..سار جيئة وذهابا في ساحة الحديقة الجميلة، امام القاعة الفسيحة الضاجة بقرقعات الكؤوس وقهقهات الافواه بين الحين والآخر..نزع طربوشه، وقذف به..داس فوقه..بصق عليه بغضب..ثم عاد ووضعه بشكل مائل مضحك فوق رأسه الاصلع إلا من شعيرات نافرة في مؤخرته كأنها قرون استشعار..قذف الصندل من رجليه، وسار حافيا..رفع سرواله المهلهل المربوط بخيط غليظ، كأنه سيجتاز الواد..شمر عن ساعديه كأنه سينهمك في حلب الابقار، كما كان يفعل قبل ان تحل تلك الآلات العجيبة بالضيعة الكبيرة، وتأخذ مكان اصابعه على الضرع.! دخل القاعة..دار كالقرد حول الطاولات، ومثله قام بحركات لامعنى لها..بل تجرأ ومد يده الى قدح، وشرب جرعة منه..لكنه لم ينل سوى ابتسامة فاترة، ولم تفرقع الضحكات في ارجاء القاعة، كما كانت تنهال عليه من قبل بمجرد حضوره امامهم.! أيقن انه لم يعد يستطيع ان يستثير ضحكهم كما من قبل..انه لم يعد يثير شفاههم لتغدق عليه بالقهقهات.! احس بطريق العدم متجمدا تحت قدميه. فلطالما شعر بحرارة الوجود ترتفع في كيانه مع ارتفاع نبرة الضحك المنهال عليه.! تمنى لو يمسكوه، كما كانوا يفعلون من قبل، ويفرغون في جوفه بضع اكواب تجعله لايستعيد وعيه إلا في الغد، بعد ان يكون قد انتزع منهم مايكفي من القهقهات ويزيد.! لم يستطع ان يحدد سببا لهذا التحول الذي أطبق عليه كقبر..شك في الكهرباء التي قلبت الضيعة رأسا على عقب، حين وصلتها، وصارت كأنها مسكونة بالجن، إذ تكفي لمسة زر لفعل كل ما كان يفعله من قبل، حتى باب الضيعة الكبير لم يعد ينتظر ان يفتحه او يغلقه.! لكن، حتى الكهرباء نفسها جعلتهم، في البداية، يضحكون منه كثيرا، وهم يرون فزعه منها، وتعثره فيما هو يبحلق بعيون مندهشة متوجسة في المصابيح المعلقة بالسقف، بعد ان اعتاد ان ينفخ ذبالة اللامبة لتنطفأ.! شك ايضا في تلك الهواتف اللعينة التي جعلتهم ينشغلون حتى عن بعضهم البعض، فيما هم يمررون اصابعهم على زجاجة ملساء. لكنها نفسها جعلته، في البدء، مصدرا لقهقهات غزيرة. إذ كيف ينسى تلك الليلة حيث ظل يقفز مندهشا، غير مصدق، خائفا، بين هاتف وآخر، وهو يرى صورته متحركة مثله. لم ينس كيف احجم النوم عن رموشه المنتوفة تلك الليلة، وهو يفكر في تلك النسخ منه التي ستملأ عليه الضيعة وستنافسه على اضحاكهم، بل قد تتسبب في طرده منها. ولم يتنفس الطمأنينة إلا في صباح الغد، حين وجد نفسه وحيدا، كما كان، دون ان تحضر تلك النسخ منه.! تمادى في الشك، وحاول ان يربط بوار قدرته على استجلاب قهقهاتهم، باختفاء المرأة التي كانت تشتغل الى جانبه في الضيعة، بعد ان انتفخ بطنها. لكنه لما سأل سيده ، الذي وعده بتزويجها إياه، طمأنه بأنها نقلت الى المستشفى، بعد ان قفز فوقها عجل طائش،بينما كانت منحنية تكنس الروث. لم ينس كم ضحك منه سيده، حتى أثلجَ صدرَه، وهو يخبره،بعد ان طالت غيبتها، عن كونها حامل، في بطنها عجل، مما جعل الاطباء ينهمكون في تحويلها الى بقرة، كي يتسنى لها ان تضع عجلها، وإلا ماتت اثناء الولادة. لم ينس كم احتد ضحك سيده، وهو يرجوه ان يتوسط له عند الاطباء، كي يحولوه الى ثور، ليلحق بزوجته الموعودة في دار الابقار.! لم يفِ بوعده بعد..بل لم يعد يثير حتى ضحكه، وضحك اصحابه بينما هم يقضون لياليهم المعهودة في تلك القاعة الجميلة وسط ضيعة هادئة.! ما عاد يطيق انغلاق الشفاه دونه.فوجوده يتنفس من هواء تنفثه القهقهات، هو الذي لاتخالجه شعرة من شك، في انه خُلِق ليضحك الآخرين، كما خلقت البقرة لتحلب وتذبح .هكذا عهد حاله منذ ان تفتح وعيه على الدنيا، فكان اضحوكة بين الاهل والاقران. وقنع بقسمته ولم يتطلع ابدا ابعد من شفاه الوجوه التي تنظر إليه.! لهذا لم يتمالك نفسه المحطمة. مزق جلبابه وصنع منه حبلا متينا. ربطه بغصن شجرة زينة امام باب القاعة. ثم لفه على عنقه، بعد ان صعد على جذعها. ودعاهم بصوت مرتفع الى الخروج إليه، قبل ان يشنق نفسه..خرجوا مترنحين يحملون كؤوسهم الرفيعة وهواتفهم الغالية، وتحلقوا حوله ضاحكين..ارتفع صوت متعتع بينهم، مشهرا هاتفه، قائلا بتثاقل:
– الصدفة خير من الف ميعاد..انتحار على الهواء مباشرة.! أي سبق هذا.!؟
تبادلوا الانخاب. صوبوا كاميرات هواتفهم نحوه، وتدافعوا ، مقتربين اكثر.!
- انتحار
- التعليقات