أيها البرد القارس في مدن الله البعيدة، ترفّق بنا، ما عدنا نحتملك، وأنت تختبئ بقلوبنا وأجسادنا لتخيفنا سالبا حركتنا وعنفوانا، ألا تهدأ وتستكين يوما؟ ألا ترعوي كسابقة مرت بغيرك، ألا تنقشع عنا وهذا الضباب الذي التفّ حول روحك البائسة.
كانت كلماته تخرج من فيه متكسّرة حزينة هادرة وسط هذا الوادي السحيق، صداها هزّت معاطف الجبال الثلجية، ترددت الأصوات وتعالت معه، على الرغم من شرخها وتقطّعها بشكل مخيف مع أولائك القابعون تحت نير الاضطهاد، ثلوج غطت البيوت والشوارع والبحيرات الصغيرة المترامية الأطراف خلف الجبال الشامخة، انهارت الثلوج بوحشية وقسوة عليهم لتخنق أصواتهم وتطبق على حناجرهم وألسنتهم، ها هم ابتلعوها أسفل جوفهم لا يقوون أن ينبسوا ببنت شفة، البرد مرة أخرى هذا الوحش الكاسر الذي غطى المدينة الآمنة بكل ما فيها من جمال وروعة، بدأ بالزحف لمدائن أخرى ليقمع كل الأصوات المناهضة ويكتسح الجمال، تمتد أذرعه كما الأخطبوط، كلما يمتد ذراع لمدينة ما تتجمد وتنكمش الحياة فيها، كثرت الأذرع وكثر التجمد، حتى نفد منهم ما كانوا يحرقونه، التصقوا بعضهم البعض بحميمية للاحتماء بدفء أجسادهم المتيبسة. هو الثلج الّذي يضرب في الأحشاء بقوة ويكبت الأنفاس بقسوة برده… انّه يلتحف الأيام والمدن والنفوس المستبشرة بالشمس والدفء.
في لحظة سكون قاتل لمعت خيوط الشمس الفضية وهي تراقص الثلوج بانصهار رائع، انهمرت المياه جارفة معها الصخور الصغيرة والكبيرة محدثة تصدعات في الشوارع وانزلاقا في تربتها لتجرف البيوت والأشجار معا من هذه السيول العظيمة، كم رائعة هذه الطبيعة جمالها في قسوتها.
استبشروا الناس خيرا وتعالت أصواتهم أكثر بفرح غامر لمغادرة هذا الكابوس الجاثم على صدورهم زمنا.
تلبدت السماء بسحب سود. كان اله الثلج القابع في قمم الجبال أرسل لمن حوله لنجدته فتحالفوا معه وأرسلوا غيومهم السود لتمطر وابلا من الثلج السريع ليطفئوا فرحة الناس ويحيلوا شعاع الشمس القادم إلى ظلام أسود كروحهم، إنه البرد مرة أخرى يا لهول تعاستنا، نتف الثلج أحرقت الأخضر واليابس، المدن انهارت مرة أخرى سارعت الناس بالرحيل إلى مدن الشمس تاركين خلفهم ذكرياتهم وماضيهم الجميل قسرا، بعدما ضاع الوطن في زحمة الليل البهيم.

أضف تعليقاً