هِي ذِي ترْحَل مَعَ الطيُور المُهَاجِرَةُ، والمدَى شوْقٌ وحَنينٌ، والنبْعُ مُضمّخٌ حَزينٌ، ولكمْ هُو مُؤلمٌ أنْ تسْتقبِل {عَمْرَة} ذلِكَ المسَاءُ مُكالمَاتٍ بَائِسَة مُلفّقة، فيهَا لومٌ وعِتَابٌ، وفيهَا تأسُّفٌ واسْتنْكارٌ ! ايَّام تمُرُّ، واالمُناسَباتُ تتجَدَّدُ، وفِي بيْتها تسْتردُّ عَافيّتهَا، وتتخَلصُ من كوَابس احْزانها، وتعِيدُ بنَاءَ حَياتهَا بثقةٍ فِي النّفس واقتدَار
ذاتَ يوْم كالح من ايّام الخَريف، وفي سُكُون صبَاحَاته، تعَكرَت اجْواءَ البيْت فجْأة، استيْقظت {عَمْرَة} على صُراخ والدَة زوْجهَا، وهيَّ تمْطرُها بوَابلٍ من الكلمَاتِ النابِيّة القبيحَة، وتدعُوهَا للرّحيل، تقول لها: لم يعُد لكِ مَكان في البيْت ! عَجُوز صمّاء ِبكمَاء مجْنونة ذاتُ لسَان طويل، تتوَعّدُ فتاةً مُثقفَة وتطرُدُها، ياللعجب..! تتسَاءَل عَمْرَة وفِي تساؤُلاتها غُصَّة: ما أذنبْتُ في حَقِها أوْ أسَأت لهَا..! تحَمّلتُ مافيها من عُيوب وأمْرَاض، واقسَى مافيهَا، العُيوبُ الجَارحَة، تحَمّلتُ انطوَاءَ الزوْج الأبله، وسَخَافةِ سُلوكِه وغَباوته، وماحَدث حَدث .”ربَّ ضارَّة نافعَة..! ” يقفُ الزوْج فاغرًا فمَه مبْهُوتا، ومَا إنْ دَخل غُرْفتهُ حَتى عَلا صوْتُه مُدويّا وبذاتِ الالفاظ البَذيئة: أسْمَعَهَا مَالم تسْمَعْ، أنْت طالقٌ ثلاث، وكأنّهُ مُهيّأ من قبلُ لهذَا الفِعْل الشنِيع، تبْتلعَ شهْقتها، وتتسَاءَل بمَرَارةٍ : مَاذا يحْدًثُ فِي هَذا البيْتِ المنْكوب.؟ تُسَاورُها الظنُون والوَسَاويسً الهوْجَاءَ، يمْتقعُ لونُها ويجِفُّ ريقُها، وبيْن بوَاسِق الوَجَع والحُلم الخادِعٌ الذِي كان يُراودُها، تقول بصوْتٍ خَفيض: عرْبدَ الْعَارُ وعَمَّ النّفاق، فلامَعْنى لبيْتٍ قفْر خَرِبٍ تحْكمُه جَاهِلة، فاقِدَة ُ للوَعْي والْحيَاءِ، وتُجيلُ فيها النظر، وتقول لزوجها المهزُوم: أنْت غَريبٌ الاطوَار! اللحَظاتُ الحَرِجَة تُوقظ في دَاخِل المَرْءِ شُهُبٌ الضَّمِير، تُحَرِّك رأسَها وتقول: ما حَدث ليْس غَريبًا ؟! فيَاويْحَ مَن جعَل نفسَه عَظمًا تنْهشهُ الكلابُ، ينْظر اليْها مُتملقا، يسْتردُّ انْفاسَه المُسْتهلكة، ويَسْتل لُهَاثه، ثم يَقول: امِّي طلقتكِ وقُضيّ الأمْرُ، يدُوسُ عَلى الْجُرْح بهَذا الهذيَان، فتسْترَقُ النظرَ إليْه، وهُو يَتلقَى مُكالمَة هاتفيّة من وَالدَتهِ، تُمْلي عليْه مايَقُول، وتسْتحِثهُ أنْ يَتخِذَ القرَار، وعَلى شفتيْه يرْسُم سُؤالا لايزَال يتدَلى، وكلامًا يَتناثرُ على رَأسِهَا لم تفْهَم مَعْناهُ ! وإذَا بأمّه تذيعُ اسْرارًا مُلفقة لم تكن تعْرفُها، وفي يَدِها قضيبٌ من حَديد تلوِّحُ به، الأمْرُ غَريبٌ وعَجِيبٌ..! انْسَابَت دمْعَة عَلى خديْهَا، عجُوزٌتهْذِي نسيّها الموْتُ، وهاجَرَهَا االعيَّال، امْرٌ عًجيبٌ ! يتخَاذلُ لسَانُهَا وتكتفِي بالقول: إنّهُ فتحَ اكثرَ مِن نَافذةٍ مَعَ أمِّه، والأمْر تجَاوز الحدُودَ، ترْمِي ببَصرِهًا بَعيدًا، وفي خلجَاتِ صدْرها يتردّدُ السُّؤَال، لحْظتهَا..كانَت تشتقل عَلى جمْع حَقائِبهَا، وقبل أنْ تُغادِرَ البيْتَ، انتابتْهَا مَشاعِرَالحُزن المُكفّنة بالمَرَارَة وهِيَّ تقول: سَتندَمُ أيُّها الشقِيُّ ، وأنْت الْخَاسِرُ فِي الأخِير {.. سَوف ترَى اذا انْجلى الغُبار** افرَسٌ تحْتك أم ْغُبار..} الكلماتُ البذِيئة تفتحْ نوَافذ الُغرْبة، وتُضيءُ مَسَالك الدُّرُوب الوَعِرَة.
هِي ذِي ترْحَل مَعَ الطيُور المُهَاجِرَةُ، والمدَى شوْقٌ وحَنينٌ، والنبْعُ مُضمّخٌ حَزينٌ، ولكمْ هُو مُؤلمٌ أنْ تسْتقبِل {عَمْرَة} ذلِكَ المسَاءُ مُكالمَاتٍ بَائِسَة مُلفّقة، فيهَا لومٌ وعِتَابٌ، وفيهَا تأسُّفٌ واسْتنْكارٌ ! ايَّام تمُرُّ، واالمُناسَباتُ تتجَدَّدُ، وفِي بيْتها تسْتردُّ عَافيّتهَا، وتتخَلصُ من كوَابس احْزانها، وتعِيدُ بنَاءَ حَياتهَا بثقةٍ فِي النّفس واقتدَار، وجَاءَ مَن يخْطبُهَا، فتتزوّجُ شابًا وسِيمًا، مُثقفا خَلوقا ثريًا، وتشترَط ُعليْه امْرًا عَجيبًا ! أن يمُرّ بها مَتى شَاءَ، على مَنْزل زوْجِهَا السَّابق، المنزلُ الذِي اهِينت فيهِ؛ ذاتَ ضُحى رَكبت السَيّارَة مع زوْجِها، وتهيّأت لرحْلة الإنْتِقَام، والانتقامُ سِلاًحُهُ المَكرُ والدَّهَاء، خرَجَت مزْهُوّة والابْتسَامة تُداعِبُ ثغْرَهَا، مَرَّ بهَا على عِمَارةٍ يسْكنُها، وفِي مَكانٍ يتجَمْهَر فيه الشبَابُ، تظاهَر زوْجُها بأنّ السيّارة توقفَت، لحْظتها كانَ ذلك الشقيُّ وَاقفًا مَع ثلةٍ مِن الرِّفَاق عندمَا رآهَا، أخذ يُحدّقُ فيهَا بوَلهٍ، وكانَهُ يجْهَل ماحَدَث، كانَت امْرأة لعُوب، دَغْدَغَتْ عَوَاطِفَه بمَفاتِنهَا، واختزَلت الزّمَن الْهَاربَ، فصَاحَت فِي صَمْت يُشبِهُ النبْض، لتُحَرّك عوَاطِفَهُ وانْفعَالاته، وتسْلبُ حُشاسَة قلبه، فتجْعَلهُ في حَالة رُعْب وهيَجَان، يُصابُ ببُكاءِ هسْتيري رَهيب، شذَاجَة أجْبرَتْهُ على ألإنْحِنَاء، فيَقفُ كالتمثال النُّحَاسِي ذلِيلاً صَامِتاً دُونَ حِرَاك، من يوْمهَا لا زَمَ البيْت اشْهرًا، هائِمًا نادِمًا مُطالبَا بإعَادتها، نَشبَت بيْنه وبيْن زوْجِها معْرَكة شعْوَاء.. تنابَذُ وتلاسُنٍ، ازدَادَت احْوَالهً سُوءًا، اخَذ يهْذِي مُتنقلا بيْنَ الشوَارع، يتجرَّعُ الْمُرَّ عَلَى أرْصِفة الوَهْم، حَتى سُمِّي بمجْنُون{عَمْرة} ذاتَ ضُحَى، اقبل امَام القرْية وهُورجُل صالحٌ من حُكمَاءِ البلدِ وصُلحَائِهَا، جَلسَ يُحدِّثه فَقال: أنْت طلقت عَمْرَة أمْ هِيّ التِي طلقتك؟ اجَابَه أنّه هُو الذِي طلقها، فأنْت اذَن ” ..تقيّأت وترْغَبُ فِي اسْترْجَاع قيْئك..” ..ألا تخْجل؟! مَاذا قالتْ لك وهيَّ تخرجُ من البيْت؟ قالت: سَوْف تندَمُ ، ثم اسْمَعَتني شعْرًا، وقالت: احْذر..كيْدَ النسَاء، إنّ كيدَ هُنّ عَظيمٌ، تذكر ذلك، فوقفَ مَفزُوعًا مهْزومًا مبْهُوتا وبدَتْ لهُ سيِّئَاتُ مَافعَل.! فأخَذ يهْذي ويَقول: فعلتْها..أجَل..حَضَرَت هُنا لتتنْقمَ ! وانْتقمَت، حَتّى وَإنْ كَانَ الانْتقامَ فِعْلا جَبَانا، لكن الظلمُ ظلمَاتٌ، ياوَلدي.. “.. اذَا أصِيبَ خزّانُ العوَاطِف بالعَطب، فلا تُحَاوِل جَبْرَهُ..” كنْت السَّبَب فيمَا حدَث، ضَعِيفا تافهًا ظالمًا، مُندْفعًا حدّ التهوّر، اسْتغفر الله لذنبك، وعُدْ إلى رُشدك، والزمْ بيْتك وزوْجك..تمَلْمل واعْتصَر، وعانق عَفَن جُرْحِه قبل أنْ يبتلعُهُ، وفِي هَدْأة الصَّمْت، يتسَللُ إلى مَنْفَاه، و يَخْتفَى مِن المَدِينة.

أضف تعليقاً