هل سبق لكما أن رأيتما في تلك الشرفة رجلا يبدو عليه كأنه مريض؟مر زمن طويل لم يظهر في النافذة ولا الشرفة.أخشى أن يكون قد أصابه مكروه … نادت علي زوجتي ،لأن بصرها ضعيف ، فطرحت علي نفس السؤال. فكرت مليا، قلت لها:- لِمَ لَمْ تسألي “السانديك”؟ قالت مرتبكة:-سألت أحد الحراس فلم يبال بسؤالي… قلت:- حددي لي الشرفة بالضبط.أطلت على شرفتها وأشارت بأصبعها إلى الشرفة المقابلة لها تماما.تذكرت أن رجلا كان يظهرعلى تلك الشرفة ،لكنه اختفى تقريبا منذ شهرين أو شهر ونصف.وقد التقيته هو وزوجته مرة في الساحة يبدو أنه يمشي بصعوبة…تهللت أساريرها كأن الرجل من أقاربها.شكرتنا واعتذرت على إزعاجها .اقترحت عليها زوجتي أن تبقى معها قليلا .أصرت على الانصراف واعدة إياها بزيارتها في أقرب وقت… أنا أيضا مثل زوجتي ندمت على السكن في علب السردين هذه.اشتقت إلى أصدقائي الذين كنت أجالسهم .لكن لما ظهرت غريبة الأطوار انشغلت بها كما انشغلت بها زوجتي.اصبحنا نملأ وقتنا بمراقبة حركتها ومايجري في شقتها.مضى الآن أسبوع لم نسمع حركة في شقتها ،ولم يظهر لها أثر .انشغلنا عليها، ربما تكون مريضة أو أصابها مكروه .نفس إحساسها اتجاه الرجل الذي سألتنا عنه.هذا هو الأصل الانسان كائن اجتماعي بطبعه.لايمكنه أن يعيش منفردا في غابة.إحساسنا بالمسؤولية تجاه جارتنا ،غريبة الأطوار،رد لنا بعضا من دفء إنسانيتنا .أرسلت زوجتي لتتفقد ها .طرقت الباب طرقا خفيفا.لا مجيب…انتظرت قليلا ،أشرت لها إلى الجرس. ضغطت لمدة ثوان،وتوقفت … أشار ت بأصبعها كناية عن وجود حركة ما .انتظرنا ،كأنها لاتقدر على الحركة. جاءت تجر رجليها وعلى محياها علامات المرض،لا تكاد تقف على رجليها .أشارت لزوجتي بالدخول ،وبقيت أنا بالقرب من باب شقتنا. ما هي إلا لحظات حتى خرجت زوجتي ،أخبرتني أن المرأة تريد أن نحضر الى شقتها معا.

أضف تعليقاً