دلَّلتني والدتي لأبعد الحدود، كانت تضع لي مساحيق التجميل، أرتدي فساتين أختي، أضع أحمر الشفاة .. كانت تضحك والدتي، تدمع عيناها .. فأظن أنني أسعدتها.
أعتدت على هذه الأشياء المشينة .. كنت أتعجب من صمت أبي .. لم يعلق على هذه التصرفات .. أطلقت شعري كي أتشبه بالفتيات .. تلقيت إعجابات من زملائي.
أما حين التحقت بالمدرسة سخر بعض زملائي من صوتي الرفيع وحديثي الرقيق، أطلقوا عليَّ اسم (سوسو) .. حزنت .. بكيت .. ذهبت لأختي أبكي وأقص عليها ما حدث، هدَّأت من روعي، ظللنا نلهو سويًّا، بدَّلت ثيابها أمامي فضحكت، طلبت منها أن أرتدي ملابسها الداخلية .. مزحنا سويًّا.
كنت أشاهد أفلام الرعب وأتلذذ بالخوف، أحرق نفسي بالنيران وأضحك، أعشق منظر الدماء يسيل من يداي .. أشعر بلذة.
لم تخبرني والدتي بخطئي، بل كانت تسعد لرؤيتي بهذه الأشياء، ذات يوم طلبتُ من والدتي أن أضع طلاء أظافر، فــنفَّذت لي رغبتي .. أتت جدتي إلينا تنهرتني، سخرت مني وقالت لي أنني فتاة ولست رجلًا!!!!
كانت والدتي تضحك .. فصفعتها جدتي أمامنا، مازال رنين عباراتها بأذني:
(أنتِ لست أمًّا لا تستحقين العيش .. أخبريني .. أتنتقمين من حالك؟!).
حين دخل والدي الغرفة فجأة وجدني أتحدث مع شقيقتي بمتعة، أُصدر صوتًا خفيضًا هائمًا بملذات الذل: لا لم نفعل الرذيلة.
لكنها كانت توبخني .. تضربني بخرطوم المياه .. حتى ظهر على جسدي علامات زرقاء .. تصفعني أقلامًا متواليةً.
صُدِمَ والدي .. فضرب أختي، وأخذني للنزهة وتحدث معي بصراحة، أخبرني أنه لا يُفضل هذه الأفعال المشينة التي سمحت لي أمي أن أفعلها.
أنا: لماذا لم تخبرني من قبل باستيائك من أفعالي؟!
صمت والدي دقائق .. مما أثار الشك بقلبي: أخبرني والدي بما لم يخطر ببالي، إن أبي كان مصابًا بالماسوشية.
تعجبت وسألته: ماذا تعني يا أبي؟
أبي: بمعنى أنني كنت شخصًا مازوخي .. أتلذذ بالألم الواقع عليَّ، سواء كان اضطهادًا أم توبيخًا.
منذ زمن بعيد نصحني صديقي أن أذهب لطبيبٍ نفسيٍّ، هناك اكتشفت مرضي .. بدأت العلاج واكتشفت والدتك مرضي حين قرأت روشتة الدواء الخاص بي، الذي كنت أحرص علي تناوله يوميًّا، فضحت أمري أمام الجميع، اتهمني والدها بالجنون، وقام بحجزي بمستشفى الأمراض العقلية بنفوذه وقوته، خرجت منها بعد عشرة أشهر .. ورفضني الجميع .. أتعلم .. إنني وحيد.
هربت والدتك بأختك من منزل والدتها، وأتت للعيش معي ثانيًا كي تساندني وتقف بجواري .. أوهمتني بالعشق الزائف.
ظنت عائلتها أن هذا المرض مرتبط بالعلاقة الجنسية نظرًا لجهلهم بالعلم، لم يعلموا أن هذا المرض لم يقتصر عليَّ ذلك فحسب، فكنت أذهب للأماكن المظلمة ويرتعد جسدي خوفًا من الحشرات، أنام بالشارع وسط الكلاب لأشعر بالخوف منهم، لم أكن أعلم أنها عادت لتنتقم مني.
عذرًا يا ولدي .. أنتَ في بداية هذا المرض، ولن أتركك، سآخذك لطبيب نفسيٍّ.
أمسكت بطرف ملابسه قائلًا: لا يا أبي .. لا أرغب أن يرفضني البشر، فأنا رأيت نظرات الشفقة، وضحكات الخبث بأعين والدتي حيالك، لست قويًّا مثلك لأتحمل ذلك.
أبي: لا تخشَ يا ولدي، لن أقبل أن يهينك بشر، سأثبت لك أنني أقوى من أي شيء بك أنت، سأطلق والدتك، سآخذك وشقيقتك .. فلم يعد يربطنا شيء سواكما.
أنا: لماذا أنجبتني وأنت تعلم أنها عادت لتنتقم؟!
أبي: لا تظلمني يا بُني، فهي علمت بحملها حين كنت بالمستشفى النفسي، ولم أكن أعلم أنها ستفعل ذلك، لم أقبل أن تضيعَ مني يا ولدي، أنا بريء مما فعلته بك.
أنا: لست بريئًا يا أبي، كنت تقوى على أخذي منها منذ بداية العمر، لكنك تركتني سنوات طويلة بهذا الذل والمرض.
أبي: لم يخطر ببالي أنك مصاب بهذا المرض، إلا بعد أن رأيتك مع أختك تتلذذ بالضرب، نعم كان لدي نسبة شك .. لكنني تيقنت الآن.
أنا: أتوسل إليك يا أبي، لا تترك أمي فهي بدأت منذ ثلاث سنوات في رفض تصرفاتي هذه.
أبي: لا يا بني، فهي ضربتني بمقتل حين تعاملت معك كأنثى، فظهرت لديك بوادر المرض.
عُدنا للمنزل سويًّا.
أنا: لماذا يا أمي تعاملينني كفتاة منذ طفولتي .. بل منذ نعومة أظافري؟
لماذا تسمحين لي أن أرتدي ملابس أختي؟
لماذا فضحتي أبي أمام البشر؟
شهقت والدتي ونظرت إليَّ بعين محدقة ..
أبي: أخبرت مهند بكل شيء، أنتِ الجانية، هيا اخرجي من حياتنا، سينتقم لنا الله منكِ، لماذا طعنتيني بابني .. أَتُعَذِّبين نفسك؟؟
هذا ولدك .. أتسمعين عن الأمومة؟!!
أنا: ألا تتعظين من عيشه بالذل معك لسنوات طويلة، ألا يكفيكِ إهانة والدك له، ووَضْعِه بمشفى الأمراض العقلية، كفى أمي كفى، لقد طفح الكيل منكِ.
توالت دموعها كالمطر، أخذتني أختي بين أحضانها، وقالت: سامحوها لقد أصابها الله بمرض السرطان لينتقم لكم.
بدأت رحله العلاج
شعرتُ بالشفقة على والدتي، لكن مازال الجدار الحاجز بيننا قيد البناء، لن أسامحها مهما طال بي الزمان.

أضف تعليقاً