لأول مرة من فوق قمة الجبل تبدو القرية لخادم سيدي بعيدة جدا ،لا تكاد تتبينها
العين.. نزوة سحيقة هي في قلب تقي ، كما بدت لصغرها نقطة لا تتسع
للمعاملات و العواطف .. خانة حسن هي تزيّن خد هذا الجبل الأحمر .. يصافح
النسيم الصافي وجه الشيخ فيتنفس معه الإباء و التميّز ، وتحدثه نفسه في مكر:
ألم تكن هذه الجبال تدلل القرية ببركة سيدي؟! و حياء منه تهدهدها برقة و
لطف ؟ ألم تهدها المياه العذبة و الفواكه اللذيذة و الزيت الفاخر؟!
فيحرك رأسه في كمد وحسرة :
نعم كان ذلك يوم كانت تعقد مع سيدي صفقات الحب و الولاء والخير و
الرخاء.
و راح في تلك القمة البعيدة عن الضجيج يستمع إلى همهمات الأشجار.. يتنصت
إلى نبضات قلب الجبل .. هذا القلب الذي طالما نبض بالسرور فدفع إلى السطح
ماء عذبا يثلج الصدر و ينبت الأشجار ، و نبض بالحزن فدفع ماء ساخنا يستشفي
به الناس من أدوائهم ، و نبض منذ زمن بالغضب فدفع حمما يتغذى بها النبات ..
فما أعظم قلب هذا الجبل و ما أرحمه بمن يقلهم!
عبثا حاول أن يسمع هذه النبضات الآن، ترى إلى أين نقّل الجبل فؤاده ؟أليسوا هم
حبه الأول ؟ لا أعتقد أنه ذهب إلى سيدي آخر، لقد أضرب عن الحب حتما .
حبل سُرّي كان هو الطريق الذي يربط القرية بسيدي ..يضخّ الأنغام الروحية..
قرون و أهل القرية يحجون إليه .. لقد كانوا يرقصون على نغم واحد ، أما اليوم
فقد تعددت الحبال السُرّية، و اختلطت الأنغام .. هجروه، واستبدلوه بصحون.. لقد
أصبح في بيت كل واحد منهم سيدي أو أكثر ..هي مظلاتهم المعكوسة ضد
زخات الملل و الفراغ قبل أن تكون بساط الريح المأجور إلى جنة الفرنجة.
لقد انقطع الحبل السُرّي المباشر الذي كان يبتهل بهوى واحد ،و جاء عصر
الأولياء الذين يبتهلون بأهواء مختلفة و يتضرعون بنكهات البلوتوث ، و عوضت
الشهقات بالترددات و التحكم عن بعد.
بقي يداول النظر بين القرية و بين سيدي، كأنه يستعدي هذا على هذه :
لقد أسلمتهم الجبال للعطش ، حمتهم في الماضي من فرنسا و قهرت العمالة و
الخيانة، لكنها اليوم تخذلهم أمام العطش. يستحقون ما يحدث لهم! غوري أيتها
المياه أعمق، فلن تغوري أكثر من ابتعادهم عن سيدي ! و لكن كيف أغادر القرية
دون موكب وحداد؟! أعظم من مصيبتي أن تمر دون أن تسجل على صفحة
الزمن مراسمها !يا لفجيعة أجدادي إن علموا بخروجي الصامت من القرية..
بخروجي و المفاتيح معي، لا أجد لمن أبيعها.
ألا بعدا لهذه القرية ! لطالما زحف كبراؤها على عتبة المعبد و من فوق ظهورهم
المنحنية تنزلق كل معاني التزلف، و معها القربات الثقيلة و الثمينة ، وكان
المحظوظ منهم هو ذلك الذي أتقبل منه قبل الآخر.. دنكشوتية هي أن يتمسك شهر
بالمكوث محتجا بعدم ظهور هلاله، أما أنا فسأرحل و أنا حامل معي هلالي ضمن
شيكاتي .
أنا ذاهب يا قرية السوء، سأتركك لسيدي، لينتقم منك، سأمزق بنديري ليندثر معه
نشيدي الرسمي ، و سأعيش مما جمعته منكم طوال حياتي ، سأحيا الحياة اللائقة
برجل غنيّ ..انتهى وقت الجمع و العد،وبدأ عهد التمتع بجد.. سأغادر المعبد الذي
عشت فيه قطعة أثرية محنطة تعجب الزائرين بعراقتها، و سوف أذوب وسط
أناس آخرين كما ذاب أخر أمراء غرناطة، و لكنني محظوظ عليه لأنني لن أسمع
توبيخ أمي .
لقد كان المعبد يمنح أجدادي ما شاؤوا من الأولاد،فالخصوبة عندهم علامة
مسجلة، و هاأنذا أخرج من القرية شيخا عقيما..ألا تبا لي !كيف يدخلك أجدادي
أمس جماعات محبوبين ،و أخرج منك اليوم فردا ممجوجا؟! ألا ما أمر
العقمين:عقم الأصلاب و عقم الأفكار!
سحقا لك يا ناكرة الجميل،يا مشركة في الحب و الولاء..سجلي يا أوراق الزيتون
أني أنا خادم سيدي غاضب على القرية إلى يوم الدين، أما المفاتيح فسترافقني
حتى أجد من يدفع فيها ما تستحقه، ولن أمزق البندير كما قلت في لحظة غضب..
سأورثه لمن أتبناه ، وسترجع نغمته يوما النشيد الرسمي.
- انسحاب خادم سيدي
- التعليقات