تكورت. كتلة ألم ترتجف في شغاف روحها. لم تكن سجدة طاعة، بل سجدة انكسار. جسد يرتدي زرقة ليل حالك، ووشاحًا بلون شفق باهت، انطوى على كيان صغير، يرتشف حزنًا مكنونًا في كل خيط من قماش. يداها، اللتان رفعتا يومًا دعاء بخشوع، غرقتا في خصلات رأس تفوح بعبق طفولة راحلة.
هنا، على بقعة باهتة من الزمان والمكان، ذابت الأمومة في بوتقة الفقد. كل نبض في قلبها كان صدى لصرخة مكتومة، وكل دمعة انحدرت بصمت كانت نهرًا من اليأس. كانت تحتضن فراغًا، لكنه فراغ محشو بضحكات طفل ملأ الدار، وخطوات صغيرة دبت في أرجائه، وأحلام وردية نسجتها لأيام قادمة.
ما عادت تبحث عن مواساة؛ فالمواساة نفسها غادرت مع الجزء الأغلى. كانت تتوق لملاذ، لكهف يواريها عن قسوة نور شمس تذكرها بغياب ضوئها. في تلك السجدة، خرست الكلمات، وبقيت لغة الجسد البليغة وحدها تئن من ثقل الفراق. سجدة كلما تعمقت، زادتها غرقًا في يم الأحزان، لكنها خبأت في أعماقها بذرة أمل خفية: أن هذا الانكسار بداية لتماسك جديد، وأن الألم سيهذب الروح، وإن طال أمد السجدة.

أضف تعليقاً